السفير في 22 تشرين الاول 2008
تفتح الباب مراهقة نحيلة. تطل أم فادي خلفها فتفسح الفتاة مجال الترحيب للسيدة الخمسينية المتحفظة قبل أن تنسل إلى أقرب الأبواب إليها. أم فادي تعلم بقدوم زوارها. هاتفها الدليلُ قبل ربع ساعة قائلاً إن صديقه، طالب الدراسات العليا في علم الإجتماع، يعدّ رسالته الجامعية عن الدعارة. بالغ في التأكيد على الحفاظ على سرية اسمها ومكان إقامتها وكل ما قد يفضح هويتها. ترددت قبل أن تقبل، ورفضت تسجيل صوتها.
البيت شقة في أحد أبنية طفرة التسعينيات التجارية الرخيصة فوق عقارات رخيصة إلى سفح جبل لبنان. الرجل الواقف إلى مدخل المبنى، والذي تابع يرمقنا بنظرات قاسية ونحن نترجل من السيارة ونصعد إلى الدرج، بدا جاراً حانقاً على البيت ذي الصيت السيئ، أو هذا على الأقل ما تراءى لنا.
البيت الذي نمشي في ممره، الآن، خلف أم فادي، عادي ليس فيه ما قد يحيله إلى مخيلة الأفلام عن بيوت الدعارة. المراهق النائم على كنبة متهالكة في المطبخ أجفله صراخ الدليل الممازح يوقظه من النوم، أما المراهقة الجالسة إلى كنبة أخرى فلم تعر أي انتباه للضيوف المتوقفين لدقيقة أمام غرفة المطبخ. هي غير الشابة التي فتحت الباب لنا.
تدخلنا أم فادي إلى غرفة نومها. فيها سرير كبير يستند إلى الحائط ويحتل الغرفة، بينما يملأ الجزء المتبقي منها آلتا خياطة وكراسٍ بلاستيكية. تبدو السيدة الضئيلة الجسم والشديدة الاحتشام مرتبكة جداً. تنظر في الدفتر والقلم الموضوعين على طرف خشب طاولة آلة الخياطة. تقول: تحرّي، صح؟. يعاتبها الدليل، وهو موضع ثقة لديها، ويعيد الكذبة الأولى عن الرسالة الجامعية. تقبل أم فادي على بعض مضض. لو قيل لها أن المقابلة من أجل الصحافة، لما كان من غبار على رفضها.
هي لبنانية بلكنة تدل إلى مسقط رأسها، وشكلها يحيلها إلى واحدة من النسوة التي يلتقي بهن الواحد في كل مكان، في سيارة الأجرة، عند بائع الخضار، في الفرن. كل ما فيها يدل إلى أنها أم وربّة منزل. فقط صاحب خيال جامح جداً وربما مريض قد يتهم أم فادي هذه بأنها قوّادة.
كلمة بترونة ليست سهلة
بإذن الله بطّلت المقدور، تقول المرأة التي ما زالت متخوفة، لأن أولاد الحرام الكثر ضيقوا عليها ووشوا لمكتب الآداب، كما أنهم سرقوا من بناتها. المقدور هو مهنتها كقوادة، ووقعت فيه في مصنع الخياطة. أتاها رجل يغريها بأنها جالسة على كنز، وأنها إذا أقنعت بعضهن بالعمل فستمطر الدنيا مالاً. لم تجرؤ السيدة على مفاتحة أي من فتيات المعمل. لاحقاً، أخبرها أحدهم أن رجلاً آتياً من بلد عربي يريد فتيات، فاتصلت بمن كان يغريها بتشغيل بنات المصنع. كان عنده بنتان، واحدة عذراء والثانية ليست كذلك. سألته أم فادي التي تخاف الله عن العذراء: كيف بتطلع؟. أجاب: مش مشكلتك.
هكذا، أخذت الفتاتين إلى الزبون، وناولني 4000 دولار. لم تكن قد حملت في حياتها مبلغاً كهذا. الفتاتان غابتا لنصف ساعة فقط. وأعطاهما 1500 دولار أيضاً. هذه بداية تعود إلى عشر سنوات خلت. والحادثة كانت إيذاناً للأرملة وأم أولاد وبنات يكبرون، أن حياتها قد تغيرت.
خلافاً لما بدأت به كلامها، هي لم تترك عملها كقوّادة. هذا اعتراف سرعان ما تدلي به. لا رقم محدداً لمن يعملن ويعملون مثلها، وإن كانت القوادات أكثر عدداً. على ما تقول أم فادي، فبيتها ليس لممارسة الدعارة، بعكس أم بشير مثلاً، التي تصير الدخلات في بيتها. تحكي عن منافستها باشمئزاز. طريق أم فادي كان مختلفاً. إنتشر رقم هاتفها الخلوي حيث يجب أن ينتشر. وبنت جامعة واحدة نجحّت مكتبي، تقول آسفة على فتاة كانت جميلة جداً وتعرف كيفية التصرّف مع الزبائن. لكن هذه سرعان ما فتحت على حسابها وصارت تشغّل الفتيات. مكتب أم فادي استمر مفتوحاً، وواحدة تجلب مئة. صار لديها شبكة واسعة من الزبائن كما من الفتيات. مهمتها اقتصرت على تلقي الطلبات عبر الهاتف، وإيصال الفتاة إلى الزبون لتقبض منه، لتقتسم المبلغ لاحقاً مع الفتاة، ولا دخل لأم فادي بما تحصّله هذه بشطارتها من برّاني. وإذ ترتاح هذه السيدة يكثر كلامها. تقول إنها حازت على شقف مهمة وكانت الواحدة ما بتطلع تحت الألف دولار لليلة. ترجمة هذا اللفظ المهين، الشقفة، هو أن الفتاة لم تبلغ العشرين من العمر، وجميلة جداً، وتبيّض وجه الزبون إذا ذهب معها في نشاط إجتماعي عادي كالسهر في مربع ليلي مثلاً، أو دعاها إلى عشاء في مطعم محترم. الأمر إذاً لا يقتصر على الجنس. هناك الكثير ممن يريدون الرفقة فقط. يحجزون فتاة ويدفعون خمسة آلاف دولار لأسبوع. بعضهم قد لا يلمس الفتاة، غير أنه يتباهى بها أينما ذهب. فائقات الجمال يتخلصن بسرعة من القوادين ويسلكن مثل هذا العمل الحر. لا يعود الأمر يقتصر على المال مقابل الجنس، بل على فترة مواعدة لقاء البذخ في صرف المال عليها من الهدايا إلى السهر وصولاً إلى السفر. مثل هذا العمل سيفتح للفتاة أبواب الأناقة وعمليات التجميل وغيرها. بعضهن يصعد سلم البغاء إلى قوادي العلاقات الواسعة والمال الذي يجري نهراً. لكن، حرام، كلهن يندمن على أيامها، لأن المعروف عنها قلبها الكبير. هي بمثابة والدة لهن. بيتها مفتوح دائماً، شئن العمل أم أبين. يأكلن وينمن مجاناً. ولا تجبر واحدة منهن، ولا تفرض على واحدة فض بكارتها، بل تشترط على الزبون الراغب بعذراء أن يبقيها كذلك. وإذا عرفت أن زبوناً تصرف بوحشية مع الفتاة لا تعود ترد على اتصالاته مهما حاول.
أخلاقيات أم فادي تقف عند هذه الحدود. هو مزيج من القيم غير المفهومة لإمرأة يختلط في كلامها الورع الديني مع الألفاظ النابية، وتظهر بمظهر المضطرة التي تقوم بخدمة إنسانية حيث تلوذ بها الهاربة من أبيها الذي اغتصبها، أو أمها التي بتغرز (تتعاطى المخدرات بالحقن)، أعطتها إياها وهي في الثالثة عشرة وقالت لها فضي بكارتها وشغليها، أو غيرها من الحالات التي تقطّع القلب. أم فادي الآسفة هذه، تحتضن الفتيات غير أنها تعيش من خلالهن، ولا تملك من السطوة إلا تلك العاطفية المطلوبة لفتيات هذا العالم المعقد.
أم فادي ضعيفة ولا ظهر لها يحميها. حين قبض عليها للمرة الأولى حطمت كارتها (بطاقة رقم الهاتف) وحلفت ألا تعود إلى العمل، لأن كلمة بترونة ليست سهلة. كان بطرس، القوّاد الشرير الذي يعنف الفتيات ويسجنهن ويجبرهن على ممارسة الدعارة ويقص شعرهنّ، هو الذي وشى بها لأنها خلّصت فتاة من شره. هي عادت لاحقاً إلى العمل لأن نانا سحبت رجلها، وأغرتها فوزعت رقمها الخلوي الجديد على المعارف. نانا هذه كانت لا تطلع بأقل من ألفي دولار في الليلة. الآن صارت عند رورو وهو من الأقوياء الأقوياء. لديه مفاتيح أهم النسوة وأشهرهن. رورو إسم سيتكرر على أكثر من لسان. هو قوّاد البغاء المخملي. زبائنه من فاحشي الثراء، وليلة الإمرأة التي تُطلب باسمها المعروف، قد تصل إلى خمسين ألف دولار. لديه مفتاح فلانة وفلانة.. وحتى فلانة لديه مفتاحها. تسمي أم فادي ما لا يمكن نشره من أسماء، غير أن ما تقوله يحيل إلى أساطير هذا النوع من البغاء الذي يدور في فلك الإشاعات عن ألبوم الصور وعن أسماء فنانات وعارضات أزياء وما إلى هنالك.
أم فادي القنوعة تكتفي بالفتيات المتوسطات الجمال. مع ذلك، فإن ظروف العمل إختلفت في سنوات الأزمة اللبنانية الأخيرة حيث خفت السياحة (وبالتالي السياحة الجنسية)، وصارت المنافسة هائلة، وكثرت بيوت الدعارة. كما أنه صار هناك من يتاجر بالرقيق. يجلب فتيات من دول عربية بطرق شرعية أو غير شرعية، ويعطيهن للقوادين لقاء مبالغ معينة من المال. خربت المصلحة، تقول، وتعيد التأكيد على محبتها لمن تسميهم بناتها مما يجعلهن يبقين لصقها على الرغم من إغراءات الآخرين. وحين تدخل إلى الغرفة الفتاة التي فتحت باب البيت حاملة صينية القهوة، تأخذها أم فادي من ذراعها وتجلسها لتحكي لنا عن معاملتها لها. أخبريهم عن أمك، تقول لها، شو عملت معك، وليه هربت من البيت؟. تتابع بنفسها: كانت بدها تشغلها وكان عمرها 14 سنة. ما الذي تغير إذ هربت؟ لا شيء. صارت أم فادي قوادتها. هذه المراهقة، بقميصها القطني المحتشم وبنطلون الجينز، ووجها الخالي من أي مساحيق، هي نموذج طبق الأصل لأي فتاة لبنانية بعمرها اليوم، أي الثام
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |