السفير في نيسان 2007.. في ذكرى الحرب اللبنانية
في الغرفة الضيقة تنبض قلوب عديدة. تمر صور في الرؤوس. في رأس محني نرى جسداً صغيراً. نرى يداً تمسد على شعر الطفل، ثم ظهر امرأة تنحني وترفع الطفل عن الأرض. نرى وجه الطفل يقترب ثم نشعر بطعم قبلة على خد طري. الحلق الآن جاف. الشفتان تركنان الى ذكرى الخد الطري عليهما.
في رأس آخر، يستند الى جدار بللته الأنفاس المتلاطمة بين الحيطان الأربعة، نرى عجوزاً جثت على ركبتيها تلتقط ساقين خضراوين فوق جزمة سوداء. تمرغ وجهها بهما. نسمع صوت الأم العجوز. نسمع صوت الرجل بالساقين الخضراوين. نسمع ما يشبه الشتائم. هذه أصوات بطيئة. بعيدة ومتقطعة وثقيلة. لا نميزها. نسمع فقط ضرب القلب في الأذنين. نشم رائحة العرق الحارقة. تسوّد الدنيا وتختفي فجأة رائحة العرق. لحظة ونشعر بخشونة القماش على الجفنين والعينين. لا نتذكر ما الذي يحدث. نتذكر الخوف. الخوف الهائل جعل الكتفين خدرين. في الغرفة، يرى الرأس المستند الى الجدار أمه تولول. يتحسس بذهنه خلايا عنقه حيث انهالت الصفعات. يتحسس الركلة على ظهره. يتخيل موته. يسمع ضرب قلبه في أذنيه. يجهل أن دموعه تسيل.
في الغرفة التي صارت من دون رائحة، نسمع أصوات الأنفاس العديدة. نسمع سعالاً. في الرؤوس نسمع تضرعات الى الله. تضرعات أخيرة يائسة. تختلط بصور غير مترابطة. صور تتدفق من عقل فقد السيطرة. بعشوائية يعمل. يفقد معنى الزمن ومعنى الصورة. إن اصغينا، ففي الغرفة الصامتة ضجيج لا يطاق.
في أصغر رأسين في الغرفة، نرى ذهولاً عميقاً. يد تكمش يداً. الأول في الخامسة عشرة والثاني في الرابعة عشرة. كادا يكونان توأمين. لكن الثاني، الصغير، هو من يعصر بكفه المضمومة أصابع شقيقه. لا يفكر. يبكي ويشد على أصابع أخيه. الأول يرى وجه أمه. يظل يراه. كلما سمع صوتاً في رأسه عصر أجفانه ونظر في وجه أمه. يحرق قلبه بكاء أخيه المكتوم. يشفق على أخيه وعلى أبيه وأمه وأخيه الطفل. يشفق على نفسه.
إنزلْ. فتح الأول باب سيارة الأجرة ونزل. لحقه الثاني. نهره الرجل في القناع. عد الى السيارة. الثاني لم يقبل. راح يبكي. يريد البقاء مع أخيه. بماذا فكر؟ لماذا لم يقبل بالرجوع و
المزيد