اقتربي

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 4 حزيران  2003

لك هذا الليل فلا تذهبي إلى نومك مبكرة. ما من قمر في السماء وما من ملامح تستعيد ملامحها أحلى أغنياتك. ما من ورد في زوايا البيت وشرفتك لا تطل على أحلام كثيرة. لن تعبثي الآن بصورك التي أمست عتيقة ولن تنبشي غباء مراهقتك الذي احتفظت به متعرجا ملونا في دفاتر يوميات لم تكن يوما دقيقة. لا. لن تقرأي الآن كتاب شعر لنزار قباني وتضحكين لما كنت تظنينه أحلى الكلام. ولن تبحثي عن الأغنية التي أوقعتك في هوى عبد الحليم. لك كل هذا الليل فالمسي نقاءه واقتربي قليلا منك.. اقتربي.
لك هذا الليل فخذي ملء كفيك حفنة من صمته واسهي. هنيهة وتعود الشمس وتفيقين اليها. ستتركين بعضا منك في السرير حين تغادرينه. وبعضا آخر منك ستخسرينه عند المرآة الاولى. وسيغسل الماء كثيرا منك. وستبدلين منك قليلا وأنت ترتدين ثيابك. وستعتنين بشعرك ولن تلتفتي إلى الصور في الاطارات وعند عيني أمك الصباحيتين ستفقدين بعضك. سيصعد الشارع اليك وتتدخل مذيعة الشاشة في صباحك وس


المزيد


الارض مدورة

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 5 آذار 2003
لا تمعن في قراءة رسالتي. اقرأ بسرعة. ليس فيها الكثير من الحكايات الجديدة. فيها قليل من حزن اريده في هذا الصباح لأخفف بعض شوقي إليك. إن شئت فلا تقرأ. إرمها في مكان ما على أن تقرأها لاحقاً ثم انس مكانها. لا بأس. هي ليست مكتوبة إليك. هي ربما مكتوبة إلي.
من أين ابدأ الرسالة؟ سؤال لا بد لي أن أبدأ الكتابة به. هكذا تعودت كتابة الرسائل. سأبدأ من العمر الذي تقاسمناه سوياً. من الحب الذي لم يكن يوما يقال، بيد أنه كان يطفو فوق سطح الكلام. على الرغبة في حوار نلتقط أطرافه ونغيب في ثرثرة لذيذة تكاد لا تنتهي. نحكي لمتعة الحكي. نفرح بالكلام. بالنميمة على آخرين.. باليوميات التي تعيد سرد تفاصيلها ونعيد سرد تفاصيلها. بالتهكم المتبادل. لهذا ربما أكتب رسالتي. لأنني لا أريد أن أفشل إن حاولت أن أستعيد لاحقاً شيئاً ما. لا أريد أن أشعر بالذنب. لأنني لن أكف عن سؤال نفسي كم أنا ما زلت أحبك. وعندما سأسأل نفسي سيكون وجهك أمامي وعليه أن يحكي معي، وجهك وليس صوته يأتي بالهاتف. وجهك وليس بريده الإلكتروني. وجهك وليس صورته فوق الورق. وجهك.. وليس غربته الحزينة.
لا تقرأ رسالتي فهي ليست مكتوبة إليك. هي مكتوبة إلي. مكتوبة كي أخفف من خوفي. كي أعد نفسي أن ما دامت الأرض مدورة فسنلتقي. أكره عبث الغربة ولن أفكر فيه في لحظة كهذه. أكره عبث الفراق الذي من دون معنى. أكره الغربة القسرية. لكنني لن أفكر في لحظة كهذه بالغربة. للغربة رب من غباء يحميها. عمرنا من يحميه؟ عمرنا الذي يمضي بدوننا من يحميه؟ من يحميه من ترهل الذاكرة. من يحميه منا؟ عمرنا الذي نرسمه بوجودنا سوياً لماذا نتلاعب معه ونغير من عاداته التي أدمنها؟ الأرض مدورة وسنلتقي. وإلى أن نلتقي يجب أن أبقي على عمري كما هو، من

المزيد


هل يكبر سوبرمان؟ هل يموت مثلنا؟

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير، إثر موت الممثل كريستوفر ريف
مات سوبرمان؟
البارحة كان كريستوفر ريف على شاشة البي بي سي يجري حوارا. كان جالسا بوجهه الجميل وراسه الحليق يحكي ويبتسم. راسه مثبت إلى الكرسي عن طرفيه وهناك آلة فوق عنقه. يبدو عاجزا تماما. يبدو عاجزا عن إكمال العبارة ما لم يصنع حركة بفكه الأسفل تشبه حركة البلع تعيد الصوت إلى حلقه. بدا عاجزا تماما. لكنني كنت اراه رجلا خارقا حقيقيا لأول مرة.
لطالما أدهشتني هذه الحكاية. سوبرمان الذي احفظ كل تفاصيل قوته الخارقة يقع عن الحصان فيصاب بشلل لا شفاء منه. شلل يجعل كل ما تحت العنق عاجزا.
هذا رجل كنت اقرأ مجلاته المصورة بحب لا مثيل له. كان يقوم بمغامرات لا تقف عند العبارة التقليدية مثل "هذا طائر، هذه طائرة، هذا سوبرمان". العبارة التي كان يقف تحتها أناس يشيرون إلى أعلى. لا. مدمنو المجلة لا يقفون عند مثل هذه الكليشيهات. كنت أغوص في التفاصيل.  لم اسأل نفسي قط لماذا يتعرض سوبرمان لكل هذه المتاعب في كل عدد مصور مع أنه سوبرمان. كان الرسام قادرا على إقناعي كل مرة بأن شريرا إكتشف طريقة للوصول إلى نقاط ضعف الرجل الآتي من كوكب آخر ليحمي مدينة مور المحظوظة. وكان سوبرمان يعود فيتغلب على الشرير. كانت المجلة تصدر إسبوعيا وكنت أنتظرها لا لأقرأ عن مغامرات سوبرمان فحسب بل عن نبيل فوزي وطرقه في إخفاء هويته الجبارة عن رنده والمصور نديم حلمي ورئيس تحرير الكوكب اليومي الغاضب دوما. لم يكن في طيرانه ونظره الخارق للجدران ونفسه الجبار ما يغريني لأحب أن أكون مثله. إصراره على العيش في شخصيتين كان أمرا رائعا. وكنت دائما اشعر بالفرح حين يقدر نبيل فوزي على إنجاز أمر ما من دون تدخل سوبرمان في ما يقوم به. لكنني، حين كنت أعجز عن القيام بما اريد القيام به، كنت ألجأ إلى أن أن أحلم بأنني سوبرمان القادر على اي شيء.. كنت اشعر أنني نبيل فوزي الضعيف وأحلم بأنني سوبرمان أحيانا.
لطالما أدهشتني حكاية سوبرمان. إختار أخي أن نجلس في المقعد الأول في السينما حين ذهبنا لمشاهدة سوبرمان. كانت الصالة فارغة ومع ذلك جلسنا في المقعد الأول. كنت بالطبع ممنونا لأخي الذي أخذني معه لأشاهد الفيلم. كنت ممنونا له اصلا لأنه ف

المزيد


هنا لندن.. هناك بيروت

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير 2005 بعد زيارة استمرت 10 ايام الى لندن

في المغسلة حنفيتان منفصلتان. واحدة للماء القارس البرودة وأخرى للماء الحارق السخونة. لماذا لم يضع الإنكليز حنفية واحدة بسكرين كي يتخلط البارد بالساخن؟ كيف يغسل الواحد وجهه أمام هذه المعضلة؟ كيف يعيش الإنكليزي طول حياته مع مثل هذا النظام العجيب لغسل الوجوه؟ ربما يستخدم الماء القارس، لأنه لا يريد أن يحترق. لهذا السبب ذاع الصيت: الإنكليز شعب بارد.
 
***
هم ليسوا باردين تماما. هؤلاء شبانهم وشاباتهم يذهبون إلى النوادي الليلية. يتحدثون ويضحكون بصوت عال. يرتدون ثيابا لا تليق إلا بصيف شديد. نحن، اللبنانيين في لندن، باردون. متلحفون بما قدرنا من إرتدائه من ثياب. نكاد نسقط تحت ثقلها ونرتجف مع ذلك. ننظر إليهم.. إلى السياح بكاميراتهم وخرائطهم الصغيرة. إلى الليل الحي الذي يحيط بنا. لا هروب من المقارنة بين كل هذه الحياة هنا وبين بيروت.لا هروب.
 
***
لا هروب من المقارنة بين مدينتين لأن العينين تحفظان مدينة واحدة تقيسان الأماكن والمشاعر بها. هذه لندن. عراقتها. ساحاتها وحدائقها العامة ومتاحفها. ليلها الذي لا ينقضي ونهارها الذي لا يضجر. هذه لندن المعروفة بضبابها ورماديتها. مدينة من المفترض أنها محكومة بالكآبة ولا حياة فيها. لندن ليست كذلك. لندن العتيقة بشدة. كل المباني فيها تاريخية. المباني الحديثة نافرة في هذا العالم القديم الفخور بقدمه. ما رمت هذه المدينة شيئا من أشيائها. تحتفظ كعجوز بكل ما إقتنت يوما. تصر عليه وتعرضه أمام الآخرين بغرور. هذا المبنى عمره مئتا سنة. تلك الكنيسة عمرها ألف عام. الساعة. الجسر. المتحف. عن أي متحف نحكي؟ الناس هنا يعيشون في متحف. وأنت تمشي، يكاد كتفك يصطدم بكتف تمثال لكثرة تماثيل المدينة. لا كآبة في مدينة فخورة. بيروت هي الكئيبة. بيروت الفارغة شوارعها. بيروت المنتشية بتظاهراتها وإنفجاراتها. بيروت التي تفرغ ليلا من الناس. بيروت مدينة كئيبة ولو سطعت الشمس عليها عند منتصف الليل. بيروت التي بانت قشرتها رقيقة ما إن اهتز سلامها الملتبس. بيروت ليست لندن. لندن تعيش سلاما. بيروت لا تفعل. حرام أن نقارن مدينتين. لكن ما العمل؟
***
 
لا تقارن. خذ كفايتك من البلد الذي تنقطع إليه قبل عودتك إلى واقع مدينتك. لكن الجميع يحكي عن الحدث اللبناني. نحن اللبنانيين المشاركين في الدورة الصحافية. عن ماذا نحكي؟ أحمد النادل في المطعم اللبناني عن ماذا يحكي؟ أحمد ما عاد يرى أو يسمع. الشاب الذي دخل البلاد بعد معمعمة المرور من بلد أوروبي إلى آخر. هذا الذي يعيش في هذه المدينة البعيدة جدا عن الشياح حيث كان يقطن ذووه. هل تريدونه أن يناقش في الفرق بين العمال والمحافظين البريطانيين؟ هل تريدون موقفه من زواج تشارلز الجديد؟ إسمعوه إذا. غادر لبنان منذ سنوات. يقول إنه كان يحب حركة أمل أما الآن فهو شيعي فحسب. شيعي مع السيد حسن ومع الأستاذ نبيه. للإنكليزي أكثر من جواب حول معضلة الحنفيتين لكن لأحمد إجابة واحدة في السياسة: ضد المعارضة وشخصياتها المستجدة على شاشة تلفزيون المطعم. يخوض "مواليا" في السجالات التي تبدأ ولا تنتهي بين الرواد. لبنانيو لندن غارقون في  أيام لبنانيي لبنان. يتفقون على الحريري ويختلفون على كل ما عداه. نسخة طبق الأصل عنا. توجيه السؤال إليك حول إنتمائك إلى الموالاة والمعارضة مضحك. نحن قفزنا فجأة فوق كل دهاليز تاريخنا وطوائفنا وعائلاتنا السياسية المتوارثة وإرتقينا ديموقراطيا إلى الأقصى: إنقسمنا موالاة

المزيد


غربة طوني الجاثمة في مستودع الشحن بلا مستقبلين

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 20 ايار 2003

البارحة عاد طوني كيروز ولم يكن بانتظاره لا ورد ولا حبيبة ولا أم تقبله وتفرح بملامحه. البارحة عاد طوني الى بيروت عبر مطارها الدولي وكان بانتظاره بعض رجال من بشري، قريته الشمالية النائية. وكان بانتظاره خوري بلباس أسود وانجيل في اليد. ولم ينزل من طائرته كما كان يحلم أن يفعل. ولم ير صالة الوصول. البارحة نزل طوني في مستودعات الشحن البعيدة عن مبنى المطار في صندوق مستطيل أبيض كتب عليه بالانكليزية: »Handle with maximum« (عامله بعناية فائقة).
عامل التابوت الرمادي الذي في الصندوق الابيض بعناية فائقة، ففيه شاب لم تنزل أمه من بشري لتستقبله لأنها لن تقدر على مثل هذا الاستقبال. وعامله بعناية فائقة لأنه الليلة لن ينام في البيت، بل في براد مستشفى.
قبل ثلاثة أشهر غادر الى الولايات المتحدة. ويوم الاربعاء الماضي دخل لص الى متجر أخيه حيث يعمل و أرداه. على هذه البساطة تسرق الارواح. على مثل هذه البساطة تقول غربتنا كلمتها ولا تنتبه الى حزن أحد. غربتنا التي تمشي كإبرة ونلحقها كخيط وتحوكنا في كل بلاد العالم.. هي التي تنزل كصاعقة في عائلة فتمزق أوصالها من غير شفقة. ولا تمنع وجهها من أن يكون عابسا وقاسيا الى هذا الحد. مقتل طوني هو وجهها الاقسى والاشد ندرة. بيد أن لغربتنا وجوه أخرى ليست تقل قسوة عن التي رآها طوني. يكفي أن نرى أنفسنا هناك كي نعرف كم هي غريبة غربتنا.
حين نصل الى مطار بيروت كي نغادر، يفترض بنا أن نكون رجالا. رجال ضاق بهم بلدهم الصغير و«يجب« أن يجدوا غدهم في آخر العالم. لكن الحكاية لا تتشابه عند جميع الناس. هناك من له حظ أن يسافر بإرادته. أن يذهب الى أميركا كي يتعلم ويفيد من التجربة. هناك من لا يخاف على مستقبله حين يسافر، لأنه يعلم ان مستقبله سيكون آمنا أنى ذهب. وهناك من يسافر كي يبحث عن مستقبله. وهذا هوعادة من يخاف. وهذا هو عادة من يصير غريبا. لكنه سيصر أنه رجل. سيحاول ألا يشتاق الى أحد. سيحاول أن يكون قويا وألا يبكي. لكنه سيبكي. سيكون عليه أن يفكر في الخيارات المفتوحة أمامه للجامعة وكيف سيستفيد منها. لن ينسى أن عليه إيجاد عمل، لا ليعيل نفسه فحسب بل ليكون وجوده هناك نافعا. وسيشتاق الى كل تفاصيل حياته الماضية. وفي غمرة ضجر مخيف تبذخ الولايات المتحدة في تأمينه للناس على عكس ما تشيعه »هوليودها« عنها، سيفكر في الهرب ولن يجد الى ذلك سبيلا.
»يفترض« بنا أن نكون رجالا في الغربة. هكذا علمتنا دروس الهجرة اللبنانية. لكن يبدو أننا لسنا رجالا كفاية. يفضحنا ضعفنا هناك. يعرينا من آخر »رجولتنا« ونصاب بكل ضعف العالم. نصير كما الناس في السجن. لا نح


المزيد


في مخيم نهر البارد

آذار 12th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 12 آذار 2008:

فـي «البـارد».. أنـاس يرممـون عودتهـم وأعمارهـم وحياتهـم المسحوقـة
«ترخيص»
يرخص العميد الركن قائد منطقة الشمال للسيد وليد شعبان بالدخول مع عائلته إلى المخيم الجديد لاستلام منزله والسكن فيه. (القطاع E)».
بالكاد تتسع الورقة المستطيلة لهذه العبارة المختصرة. ورقة رقيقة غلفها شعبان بالنايلون اللاصق كي لا تتلف. هي، ومنذ أكثر من خمسة اشهر، جواز مروره الوحيد إلى بيته في المخيم الجديد من «كامب» نهر البارد. عبارة واضحة وبسيطة، لا يُعوّل الواحد عليها، تختزل كل حياة وليد شعبان، فلا نعرف عن عائلته، أو عن البيت الذي استلمه وسكن فيه.
المخيم ما زال ممنوعاً عن الإعلام، ما خلا زيارة خجولة لقناتي «المستقبل» و«المؤسسة اللبنانية للإرسال» اللتين نقلتا خبر زيارة مدير الأونروا ريتشارد كوك لافتتاح مدرسة بنيت بغرف جاهزة. غير ذلك، لا يمكن الدخول إلا ببعض تحايل، فقد خف الطوق الأمني الذي يحيط به الجيش المخيم الجديد. أما القديم، فما زال الطوق حوله مشدداً. وللمرور إليه، هناك معبر واحد يقف عنده الجنود، وبالطبع، فإن الواحد بحاجة إلى ترخيص للوصول إلى ركام بيته عله ينتشل شيئاً من تحت الردم. البيت الذي سيجرف مع بقية القسم القديم لكي يرتفع محله مخيم من المفترض أن يُفرغ من بنائه في العام 2010 وسيكون «أحلى مما كان».
حين نصير في داخل المخيم الجديد، لا يعود تواجد الجيش اللبناني ملموساً، غير أن الحذر واجب، والكاميرا التي يلتقط بها الزميل مصطفى جمال الدين الصور، من الأفضل أن تظل متوارية تحت معطفه حين لا يصور، ومن الأفضل ايضاً التلفت قليلاً قبل التصوير.
المهمة الثانية الموازية أكثر سهولة. يكفي إلقاء التحية على رب البيت كي يمتد الساعد بكف مفتوحة: تفضل. في الداخل، يحكي الفلسطيني ويشير إلى جدران كانت هنا. إلى اثاث كان هنا. إلى حياة كانت هنا وغادرت، ولن تعود كما كانت..
وليد شعبان مثل أول، لن تختصر حياته هنا، بتصريح من سطر واحد.

***
يبدأ السقف المائل بالانحدار من أعلى الدرج ويصل طرفه الثاني إلى الأرض. تحت السقف تلة ركام يلعب عليها طفل في الثانية من عمره. في الركام قضبان حديدية كثيرة أخرجها القصف من الأعمدة. عند اسفل الدرج، أي مدخل البيت المفترض، تعالج امرأة محجبة الحطب المشتعل تحت قدر حديدي مليء بالماء. القدر المحترقة حوافه، عتيق، يناقض حداثة الخزان البلاستيكي الرمادي المركون عند أول درج البيت. في الخزان مياه شفه، لا تشبه بدروها المياه الآسنة في فسحة تبعد مترين عن الامرأة والطفل. لا شيء حديثاً هنا إلا خزان الأونروا، ولوحة ملونة كتب عليها بالانكليزية رقم البيت والقطاع ، علقت عند مطلع الدرج.
تحت الدرج، يرتفع عمود من بضعة حجارة باطون رصفت كي تسنده فلا يقع. الدرج متصدع. وفيه فراغات كثيرة سدت بالخشب. أنت، وابن السنتين، والأم، وقدر المياه حين تغلي، عليكم اجتياز هذ الدرجات المتصدعة كي تصلوا إلى ممر ضيق يذهب بكم إلى البيت. الممر نصفه من الأرض الباطون ونصفه الثاني الملاصق للسقف المنهار، من خشب. وبينه وبين السقف ترتفع دعائم خشبية أيضاً. يمكن اختصار هذا الوصف بكلمة «خطر جداً» على الأطفال، وخطر على البالغين. لكن يبدو أنه ما باليد حيلة.
للدخول إلى غرفة المعيشة، نمر في نصف مطبخ بينما سقط النصف الآخر مع السقف المائل نفسه. في نصف المطبخ فرن غاز متهالك، وبرّاد من دون باب ملآن بحاجيات مختلفة من طعام وغيره. والخشب يرتفع ليعزل المطبخ عن الخارج.
على أرض غرفة المعيشة الناجية من الحرب، يجلس وليد شعبان على الأرض ويحلق لحيته أمام المرآة الخارجية لخزانة الثياب. يستمع إلى صوت راديو صغير ويحيط به أولاده الخمسة. زوجته تتدبر أمور المنزل. تغلي الماء لتغسل.
البيت كان مؤلفاً من اربع غرف ومطبخ وحمام. بقي منها غرفتان وحمام ونصف مطبخ. السقف المائل كان لمتجري شعبان. واحد يستخدمه مشغل نجارة والآخر يبيع فيه أدوات صحية مستعملة. فوقهما، كان الرجل يعرض مفروشات مستعملة للبيع أيضاً. هذا كل رزقه. تجارة صغيرة تدر عليه نحو الف دولار في الشهر. ذهبت بها الحرب. وكان وعائلته من اول «الدفعات» العائدة الى البارد قبل خمسة اشهر. لا يستطيع رب العائلة الكبيرة أن يبقى نازحاً في بيت شقيقه في مخيم البداوي. ولن يجد الواحد منا راحته إلا في بيته، ولو كان البيت على هذه الحال. هكذا، كان عليه ان يمنع ما أمكن من الخطر عن اولاده بالخشب الرقيق. وبالخشب نفسه طارد الثغرات في السقف التي دلفت منها مياه الشتاء. هو يعرف أن المكان آيل للسقوط، غير أن أحداً لم يأت ليسأله كيف يعيش في مثل هذا البيت الذي لا يستطيع أن يحتمل تكلفة إزالة نصفه الذي صار ركاماً. المليونا ليرة، المبلغ الذي دفع للأسر الفلسطينية، صرف خلال أشهر النزوح. منظمة التحرير دفعت الف دولار ايضاً. هل تكفي لشهرين مثلاً؟
ولكن ماذا الآن؟ مما ادخره، استأجر شعبان دكانا صغيرا قريبا من البيت بمئة الف ليرة شهرياً يبيع فيه الأبواب المستعملة. يعيش والعائلة بأقل الممكن. من دون كهرباء منذ عودته، يجول الرجل بسيارته ليشحن بطاريتها ويضيء بها ليلا مصباح نيون. وعنده مصباح آخر يشحنه كل بضعة ايام في المنية. مؤخراً ابتاع الراديو الصغير ليعرف ما الذي يجري في العالم. على مثل هذه الظروف مجتمعة، تمضي يوميات عائلة في مخيم نهر البارد. لكنها أكثر من يوميات. إنها حياة أربعين الف فلسطيني لاجئ، نبشت، وقلبت رأساً على عقب.
«متل الحلم اللي صار، يقول شعبان، ثم يصحح بسرعة: «كابوس».
***
من على سطح مبنى، نرى البحر الأب


المزيد


أحب اسمي

آذار 6th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 12 أيلول 2002. كنت، قبل سنة،  في الولايات المتحدة الاميركية، حين صار 11 ايلول. النص كان بعضا من التجربة هناك

بسام وطارق شقيقاي. يعيشان في أميركا.

.. إلى بسام وطارق وآخرين

أ
منذ لحظته الاولى، صار الحادي عشر كما أغنية سيئة عالقة في ذهن عربي مشوش بعد ليل من نوم مضطرب. الولايات المتحدة الأميركية تصاب بالحدث، وهي بلاد فاجرة تعرف كيف تسوق صراخها ونحيبها. انشقت السماء عن الراية المقدسة صغيرة بحجم زر فوق قميص.. كبيرة، يكاد الهواء لا يقدر على تحريكها، تموج ببطء كأنما ترقص بايماء حزين. قطب النسر جبينه. غضب بشدة. النسر أميركي أصلي. النسر يبدو في الصور مهاجرا أوروبيا أبيض. النسر الافريقي ليس غاضبا. العرب الاميركيون تصدروا الصفحات الاولى للجرائد المحلية في ديترويت. هم حزانى… منكسرون.. بريئون من أخوتهم في دم نيويورك. أميركا تحت الهجوم، أميركا تتحد. أميركا تنهض من تحت الرماد. رب بارك أميركا.. ولا تسهو عن شعوب أخرى تحتاج الى بركتك. كم يبدو غبيا هذا الرجل وهو يزم شفتيه ويضيق من اتساع عينيه. نسر الصدفة… عليه ان يبدو نسرا قبالة العدسات. رب بارك الرئيس. ولا تسهو عن مباركة أخي الذي أتى الى أميركا قبل أربعة عشر عاما. أخي الذي لم ينتبه في غمرة فزعه على أخيه الحديث العهد في الولايات الى انه هو نفسه يحمل ملامح عربية لا تخفى عن عين. رب بارك أميركا. ولا تسهو عن مباركة الهاربين من غد لبنان القاتم الى غد افضل. رب بارك أميركا ان شئت. وبارك عرب ديربورن الذين رفعوا أياديهم اليك جماعة في لحظة الحادي عشر وابتهلوا اليك ان »انشا الله ما يكونوا يللي عملوها عرب«. رب بارك رجال اطفاء نيويورك الشهداء ولا تسهو يا رب عن الذين يحملون في كلامهم عار اللكنة.
هؤلاء أيضا يحبونك ويحتاجونك في البلد الغريب، وبارك يا رب أخي في لبنان.. لأنه يحلم بالمجيء الى أميركا أسوة بأخويه وبمعظم رفاقه في الجامعة. أخي الذي اشتقت اليه باركه يا رب.. رب بارك غربتنا.

ب
في الشارع الذي من دون منفد يرقد البيت الرقم 14662 بهدوء غريب. الجارة البيضاء العجوز تمشي في كل صباح. الجارة الجنوبية العجوز لا تمشي في كل صباح، تجلس على كرسيها وربما تستعيد ذكرياتها. يرن صوت العجوز البيضاء بالتحية الانكليزية مزعجا وتنادينا الجارة الجنوبية بلهجتنا.. تدعونا الى الكلام معها.. تغرينا بأطباق طعام عربية من مطبخها، تبعدنا ولو قليلا عن وجباتنا السريعة. تعيدنا الى بيوتنا مؤقتا قبل ان يسحبنا الشارع من جديد. غني يا فيروز يا حبيبتي. رب بارك فيروز لأنها ولدت. وبارك طفلة سمراء محجبة تؤدي النشيد الوطني الاميركي بطلاقة ومن غير لحن أو لكنة. ولا تنسى امرأة تتجول في المجمع التجاري وقد تحجبت بعلم أميركا. وبارك، يا رب، الهنود الحمر والعبيد السابقين… والعجوز الجنوبية التي لن تعرف أبدا كيف تخاطب جارتها الاميركية.. العجوز اللطيفة على الرغم من صوتها المزعج.

ج
لوين رايح
على الجامعة
ولك رجاع.. الجامعات كلها سكرت.
لا تفرطوا بالحديث على الهواتف الخلوية. أميركا تراقبنا جميعا، وتتنصت على أحاديثنا العربية… لا تذكروا المعلون بن الملعون.. لا تقولوا »حزب الله«. أحاديثنا موصولة بأجهزة كمبيوتر حساسة لكلمات بعينها… وما ان تنطق واحدة من هذه الكلمات حتى تروح الالات تسجل الأحاديث.

د
صديقتي اللبنانية تشعر بغبطة شديدة وبالشماتة. تسخر من شريكتها في بيت السكن الجامعي.. اميركية اغلقت باب غرفتها عليها وأمضت حاديها العشر تبكي. صديقتي اللبنانية لا تنسى قانا.


المزيد


دب الحلوى

آذار 6th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في نيسان 2007.. في ذكرى الحرب اللبنانية

في الغرفة الضيقة تنبض قلوب عديدة. تمر صور في الرؤوس.  في رأس محني  نرى جسداً صغيراً. نرى يداً تمسد على شعر الطفل، ثم ظهر امرأة تنحني وترفع الطفل عن الأرض. نرى وجه الطفل يقترب ثم نشعر بطعم قبلة على خد طري. الحلق الآن جاف. الشفتان تركنان الى ذكرى الخد الطري عليهما.
 في رأس آخر، يستند الى جدار بللته الأنفاس المتلاطمة بين الحيطان الأربعة، نرى عجوزاً جثت على ركبتيها تلتقط ساقين خضراوين فوق جزمة سوداء. تمرغ وجهها بهما. نسمع صوت الأم العجوز. نسمع صوت الرجل بالساقين الخضراوين. نسمع ما يشبه الشتائم. هذه أصوات بطيئة. بعيدة ومتقطعة وثقيلة. لا نميزها. نسمع فقط ضرب القلب في الأذنين. نشم رائحة العرق الحارقة. تسوّد الدنيا وتختفي فجأة رائحة العرق. لحظة ونشعر بخشونة القماش على الجفنين والعينين. لا نتذكر ما الذي يحدث. نتذكر الخوف. الخوف الهائل جعل الكتفين خدرين. في الغرفة، يرى الرأس المستند الى الجدار أمه تولول.  يتحسس بذهنه خلايا عنقه حيث انهالت الصفعات. يتحسس الركلة على ظهره. يتخيل موته. يسمع ضرب قلبه في أذنيه. يجهل أن دموعه تسيل.
في الغرفة التي صارت من دون رائحة، نسمع أصوات الأنفاس العديدة. نسمع سعالاً. في الرؤوس نسمع تضرعات الى الله.  تضرعات أخيرة يائسة. تختلط بصور غير مترابطة. صور تتدفق من عقل فقد السيطرة. بعشوائية يعمل. يفقد معنى الزمن ومعنى الصورة. إن اصغينا، ففي الغرفة الصامتة ضجيج لا يطاق.
في أصغر رأسين في الغرفة، نرى ذهولاً عميقاً. يد تكمش  يداً. الأول في الخامسة عشرة والثاني في الرابعة عشرة. كادا يكونان توأمين. لكن الثاني، الصغير، هو من يعصر بكفه المضمومة أصابع شقيقه. لا يفكر. يبكي ويشد على أصابع أخيه. الأول يرى وجه أمه. يظل يراه. كلما سمع صوتاً في رأسه عصر أجفانه ونظر في وجه أمه. يحرق قلبه بكاء أخيه المكتوم. يشفق على أخيه وعلى أبيه وأمه وأخيه الطفل. يشفق على نفسه.
إنزلْ. فتح الأول باب سيارة الأجرة ونزل. لحقه الثاني. نهره الرجل في القناع. عد الى السيارة. الثاني لم يقبل. راح يبكي. يريد البقاء مع أخيه. بماذا فكر؟ لماذا لم يقبل بالرجوع و

المزيد


جاء الحرب وجلس بقربي

شباط 27th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

نشر في ملحق شباب السفير 27 شباط 2008

يرّن الخلوي مرة بعد مرة. هلال يريد أن يطمئن. بعده أبي، ثم أشقائي. شجرة أبي ونصف فروعها في الضاحية. هناك فرعان في أميركا. أنا الفرع البيروتي. وجوار بيتي يشتعل. لا داع للقلق، أقول. جاد ينام عند جديه لأمه، ونحن في الحمرا.
نحتفل بعيد ميلاد صديقة، ونلتقي صديقنا الآتي في زيارة من دبي. قبل أن يسافر، كنا نراه أقل مما نراه الآن. فهو، المريض بشارع الحمرا، تكاد زياراته إلى بيروت تتحول إسبوعية.
ماذا لو لم تهدأ هذه الليلة؟ نبقى حيث نكون. ماذا لو أقلعت الحرب هذه الليلة؟ نبقى حيث نكون. ليس أنني غير مستعد لإلغاء السهرة فحسب، بل أنني غير مستعد للحظة أن أقلق.
أكثر من ذلك، فلتأتِ الحرب. أو، بالأحرى، فليأتِ الحرب. هذا النشاط الفائض الذي لطالما اشتهر به الذكور عبر التاريخ، لا أفهم لماذا أنّثته اللغة العربية. سأفترضه مذكراً، من الآن وحتى نهاية هذا النص. فليأتِ هذا الحقير إذاً، وأنا بانتظاره.
نصف ساعة وجاء الحرب. جلس بقربي. نظرت فيه، فاستغربت.
عجوز مشوه، وجهه ملآن بالندوب وآثار المعارك. له عينا مجرم تتقدان بالنار. له قرنان مسننان وذيله الشيطاني ممدد خلفه. لونه أحمر قانٍ وصوته عميق وأجش. يخرج من فمه الدخان حين يحكي. يحمل عصا بقرنين معقوفين. ابتسامته شريرة مقيتة… وناباه يقطران دماً.
هكذا ظننته سيكون. لكن لا. كان شاباً، في السادسة عشرة. لا يختلف في ملابسه ولا في قصة شعره عن كل أترابه. عيناه بنيتان حزينتان ومشاكستان على عادة المراهقين. يميل إلى القصر، ونحيل جداً. خجول. أخرق بعض الشيء، وفي وجهه بضعة بثور. لا تملك، وهو جالس بقربك، إلا أن تشفق عليه.
أنت الحرب؟ سألته متعجباً. قال: إيه نعم. ماذا تريد؟
ـ لماذا لا تذهب إلى البيت، يا حرب، فتشرب كوباً من الحليب وتنام؟
ـ لست طفلاً كي تقول لي هذا.
ـ مثل هذه العبارة لا توجهها إلي يا حرب. هذه تقولها لأبيك على سبيل إثبات رجولتك أمامه. أنا مجرد غريب. وانظر أمامك إلى صديقي الأشقر ضخم الجثة هذا. يمكنني، بمساعدته، أن نعيدك إلى أمك متورماً. هل تفهم. هيا عمو حرب. إلى البيت حبيبي.
ـ لا.
ـ يا حرب. اسمع الكلمة وقم واذهب إلى البيت.
ـ لا.
ـ بلى.
ـ لا.
ـ بلى.
ـ لا. ماذا ستفعل؟
ـ لا شيء. سأطلب لك شيئاً تشربه. ماذا تريد؟
ـ أورانج فودكا!
ـ ماذا؟ كنت أظن أن مشروبك المفضل هو الدم.
ـ أتظن أنك أول من يلقي هذه النكتة السمجة. أنت سخيف.
ـ ماذا؟ قم يا حرب. بربك قم. لا جَلَدَ لي عليك.
ـ أنا باق. أنت قم وغادر.
ـ حرب. اسمعني. كنت أظنّك شخصاً آخر. تبين أنك مجرد مراهق نزق لا تعرف مصلحتك. إذهب إلى البيت أقول لك. لا تجرّب سعة صبري.
ثم وقفتُ والتقطتُ الحرب من قميصه ورفعته. كريشةٍ حملتُه. التفتُّ إلى أصدقائي متفاخراً فرأيتهم يضحكون. عدت لأرمي عليه نظرة التشفي الأخيرة قبل أن أحمله عالياً وأرميه بعيداً فينفجر الجميع بالضحك عليه. وقعت عيناي على عينيه. كان ينظر إليَّ بعينين ناعستين نصف مغمضتين. ببطء قال:
لك ولد عمره سنتان. أعرف عنوان بيتك. أعرف كل شيء عنك. س

المزيد


ولم ير سوى وحشته.. فبكى

شباط 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 16 تموز 2003

أ -  كما رآها فدائيو شيخ الجبل

«.. ويحكى أن حسن بن الصباح، قائد فرقة الحشاشين، أقنع أتباعه الفدائيين في قلعة آلموت أنه ملك مفتاح الجنة. وقد احتال الرجل فأقام حدائق خفاها عن المؤمنين من أتباعه زرعت بما لذ وطاب من شجر مثمر ونسوة مليحات كان قد ابتاعهن من مشارق بلاد فارس ومغاربها، وصولا الى بلاد الشام وأرض الكنانة.
وكان حسن ثعلبا داهية تعرف في بلاد الهند الى نبتة القنب الهندي وعرف كيف تذهب بالعقل فجلبها معه الى بلاد فارس. وكان يعطيها للفدائيين فيغيبون عن الوعي فينزلهم الى الحدائق ويتركهم هناك. وحين يستيقظون من نومهم الخدر كانوا، هم الذين ما ذاقوا طعم الحب قط، كانوا يجدون المليحات تحت إمرة شهوتهم فكانوا ينهلون من جنة الوهم حتى يرتوون ثم تدس حور العين الكاذبات حبات القنب في كؤوس خمر الفدائيين فينامون ما أن يحتسوا الكؤوس، وحين يفيقون ثانية يكونون قد صاروا عبيدا للحدائق يتمنون الموت صادقين كي يرجعوا الى رحابها ويعيشون فيها ابدا.
ويحكى ان حسن بن الصباح، قتل نظام الملك ألد أعدائه بحيلته هذه، وأن الطائفة الإسماعيلية انتصرت بفضل مكر شيخ الجبل رب قلعة آلموت وحامل مفتاح الجنة«(*).

ب - كما رآها في ما يرى النائم

.. ويحكى انه قبل أن يبلغ الحلم طمع بالجنة وخاف من النار. آمن كما لم يؤمن أحد. خاف من الإثم ان هو استمع الى نغم، وخاف من النار إن هو صافح امرأة. وقد تمنى الشهادة لنفسه حين يكبر، فقد عشق الجنة وكره حامل الخمرة وشاربها وجالسها. وقد خاف ان يتلصص على عري أو يطرب لامرأة تغني أو ينظر في نهد من كانت تنطر شرفته. وقد كان يعرف أنه سيذهب حين يموت الى الجنة، وقد كان لا يريد الذهاب الى النار.. وقد كان لم يبلغ الحلم بعد لما لم يعد مصابا بالفرح.
وقد كان يسير على هدى من ربه لكنه لم يعد مصابا بالفرح. وقد وعد نفسه بأنهار من عسل وبحور عين، غير أن هاجسا ظل يعصف فيه يقول له إنه أناني لا يحب سوى نفسه. وإلا فما معنى ان ذهب وحيدا الى الجنة وتخلى عن كل من يحب.. هؤلاء الذين لم يصلوا صلاته ولم يصوموا صومه. هؤلاء الذين آخرتهم كانت جهنما وبئس مصير، رآهم في ما يرى النائم يذهبون الى النار ورأى روحه تدخل الجنة. وكان يقف في الحلم عند زجاج يفصل بين الجنة والنار. وكان ينظر الى الذين أحبهم يحترقون مرارا وتكرارا. وكانوا ي

المزيد


التالي