رسالة الى خوسيه سارماغو

تموز 27th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , لا تبالغ

 

العزيز خوسيه سارماغو..
 
أكتب إليك لأقول لك إن الرسالة لن تصلك، لأن الرسالة لن تصلك. ومع ذلك اكتب إليك، لأقول لك إن الرسالة لن تصلك.
لماذا أنت، دوناً عن جميع من أفكر بمراسلتهم بهذا النوع من المراسلة التي لا تصل؟ لا ادري. ربما أدري ولا اريد الافصاح. ربما لا ادري..
صديقي سارماغو.
لست بحاجة إلى الشرح عمن تكون. لا انتقص ممن لا يعرفك، لكن هذه رسالة خاصة، يمكن لمن يعرفك فقط ان يشاركني بها.. أعرف أنها تنشر في صحيفة يومية، لكنها خاصة، لنقل، بسارماغو، ومن يعرف سارماغو. هكذا أشيل عني عبء الظن بأن علي شرح كل شيء، حتى لك.
سارماغو، سأناديك ساراماغو، ويمكنك في المقابل أن تناديني بزي.. هكذا، كصديقين عتيقين، أنا وأنت.
أظنني، في خلاصة الامر، اريد ان أخبرك    كم أنا ضجر.
وضجري درجات. هو درج كهربائي بالاحرى، وأنا عالق على هذا الدرج. وثمة إصبع طويلة تضغط على زر خفي، أحمر ربما، تحول من سير هذا الدرج الكهربائي. فحين اصل إلى قمته، يذهب نزولاً. وحين يصل إلى اسفله، يذهب صعوداً. هكذا. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نز

المزيد


على ما تَرَكَنا زياد الرحباني

تموز 8th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , لا تبالغ

السفير في 8 تموز 2009

كلما حكى رشيد ورفاقه تردد صوت الضحك، في تلك المشاهد التي لن نراها لأن «فيلم أميركي طويل»، مسرحية زياد الرحباني، لم تصوّر.
أقسى مفارقة في المسرحية تكمن في أنها لم تصوّر. لو أنها كانت مرئية، لأسقطنا عنها بعضاً من آنيتها. لرأينا الممرضات بتبرج وثياب وشعر يعود إلى العام 1980. لرأينا الرفيق الرحباني ومن معه في شبابهم. لكنّا احتفظنا ببعض منها في زمنه. لكن لا.
جيل شكل الرحباني بداية وعيه إلى لبنان. جيل لم يجلس إلى مقاعد مسرحه الثمانيني استمع إلى المسرحيات كمن يستمع إلى الأغنيات. لا يضجر منها. وحين يقع واحد منه على مسرحية للرحباني على الراديو، فلن يسترجع حنيناً. لن يتذكر أمراً مضى. سيسقط المسرحية القديمة على زمانه الحالي، ويستغرب عبقرية الفنان الشيوعي، إذ يصيب إلى هذه الدرجة في تنبؤ المستقبل.
لكن الرحباني لم يكن يتنبأ في الفيلم الأميركي الطويل. لم يكن في باله انه يكتب وصولاً إلى العام 2009. هو نقل صورة مجتمع في لحظته حينها. حفظ صورتنا في العام 1980. بعد تسعة وعشرين عاماً، نقف أمام تلك الصورة ونرى أننا ما زلنا كما كنا. كما كنا. هل مر الزمان علينا؟ الأرجح أن لا. مرور الزمن يغيّر. نحن على ما تركنا زياد الرحباني. في استنتاج بديهي كهذا كآبة لا تطاق.
ما هي المؤامرة؟ ومن الذي يستغل الآخر، الزعماء أم الشعب؟ من في الخندق؟ وضد من؟ لماذا المسيحيون (والمسلمون على تلاوينهم المعقدة) خائفون يا أختي؟
ولننتبه، لربما حدث شيء ما فجأة. وفي تشييع رجل قُتل ثلاثة..
العبارات التي خلُدت في لغتنا اليومية، تحولت كليشيهات. المسرحية كذلك. المسرحية كليشيه حياتنا الطويل الممل الساحق. أن نعيش مضمون اليوم نفسه طوال تسعة وعشرين عاماً. أن نأتي جيلا بعد جيل، فنستنسخ أنفسنا، زعماء وشعباً. نستنسخ عبارات نقلها الرحباني في معرض انتقادنا والسخرية منا. أن نظل نقول ما كتب إلى الأبد. فيلم طويل كلما انتهينا من تمثيله، نعيد أداء الأدوار من البداية. أي غضب؟
مستشفى مضطرب وعنيف. أي ليل كان يحل فيه حين يغني سكانه «قوم فوت نام، وصير حلام إنو بلدنا صارت بلد؟». ليل يشبه ليالينا المتكررة بعد ابتهاج بالرصاص قاتل، أو ابتهاج بتبادل الرصاص قاتل. لبيروت، المدينة، المستشفى، نموذج لبنان الصغير، لهذه البيروت ذاكرة قاسية لا ترحم. ونحن، إذ نذكّرها بليالي القتل، فإنها فجأة تستعيد سير رعبها. تخلو الشوارع فتصير أضيق. لا تعود توصل إلى مكان، كأن وجهاتها تتغير. كأن المدينة، إذ تخاف، تطوي نفسها على نفسها وتتكوم في جسدها. لا تعود الشوارع تدلّ إلى الشوارع. لا تعود تصل وحدها إلى البحر. البحر نفسه يتبدد. بحر بيروت ليس ماء مالحاً. بحرها رغبة رقيقة لحظوية، رصاصة واحدة تبددها. وفي أيام حربية مرت وأخرى آتية، يبتلع خوف المدينة بحرها. تموت بيروت بلا البحر. كلما تناوشنا وتقاتلنا وانتخبنا وكلفنا وخطبنا وغضبنا وحزنّا وحقدنا وفرحنا وهزمنا وانتصرنا، كلما تنفسنا عنفنا المكبوت فينا، تلاشى البحر وخسرت المدينة روحها. وهي إذ تعود في الصباح، فليس لأنها طائر أسطوري، بل لأنها، مثلنا ومثل البحر، اعتادت

المزيد


دجاج

آذار 11th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , لا تبالغ

السفير في 11 آذار

إلى المنبر يصعد في جو عابق بالتاريخ. يرى بحراً من البياض البرّاق أمامه. يسمع ما يشبه الضجيج ولا يميز الأصوات. ينظر في رايات تلّوح في الهواء. تسري رعشة العظمة في جسده. من أسفل ساقيه يصعد الارتعاش إلى ريشاته، فتنتفش واحدة بعد أخرى. وينفتح ذيله كمروحة صينية. ينتفخ صدره، ويتضاعف حجم عنقه فيرفعه فخوراً ما استطاع إلى أعلى. تلمع عيناه ويعلو عرفه. ينحني قليلا إلى الأمام، ويملأ رئتيه بالهواء. يرفع جناحه  ويصرخ: يااا جماهير الدجاج تحية.

تنفجر الجماهير. يصمت ويتلفت. هذه لحظة إنتظار ضرورية، فالجماهير سترد التحية، والمناقير المتطلعة إليه ستهتف الآن بجنون: الديك.. الديك.. الديك..

وستهتف: "بالريش بالبيض نفيدك يا زعيم".

 وسيطول انتظاره دقيقة طويلة، فيرفع جناحه  ويلوح به نزولاً بينما ترتسم ابتسامة شكر  على منقاره، طالبا من الجماهير البيضاء أن تهدأ، ويفرح  لرؤية ريشات كثيرة تسبح في الهواء بعدما  أفلتت من أجساد منفعلة لدجاجات وديوك مراهقة، تسري في عروقها حماسة الشباب فتقفز وتقفز.

وكأي ديك عظيم، سيظل صبوراً إلى أن يُخجَل تواضعه، فيضطر إلى بدء الخطاب.

يبدأ بمقدمة هادئة يجول فيها على التاريخ وعلى القيم والمبادئ، ثم، وحين يقترب الكلام من بيت القصيد، ترتفع نبرته، ويتحول خطابه صياحاً: هذا الوطن لكل دجاجه، لا فرق بين دجاجة منا ودجاجة منهم. ولكن يجب على ديكهم وجماهيره الاعتراف بأن هذا الوطن من حقكم كما هو من حقهم، ومن حق الجميع أن يعبر عن رأيه. جميعنا نتفنا الريش في سبيل الوطن. بيضات لا تعد ولا تحصى كسرت وشربت الارض الطيبة سائلها الغالي، فأزهرت  حلوى وحرية وكرامة. جميعنا ضحى من أجل الوطن، فلا تزايد دجاجة منا على دجاجة ولا ديك على ديك. هو وطن الجميع، لكن السؤال: في أي وطن نريد أن نعيش؟ تلك هي المسألة، وهي للأسف مسألة حياة أو موت.

هم يقدمون مصالح البط حتى على مصالح دجاجهم. وما أدراكم ما البط. هم ينقادون إلى تنفيذ غايات البط من دون أن يعيروا أ

المزيد


اما بيوت فحسب، أو بيوت دعارة

تشرين الأول 5th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , لا تبالغ

عدت مدخناً، على جاري عادتي بعد أن اقلع عن التدخين. وعدت، بعد عطلة طويلة وبعد فطر سعيد اعاده الله على المسلمين خصوصاً وعلى سائر اللبنانيين (مسيحيين وخلافه) عموما بالخير والبركة.
عدت كما كنت سابقاً، مع اضافة بسيطة: قرأت لطه حسين، الفتنة الكبرى عثمان. وعثمان، اضافة إلى انه كان صحابيا وثالث الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم خصوصا ورضي عن سائر المسلمين بخصوص أقل، ورضي عن سائر البشر عموماً، عثمان هذا، سمي على اسمه مدير مدرسة الشروق، يا دم في عروقي..
المدرسة اسمها الشروق، واذكر انه في يوم من الايم خرجت فتاة من صفي، من آل محمد (اسم شهرتها هو محمد) وادت نشيداً يتملق المدرسة الفه على ما اشيع في المدرسة والدها.. والنشيد كان يقول: مدرسة الشروق يا دم في عروقي. وقد نسيت التتمة.. وما زلت اذكر المدرسة التي تقع في تحويطة برج البراجنة، ويعلو جدارنها الخارجية سخام يهب من محلات تصليح السيارات وغيار الزيت وغيرها، الماصقة لمدرسة الدم في عروق المتلمقة. (اظنها على الرغم من صغر سنها كانت تعلم انها تتملق، وانها بعد

المزيد


لا تبالغ…

أغسطس 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , لا تبالغ

لكنني أقول في نفسي: لن تجيد الكتابة من دون سجائر.
*
حين يريد الواحد أن يبالغ، يصف الموت بالجبان. يريد ان يرثي الرجل المهم فيقول له: تسلل الموت الجبان إليك وأخذك من خلف. هل يقول “أخذك من خلف”؟ لهذا التعبير معنى مغاير. لا. التعبير هو: الموت الجبان الذي لم يجرؤ على مواجهتك (لماذا لا يجرؤ؟) تسلل من وراء ظهرك وسرق روحك وهرب. لننتبه الى ان الموت الذي نصفه بالجبان هنا ليس موتاً عاماً، بل الموت الخاص بالرجل المهم وحده، وهو موت جبان. هو موته إذاً. الواحد حين يبالغ، يذم الرجل في موته، أي يذمه تحديداً في آخر شيء قام به (الإمتناع قسرا عن التنفس إذا شئتم). هكذا، تعلق هذه الذكرى الاخيرة عن الرجل المهم: كان موته جباناً، وقد أتاه من خلف وأخذه خلافاً للطبيعة!.
*
واقول في نفسي: لا باس إذا بالسطور السابقة، غير أنها تجريبية. لن أضعها في الجريدة. سأنشرها في البلوغ. سيقرأها هلال شومان على الأقل. هلال يقرأ كل شيء. لا مبالغة. هلال شومان يقرأ، حرفياً، كل شيء. هلال صديقي اللطيف، انساه الآن واتابع مقالي. المهم: حجزت قارئ كل الاشياء.
*
أظننا نقع في المبالغة، ثم نصير اسرى عباراتنا. تقول الواحدة للواحد: لن استطيع العيش من دونك. يقول لها: وانا ايضاً. لماذا لا يجرب عبارة أخرى مثل: “جربي، قد تفاجئين نفسك”. منال لا تقول لي مثل هذه العبارة. في المرة الاخيرة قالت: نكتب البيت الجديد باسمي، ونكتب السيارة باسمي، ونتنازل (لي) عن الصبي”…
لم اسمع كثيراً بعدها. شعرت انها رتبت حياتها تماماً، وما أن تتخلص من هذه الزائدة الدودية (أنا) حتى تنطلق في حياة جديدة رائعة (رائعة هذه مبالغة كتابية يجيدها الشوفينيون اللبنانيون أكثر من غيرهم. هؤلاء يستخدمون كلمات مثل: لبنان! صباح! فيروز! وديع! جبران خليل جبران! رائع! خلاب! بامتياز!(تستخدم في الاعلام الشوفيني)). تمزح منال. (الآن، وأنا أكتب، يهجم الشعور بالحاجة الى النيكوتين. اشعر بصدري يضيق، تتقطع انفاسي، ويخالجني ما يشبه الحكاك على طول القصبة الهوائية. يتعالى الضيق تدريجاً، ويهبط علي الشعور بلا جدوى الاقلاع عن التدخين. يرتفع أكثر. سيدوم لثوان، ثم يأخذ بالهبوط تدريجاً، إلى الاضمحلال. لقد ذهب، وترك مكانه احساساً عاليا بالارتياح، يشبه تماما الاشباع بالنيكوتين. حسناً. ارتحت. ساتابع.)
غالباً، هذا النص سيكون بلا نهاية.
*
“بلا نهاية”، لا تعني أنه سيستمر إلى اللانهاية (استغفر الله). “بلا نهاية” تعني أنه قد ينقطع الآن هنا.
*
مثل هذه المفاجأة قارئي العزيز (هلال شومان)، قد تقع في أي لحظة، وبما أنني حذرتك، فتابع، على مسؤوليتك. وعلى مسؤوليتك شعور بسيط بالاحباط ستطفئه بشتيمة تافهة.
ما الذي كنت اقوله؟ نعم. أنا أجرب الكتابة من دون سجائر. الكتابة من دون سجائر. وقعها يرن مثل: الايطالية من دون معلم. الايطالية من دون معلم؟ أو الاسبانية من دون معلم. الروسية من دون معلم. هل هذه عناوين الكتب؟ يا له من إيحاء ايروتيكي شديد المباشرة. لم انتبه إليه يوماً. هكذا إذاً. إنها خطة محبوكة لبيع مثل هذه الكتب. إنهم يقولون لك من خلال هذا العنوان الجنسي، أنك إذا تعلمت اللغة

المزيد