على شاطئ بحر لا شباك ترمى في مياهه

تشرين الأول 31st, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 30-10-2009

في غرفة الاغتسال المكشوفة، يقف الرجل الطاعن في السن تحت خيط نحيل من المياه الحلوة النازلة من «الدوش». بجهد بالغ يتحرك تحت الخيط. يزيل عنه مياه البحر الميت.
مسن أوروبي أبيض بكّر في الخروج من البحر حيث يطفو في بقعة صغيرة منه عشرات الأوروبيين، معظمهم من المسنين. جلبته إلى هنا، في الغالب، «معجزات» البحر العلاجية التي تؤمنها مياهه ووحوله الحبلى بالمعادن والأملاح المفيدة. الآخرون ما زالوا عائمين على بحر الملح، في النقطة التي تنزل عن سطح البحار والمحيطات العادية 417 متراً. أي أنهم في أدنى مكان على سطح الكوكب.
لا سباحة حقيقية هنا. ففي البحر الذي أفقه ضفة أخرى تعلوها جبال فلسطين المحتلة، يظل الواحد عائماً، ليس لأن المياه الكثيفة ستمنعه من الغطس فيها فحسب، بل لأن هذه المياه، إذا ما دخلت العينين أو الأنف أو الفم بكميات لا تذكر، فستكون حارقة كالنار.
هكذا، يتمدد الناس على ظهورهم أو يجلسون على أرض البحر لتغمرهم المياه حتى أعناقهم، منتظرين هذه المياه لتؤدي دورها العلاجي. غير ذلك، لا شيء. هذا بحر لا شباك تُرمى في مياهه، لأن الأسماك لا تعيش فيه. ميّت كما اسمه. والبحر بلا سمكه وصياديه، بحر كئيب. وكما لا سمك، فلا أعشاب في البحر أيضاً. مع ذلك، فقد استخرج الصديق اللبناني من الوحول ما قرر مازحاً أنه نبتة، وكان فخوراً وهو يخبر المدرب الإعلامي الانكليزي عنها. ضحك هذا قائلا: انظر. لم يكن في هذا البحر غير هذه النبتة، وقد قتلتها للتو.
نحن هنا في ورشة تدريب إعلامية، بدعوة من مؤسسة الصوت الحر الهولندية، ومركز حماية وحرية الصحافيين الأردني. مجموعة من الزملاء اللبنانيين والأردنيين نزلنا في واحد من أربعة منتجعات متلاصقة، يبدو أن عالم البحر الميت يبدأ وينتهي عندها، وتسمى منطقة الفنادق، المنفتحة على ازدهار لاحق.
بعيداً عن البحر، تقع القرى الأردنية المتفرقة التي تعتاش من سهول مترامية تنتج ما يسميه الأردنيون السلة الزراعية.
البحر أرض بكر حطت عليه السياحة بعد توقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. مشهد جباله الجرداء شرقاً وغرباً ما زال يحيل إلى التاريخ العريق لهذه البلاد التي وطئتها أقدام أنبياء الأديان السماوية

المزيد


في مطار بيروت:إنتَ موني؟ إنتَ موني؟

تشرين الأول 31st, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 28-10-2009

 

يمشي عنصر الأمن العام مستعجلاً في الممر الذي تشكله عوائق حديدية تفصل بين الواصلين ومستقبليهم. يخرج من الممر متابعاً إلى يمين صالة الوصول في مطار بيروت الدولي. يقبض بيده على مجموعة من جوازات السفر الخضراء.
على بعد أمتار منه، تمشي أكثر من عشرين امرأة. يلفتن النظر، لأسباب عدة. هنّ من العرق الأسود. معظمهن يغطي رأسه. أغطية الرأس تختلف من امرأة إلى أخرى. البعض يضع حجاباً أسود فوق ثوب أسود. البعض الآخر يضع حجاباً خمرياً طويلاً يصل طرفاه إلى البطن، يخبئ الشعر ويظهر الأذنين. البعض الثالث، الأكثر عدداً، يرتدي أثواباً آسيوية التقليدية. فضفاضة أنيقة، شالاتها مطرزة مبهرة. هذه الشالات ليست حجابات. تكشف عن مقدمة الرأس وتغطي زنوداً سمراء عارية. لون واحد من الرأس إلى أخمص القدمين، يختلف من شابة إلى أخرى. أصفر أو برتقالي، أزرق أو زهري. مزيّنات بالذهب. وكثيرات منهن تلمع ورود ذهبية صغيرة عند أطراف أنوفهن.
بينهن، تمشي واحدة بثوب أسود وحجاب كامل مطرز برسومات زهور. على النقاب الذي لا يكشف إلا عينيها، هناك زهرة مشابهة.
مسيرة بطيئة من الألوان فوق البلاط الرمادي الكئيب لصالة الانتظار. هن آخر الخارجات إلى صالة الوصول. يمشين خلف رجل الأمن العام من دون هدى. صامتات يتلفتن في أول ما يرونه من البلد الجديد. قاعة هائلة الاتساع والنظافة. يحملن حقائبهن الصغيرة بمعظمها. فيها أغراض قليلة لغربة آتية. مرهقات بعد ساعات السفر الطويل من بنغلادش إلى لبنان، مروراً بالخليج. لا يشبه بعضهن بعضا. لكن الملامح التي تطبع الوجوه واحدة، ملامح الحذر.
يلحقن عنصر الأمن العام إلى حيث لا يعلمن في الغالب. سيعرفن لدى وصولهن إلى آخر الصالة، حيث الغرفة بالواجهة الزجاجية، يجلس فيها عنصران من الأمن. بالقرب منها باب حديدي، يدلفن منه إلى ممر يؤدي إلى مكان آخر خفي عن العيون. في الداخل الخفي، محطة انتظارات العمال الأجانب الآتين إلى لبنان. بينما يدخلن إليه، يستمر عاملان في دفع مجموعة من العربات صوبهن، حتى تصطدم العربة الأولى من هذا القطار بإحداهن، وهي شابة جميلة، تجفل ملتفتة صوب الرجلين الضاحكين، يلهوان بالغريبات. يسقط شالها عن رأسها، فتعيده، وتتابع. كأن شيئاً لم يكن.
يدخلن في الممر ويختفين. يبقى الباب مفتوحاً. أما قطار العربات، فيدخل من ممر آخر قريب من الباب الحديدي.
في الفسحة أمام الغرفة والباب، يقف لبنانيون وفليبينيتان تنتظران إجراء معاملات مغادرتهما.
لغرفة الأمن العام نافذتان. النافذة الأولى لإنجاز أوراق المسافرين من العمال الاجانب، والنافذة الثانية للواصلين من هؤلاء العمال، ينجز تأشيرات الدخول التي تقدّم بها أرباب وربات البيوت اللبنانية. هنا يقف اللبنانيون حاملين تأشيرات دخول الخادمات، وخمسين ألف ليرة. يتعاملون مع جالس إلى مكتبه لا يرفع رأسه عن الأوراق بين يديه. مهذبون. أسئلتهم مقتضبة وخجولة. يقدمون التأشيرات والمال للموظف الصامت تقريباً، فيقوم ويبحث بين الجوازات المصطفة مفتوحة على طاولة صغيرة خلفه. يسحب منها الجواز الذي يلائم الورقة في يده. يضع فيه التأشيرة والمبلغ المالي ويركنه في مكان آخر. ينجز العنصر المعاملات في مجموعات. حين ينهون أوراقهم، ينسحبون إلى الفسحة أمام المكتب والباب الحديدي. كأي منتظر، يعلوهم ذاك الضجر العميق، تكسره الأحاديث الجانبية. على اللبنانيين أن ينتظروا، وعلى العاملات الانتظار. هو ليس انتظاراً. هو ترّقب يمر خلاله الوقت بطيئاً على الذي يفكر في شكل الخادمة الآتية، لأن ليس لديه أدنى فكرة عن امرأة آتية من بنغلادش إلا صورتها الشمسية، وبعض أحكام مسبقة عن شعوب تلك الناحية من العالم.
بين أي شخصين مفترضين، يبدأ الحديث هنا بسؤال يتخطى سبب الوجود في المكان. السؤال الأول بين امرأة لبنانية محجبة وأخرى ليست محجبة: «من وين جايبة؟». «من بنغلادش»، تجيب المحجبة. ترد الأولى: «وأنا كمان. بس خوفوني إنهن وسخين». تنفعل المحجبة: «جارتنا جابتها، متل التلج». تتابعان حديث تجارب الأخريات مع المستخدمات، بينما رجال ونساء آخرون يصلون إلى المكان. تمر بهما سيدة بدينة مرحة، تسير أمام الفليبينية الموظفة لديها التي تدفع عربة عليها حقائبها. تقول لواحدة من السيدتين، بمرح، ومن دون مقدمات: «بكرا بتصير تقلّك اسكتي».
الشابة الفليبينية ستقف مع الاثنتين المنتظرتين وينفتح حديث نجهله بلغة البلاد التي سيرجعن إليها بعد ساعات. إلى جانب الفليبينيات ستقف السيدة البدينة المرحة، تحكي مع قريبة لها ريثما يأتي وقت إنهاء معاملات مغادرة مستخدمتها.
الكلام خافت، والمكان هادئ. تقطع الهدوء لبنانية بحذاء ذي كعب عال وخطوات غاضبة، تصل إلى نافذة المغادرين وتعلم أن الوقت لم يحن بعد لإجراء معاملتها. ترجع. تشير إلى امرأة بنغالية بحجاب وعباءة سوداوين: «روحي وقفي هونيك»، مشيرة إلى جدار بعيد. تمشي تلك. تتابع اللبنانية الغاضبة: «وإنتو روحوا وقفوا حدها.. أحسن ما اقبرها هون بالمطار». فتمشي أم اللبنانية وابنتها التي لم تتخط العاشرة من عمرها. تنتبه هذه المرأة النزقة إلى أنها بصوتها المرتفع الآمر يسارا ويميناً، صنعت مشهداً التفت إليه الناس، فتتابع كأنها تتحدث إلى الام والبنت مع أنهما صارتا بعيدتين: «بدها تهرب؟ أنا بفرجيها». تريد للموجودين أن يسمعوا على ما يبدو. يمكن هؤلاء أن يصدقوا أو لا. في الأصل لا دخل لهم.
تختفي النزقة، وتقف المسنة والطفلة عند جانبي الخادمة بالثياب السوداء، كأنهما تحرسانها. تميل الخادمة على السيدة، تمسّد على كتفيها، تراضيها، فتشيل السيدة الرزينة قطعة شوكولا من حقيبة يدها وتنزع عنها الورقة وتعطيها لها.
تطل مجموعة من النسوة من الباب الحديدي. يشير أحد العناصر إلى غرف الخلاء. يمشين بعضهن خلف بعض. طويلات، قصيرات، نحيلات وممتلئات، بأعمار مختلفة، وبأزياء معظمها محتشم، بعضها يبدو أغلى ثمناً من بعضها الآخر. هن، في هذا الاختلاف، يشبهن تماماً اللبنانيات المنتظرات، يتشابهن في العرق واللهجة، ويختلفن في ما تبقى.
عند نافذة الأمن العام، يسأل أحدهم: «هون الإستلام؟» يجيبه الموجودن بنعم، من دون السؤال عن استلام ماذا؟ هم يعلمون أنه آت «لاستلام» خادمته الجديدة. لو أنه آتٍ إلى المطار للمرة الأولى، لاستقبال قريب له، واستخدم هذا التعبير للاستدلال إلى مكان استقبال العائدين «العاديين»، فإن أحداً لن يعرف قصده.
تعود النسوة البنغلادشيات إلى غرفة الانتظار. بعد دخولهن بقليل، يظهر عنصر الأمن العام نفسه، مكرراً مشهد جوازات السفر في يده. خلفه تمشي، هذه المرة، عشرون شابة أثيوبية. تفلت واحدة منهن، وتقبل رجلاً لبنانياً أشيب الشعر وت

المزيد


بينهم.. يلوح بالعلم الاحمر

تشرين الأول 31st, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 21-10-2009

 

أرفع الهاتف وأصوّره. عيناه تلمعان. يلوّح بالـعلم بجدية لن يفهمها إلا من كان في الثالثة من العمر. يرتدي قميـصاً قطنيا أبيض عليه صورة تشي غيفارا. وفوقها، قميـص أحمر مفكوك الأزرار.
أصوره كي أسجّل في هاتفي المرة الأولى التي يلوح فيها بعلم في بيروت. أصوّره بجدية لا يفهمها إلا من كان أباً مثلي. طلب مني أن أؤمّن له علماً، ويجب عليّ التنفيذ من دون نقاش. سألت شابة جالسة إلى الرصيف أن تعيره علمها، وتجاوبت بفرح. وها هو يحمل علم «الحزب الشيوعي الأحمر»، وأفكر: هل هذا ما أريده له حين يكبر؟ أن يكون شيوعياً؟
اللبنانيون يأخذون أطفالهم إلى كل لقاءاتهم السياسية. يحملونهم إلى تجمعات مليونية، ويتلقطون بهم كي لا يضيعوا في بحر من البشر، على ما يحلو لهم أن يصفوا مشهدهم. يفرضون الشمس والمطر والازدحام الخانق المرهق على أطفال لا سبب آنياً لوجودهم إلا تحضيرهم للانتماء الذي ولد معهم، ومن المفترض أنهم سيعتنقونه بعد قليل من سنوات عمرهم.. وإلى الأبد.
بماذا أختلف عن اللبنانيين إذ أصر على إرساء تقليد خاص بأن نشارك، أنا وهو، في كل سنة، في التجمع أمام صيــدلية بسترس، في ذكرى انطلاق «جموّل»؟ أي رسالة أحاول تمريرها إلى ذهنه الطفل؟
لا أعرف. لا أريده شيوعياً لأنني لست شيوعياً أصلاً. غير أنني أخاف عليه من الاقتراب من الآخرين، كل الآخرين. لا أتخيله ملوّحاً بعلم حزب يشي بطائفة. لا أتخيله ضارباً الهواء بقبضته يعلن فداءه رجلاً بالدم. هو أغلى عندي، بما لا يقاس، من هؤلاء الرجال مجتمعين، أحياء وأمواتاً. لا أتخيله مستقوياً بكثرة، ولا حاقداً على آخر لأنه من غير لونه، ولا قارئاً في كتاب واحد، ولا مصغياً إلا لصوت واحد. أخاف عليه من الذوبان في الجموع.
هنا، وإن مشى وحده، فلن يضيع. هنا، لن يرتفع هتاف با

المزيد


شاهدان

أيلول 28th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 23 أيلول 2009

 

تصطف العصافير على واحد من الأسلاك الأربعة المتوازية بين عمودي الكهرباء. لا مفرّ من التشبيه: كأنّها نوتات موسيقية. نوتات بأجنحة ورؤوس تستقبل السماء. أزرق الفجر في السهل لا تداني رقته زرقة. شجرة الحور لا تزقزق. من عادتها أن تكون عرساً للعصافير. تطير إليها وتغيب فيها فتزقزق الشجرة. هي الآن صامتة. الصوت يأتي من بعيد. صوت جماعي يؤذن لصباح العيد. تُفتح البوابة الحديد للبيت ويطلان. وجهها الأبيض يضيء في استدارة الحجاب، وهو يبتسم، حليق الذقن، يرتدي بزّة رسمية. ليسا مستعجلين. يذهب ليحضّر سيارته لمشوار الصباح، وتتمشى في حديقتها الصغيرة. تنظر إلى عريشة العنب، والتينة وشجرتي المشمش والخرما. هذه لم تنضج حباتها بعد. ما زالت خضراء. إلى شتلات الورد. تختار أكثرها انتعاشاً وحمرة. تشمّها وتقطف منها. تمددها على ذراعها. أفضل الوردات.
الأذان يلحق بالسيارة تشق السهل، وعلى طرفيها سلسلتا الجبال. ستمطر. غرب السماء ينبئ بالمطر بعد وقت. الأذان. من دونه لا يمر على الواحد عيد. من دونه لا يمر إلى القلب فرح بالعيد. يطفو فوق السهل الناعس تدور المرشّات تغسل مزروعاته.
يصدح الأذان أقوى ولا يزعج. يركن السيارة إلى الرصيف الملاصق للجامع. يفتح لها الباب بعناية رفيق الأربعين سنة. يعبران الطريق ويتركها ليمشي إلى الدكان. عند باب المقبرة تشتري أوراق الريحان. كيفما التفتت ألقت تحية العيد. بضع خطوات في الداخل وتقف. تتلو ما يتلوه زوّار الراحلين إذ يدخلون عليهم، وتخطو على الدرب التي وإن أغمضت عينيها، تصل إلى حيث تريد.
يكون لحقها، حاملاً كيساً فيه حلوى. الناس بين الشجر الطويل كالنحل حول ورود نثروها على الأضرحة. أولاد العرب يمدّون أكي

المزيد


حكاية “نيرودا عيثرون” كما رواها المواطن نبيه عواضة

أغسطس 9th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 6 آب 2009

أمرُّ باسمك لا جيش يحاصرني
ولا بلاد كأني آخر الحرس
أمرُّ باسمك لا جيش يحاصرني
أو شاعر يتمشى في هواجسه
محمود درويش
 
جموّل صبيّة رقصت وزغردت على هضاب جبل عامل ومشت لساعات في ليل وديانه، قبل أن يقتلها أكثر من سبب.
لهذه الصبية أبناء كثر، بعضهم استشهد، وبعضهم أسر، وأكثرهم ما زال بيننا. إلى الكثر المجهولين من ابناء جموّل، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، هذه التحية التي لا مناسبة لها.
 
هل غفا نبيه؟
هو ورفاقه الثلاثة محشورون في "تتخيتة" (عليّة) بيت مهجور في دير سريان الجنوبية المحتلة. مرهقون بعد مسير طويل حمل فيه نبيه قاذفة ال "آر بي جي" وبندقيته "كلاشينكوف"، وجعبتيهما، وغالون المياه.
 في التتخيتة كوّة تطل على الطريق ينتظر فيها الشبان الاربعة مرور دورية اسرائيلية في اليوم التالي، حيث يفترض أن تنفجر فيها عبوة مزروعة، ثم يشتبك الشبان الاربعة مع الدورية، فيقتلون من يقتلون، ويأسرون من يأسرون. المجموعة الثانية متوارية بين اشجار بعيدة عن المكان، تتالف من ثلاثة عناصر مجهزين بصواريخ "ستيلا". هؤلاء يرصدون المروحية التي لا شك ستحلق بعد نحو عشرين دقيقة من انفجار العبوة فوق المكان. المجموعة الثالثة، من عنصرين، تقبع بعيداً، مهمتها الاسناد. هذه عملية مركبة ونوعية على أبواب الذكرى السادسة لإنطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، "جمول". نحن في التاسع من ايلول العام 1988.
هل غفا نبيه؟ هو جالس في التتخيتة على كنبة، تحت مكيف يبث هواء شديد البرودة على جسده النحيل شبه العاري. في رأسه كيس اسود. لقد جُلب قبل ساعة الى الكنبة تحت المكيف، بعدما وُضع تحت دوش مياه ساخنة جداً، ثم باردة مثلجة، ثم ساخنة حارقة، ثم باردة. لقد ارتخت اعصابه كلها. الآن يرتجف تحت المكيف، يسمع أصواتاً كثيرة. باب يُفتح ويُغلق. صراخ أشخاص يتعذبون. صوته هو يصرخ بعدما يتلقى فجأة لكمات متتالية على رأسه الذي تحت الكيس. يسأله صوت صار يعرفه: من قائدك؟ "جورج حاوي"، يقول نبيه. كذّاب، يقول الصوت. كم شخصا كنتم في العملية؟
أي عملية؟ يفكر نبيه. هو ما زال محشوراً على ارض باردة لتتخيتة بيت مهجور بالكاد تتسع له مع كايد وأحمد وعلي، ينتظرون الصباح كي تمر الدورية و…
أين يغفو هذا الفتى الأسمر إبن السادسة عشرة؟
 
***
لا. لن يذهب نبيه إلى عيثرون يا ام نبيل، يا والدة الصبي الذي كبر قبل أوانه، يا ارملة الشيوعي الذي أخذه السرطان منك ومن نبيل وزويا ونبيه ومحمد،  ليلة رأس سنة 1980. لا. أنظري إليه. يجلس بالقرب ممن هم اكبر منه، يحرس معهم "القصر"، مركز الحزب الشيوعي في طريق الجديدة. أنظري إليه، يضع الكلاشينكوف الروسي في حضنه، منتظراً رنا كي تمر فتراه مع بندقية. يرسم لرنا قلباً بسهم. يضع حرف اسمه وعلامة سؤال. فوق العلامة تترك حرف اسمها. يحبها ويكتب لها قصائد. لذا سماه أحد المجهولين في الغرفة "السرّية" من بيتكِ نيرودا. عملتِ جاهدة على ابقاء الغرفة من بيتك بعيدة عن عيون اولادك. البيت الذي اسكنك فيه الحزب والتي تستخدم  جموّل إحدى غرفه مكانا سريا لمقاوميها. لن يخبرك نبيه أنه مرة فتح باب الغرفة التي كانت تشغل باله ورآهم، اربعة منهكين أحدهم تنزف ساقه دماً. واشار المصاب إلى نبيه ان إقتربْ فاقترب. طلب منه ألا يخبر أحداً عما رآه في الغرفة وسأله ماذا يريد. فاشار نبيه إلى السلاح وقال: علمني.
كم كان عمره حينها؟ 12 سنة؟ مر سنتان على الاجتياح. ومن يومها وهو يتعرف على المجهولين المتتالين تستضيفهم غرفة البيت الذي سيدته أم كريمة.
ها قد مر عامان أيضاً. لقد صار في الرابعة عشرة. يعرف أغاني مارسيل خليفة، وناشط في اتحاد الشباب الديموقراطي، ولن يخبرك أنه أجرى دورة عسكرية ليوم واحد. لن يترك الحزب والرفاق  ولن يترك رنا ويذهب إلى عيثرون البعيدة المحتلة. هو باق هنا. ولدٌ بين مقاتلين يمرون على الغرفة ويتعرف عليهم ويختفون. وولدٌ بين شبان يحرسون مركز الحزب. واحد منهم يقول له إن رنا برجوازية، ولن تحبه، ولن تتزوجه، فيحزن. هو يحبها، ويحب رائحة البارود ويحب رائحة شحم السلاح.
اسمعي: أرى في عينيك ربيع عيثرون. المس في يديك تراب عيثرون.
هذه قصيدة كتبها لرنا وعيثرون والشهيدة لولا عبود معاً. نُشرت في جريدة "النداء" ووقعها باسم نيرودا عيثرون. وقرأها الرفيق زاهي أسمر في الباص حين كانوا في رحلة. كان نبيه ولدا، يجلس نافخاً صدره ويطوي ذراعه ويريحها فوق النافذة.
 حياته كلها مرتبطة بالحزب الشيوعي الآن.  لا ترسليه بعيداً.
 
***
 ترك نبيه قبلة على خد رنا.  سيذهب إلى عيثرون. لقد أخبر رفيقاً عن نية أمه بابعاده. لاحقاً، يعلن الرفيق للولد أنه من "جمول"، ويطلب منه أن يذهب بصفته مقاوماً سرياً إلى القرية لينقل معلومات عن العملاء وبيوتهم وتحركاتهم وينتظر أي أوامر تطلبها منه "جمول". صار الفتى رجلاً في هذه اللحظة، او هكذا ظن. وامه ستفرح لأنه وافق بان ينتقل إلى بيت عمه في عيثرون، حيث يبتعد عن السلاح، ويتعلم. لكنه تعلم على يد الرفيق كيفية تركيب عبوة. وتعلم كيف يكتب التقارير. قال لرنا إنه مغادر، وزعلت كثيراً فاجابها بانفعال: انا لازم اطلع على الضيعة، من دون أن يضيف، ثم ترك المقاوم تلك القبلة يتيمة على خد حبيبته. للصبي قضية كبرى الآن.
رجع إلى قريته، وصار يعمل وحيداً. تصادق مع كثيرين في مدرسة عيثرون الرسمية، منهم أبناء عملاء، وتردد على الفتيات، ليبدو مراهقاً متفلتاً. لم يحك كلمة واحدة يمكن أن تدل على انتمائه، لم يردد أغنية. لم يستذكر سطرا من قصيدة لمحمود درويش. السرية التامة. فقط "صوت الشعب"، يستمع إليها ليلا وأهل بيت عمه نيام.
ثلاثة أشهر، ونزل إلى بيروت جالباً "الأغراض" معه. تقارير كتبها خارج بيت عمه وكان يدفنهما ملفوفة بالنايلون في جل قريب. جمع معلومات ورسم خريطة القرية وكل ما يراه من تحركات إسرائيلية ولحدية، وحدد مواقع بعض بيوت العملاء. كان يعمل.
رأى الفتى خلال إقامته أن المراقبة ليست كافية. اشترى ورق الكاربون، وصار يكتب على أوراق: أن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تحذركم من التعامل مع العدو الصهيوني. الموت للعملاء والمجد للشهداء. جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. رمى الأوراق على ارض القرية لدب الرعب في صفوف العملاء. وفي المدرسة، رسم على ألواح الصفوف مناجل ومطارق. لاحقا سيعرف أنه أخطأ. شغل بال مجموعات شيوعية سرية في القرية حين شاعت أخبار المناجل والمطارق والبيانات.
من بيروت، عاد إلى القرية يحمل مهمة حقيقية هذه المرة: تأتي فتاة وتسأله: إنت شاطر بالرياضيات؟ يجيب: إيه شاطر بالرياضيات. تعطيه مسدساً ليغتال به عميلاً لحديا معروفاً. انتظر الفتاة وسؤالها ثلاثة أشهر، ولم تأت.
رجع إلى بيروت في عطلة ربيع العام 1987. عمه الذي سمع ان العيون تتفتح على الصبي رافقه إلى المعبر ليلاً، وحين عبر نبيه البوابة ارتاح العم. لم يُرسل ثانية إلى عيثرون.
 
***
 
 في العام 1987 ذهب نبيه إلى صيدا حاملاً "ظرفاً" يعرّف عن حامله، على جاري عادة "جمّول" في العمل. استقبله وجه يعرفه جيداً. هو واحد ممن كانوا في غرفة بيتهم. صار الآن دور نبيه في الانتظار. ثلاثة ايام بقي في غرفة قبل ان تاتي سيارة تقله إلى قرية جون حيث نزل في بيت سرّي. ظل الى ما بعد منتصف الليل، وقد التحق به ثلاثة شبان يعرف واحد منهم هو محمد رمضان، رفيقه في المدرسة، الذي سيؤسر في عملية لاحقة. نقل الشبان كمية من مادة "تي أن تي" إلى قرية أنان المحتلة في منطقة جزين. مشى نبيه في الوديان حاملا سلاحه وجعبته. نفذت المجموعة مهمتها. ومجموعة اخرى فجرت العبوة بدورية اسرائيلية.
بعد هذه العملية، إنتسب نبيه عواضة إلى الحزب الشيوعي اللبناني. مسؤوله التنظيمي في الحزب لم يكن يعرف أن نبيه في المقاومة. ونبيه لم يكن يعرف أن رفيقه في منظمة بيروت أنور ياسين هو أيضاً مقاوم. والعكس صحيح. حين كان نبيه عواضة في عملية، كان أنور ياسين ينتظره في المركز في بيروت كي يأتي ويحل محله في الدوام في المركز.
 تأخر نبيه، ولما وصل، كان أنور غاضباً. لوح بذارعه في وجه نبيه متبرما من تأخره. وحث انور ياسين الخطى إلى المهمة التي سيؤسر خلالها على امتداد 17 سنة.  
 
***
في العامين 1987 و1988 طلع نيرودا في ثماني مهمات، في كل من وادي الحجير وبرعشيت وفرون وفي منطقة كفررمان حيث اشتبك مع دورية اسرائيلية بعد انفجار عبوة فيها. يجهل ما إذا كان قد أصاب إسرائيليا في تلك المهمة،
لكنه خاض المعمودية. غمره فرح عارم. للمرة الاولى أحس بأنه يعوّض عن عملية "إنت شاطر بالرياضيات" التي لم ينفذها.
خالد، للمناسبة، هو اسم نبيه في جمول، وفي بيروت، اسمه نيرودا عيثرون. له صديق اسمه ألكسي، يحكي له عن معنى المقاومة. يقول له إن معارك الداخل كريهة ول

المزيد


مبروك على الحزب الشيوعي

تموز 13th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 17 حزيران 2009

 

 

مبروك على الحزب الشيوعي اللبناني الأرقام المخجلة التي نالها في الانتخابات. فقد أثبت أن قانون الستين ظالم وهذا إثبات ليس بحاجة إلى انتخابات. في المقابل، مبروك عليه النتيجة التي بلغت اثنين في المئة من نسبة المقترعين في كل من أربعة أقضية، وخمسة في المئة في الخامس. بنسب كهذه، له مطلق الحق الآن بالنضال من اجل قانون.. النسبية.
مبروك عليه أيضاً وأيضاً أنه قرر «تحميل المعارضة المسؤولية الأساسية في النتائج بسبب موافقتها على قانون الستين وتقسيماته، وعدم صوغها برنامجاً وطنياً موحداً للإصلاح تخوض الانتخابات على أساسه، وتشتت قواها تبعاُ لحسابات مناطقية وفئوية، الأمر الذي أظهرها طامحة للسلطة فقط».
المعارضة تسعى للسلطة! استنتاج لا يقدر على الوصول إليه إلا المكتب السياسي للحزب الشيوعي، أما المعارضة وجمهورها، فكانا يظنان أن هذه الحقيقة مخبأة عن عيون الشيوعيين وعن عيون 14 آذار معاً.
وما دمنا نبارك، فمبروك له نقده الذاتي العميق، إذ اكتشف في نتائج مرشحيه «تراجعاً ملحوظاً عن إمكانيات الحزب وحجم التأييد الانتخابي له»، ورأى أن «جزءاً في ذلك يعود إلى حالة الاستقطاب الحادة التي شهدتها الانتخابات والمناخات الطائفية التي سادتها»، وهذا كلام ليس جديداً، «وجزءا ًآخر يعود إلى أسباب داخلية هي موضع تقييم في الحزب يعلن عنه بعد الانتهاء منه»، وهذا كلام مبهم وغير مفهوم يقوله المحرج ليهرب من «النقد الذاتي».
كان على الحزب أن يعود في نقاشه إلى الأصل، إلى قراره بخوض المعركة الانتخابية بالطريقة التي خاضها فيها، أي بناء على معطيات كهذه:
- نخوض الانتخابات ضد قانون الستين (القذر) وفق قانون الستين (القذر).
- ينتخب الشيوعيون المحظوظون مرشح الحزب في دائرتهم مع علمهم بأنه سيخسر، حتى يحطوا على «عين» المعارضة شيئاً لا نعرفه.
- أما الشيوعيون من آلهة أقل، الذين ليس في قضائهم مرشح شيوعي لأن القانون القذر يمنعهم من ذلك، فيناقشون ويحللون: نحن ضد 14 آذار. التصويت لأي شخص منهم ممنوع أحمر. ونحن نخوض معركتنا ضد مشروعهم، لذا، فنحن مع المعارضة. لكن حزبنا ي

المزيد


أراه

أيار 13th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

 

 السفير في 13 أيار 2009

 

لن تسعني الكرسي الخشبية المستطيلة. أجلس على الأرض في الممر بين طبقتين. أنظر في دفتره. بالكاد كتب إسمه في أعلى الصفحة. يداه باردتان. يحلم بأنه الآن في البيت. لم يكتب كلمة مما تقوله المعلمة. ليس ذنبه. كان شارد الذهن حين أخبرتهم عن الاملاء. لا يريد أن يبدو الخوف عليه. يدعي أنه يكتب، غير أنه يمرر راس القلم الرصاص لصق الورقة، ولا يدعه يلمسها. لا يكتب إلا حين تطلب المعلمة جمع الدفاتر. تنهار يده. ترسم خطاً متعرجاً يذهب نزولاً. تحزنه وحدته. وتحزنني. يريد الآن أن يغمض عينيه ويفتحهما فيكون في البيت. لو أضع يدي فوق يده، وأكتب له ما تمليه المعلمة.

***

متردد. في سريره حلم باللحظة التي يهديها فيها القصة المصورة. الآن أجلس على الحافة الحجرية في الملعب. أراقبه من بعيد.  أراه يتخلى عن تردده  وبارتباك يمشي صوبها. يناديها باسمها ويضع القصة في يديها، ثم  لا يحكي. يكتفي بالابتسام ويلتف مسرعاً صوب رفيقه الذي ينتظره. يضع كل منهما ساعده خلف عنق الآخر. ويدوران في ملعب المدرسة الواسع الكبير. يتخيلان قصصاً تحدث لهما. حولهما ضجة لا تعنيهما. يظلان يدوران في الملعب حتى يرن الجرس فيركضان ليأخذا مكانيهما في الصف الذي بعد قليل يمشي كخيط النمل إلى الغرفة، ينتظره فيها أمل التفاتة من الطبقة الاولى تلحقها ابتسامة.

ابقى على الحافة الحجرية، منتظراً تلك الالتفاتة.

***

وجهه شديد الحمرة. منذ ساعات وهو في موقف البناية الخالي. يدور بدراجته الحمراء. منذ ساعات. لم يأكل ولم يشرب. لا يصدق أنه تعلم قيادتها بدولابيها الاساسيين، بعدما نزع والده الدولابين الصغيرين الخلفيين. يمر بي مرة بعد مرة. لا يراني، أود لو يصطدم بي. لكنه لا يفعل. بات راكب دراجة ماهراً.

 أعود حين يرجع إلى البيت بعد هروب من جولة حرب.  يقف على الركام وامام قدميه  الدراجة الحمراء التي لاكتها القنبلة. والده يربت على رأسه.

***

في صباح اليوم التالي أرى والده يربت على رأسه كي يوقظه من النوم. أرى عينيه وهو ينظر في الدراجة البرتقالية بدولابين. أرى والده. هو أيضاً ينظر في عينيه.

***

لا يدرون أنه لن يفهم مزاحاً كهذا. كُسرت الابرة في يد أخيه الصغير وضاع جزء منها. قالوا له إن هذا الجزء قد يكون نفذ من الجرح ومشى في دمه، وربما يصل إلى قلبه ليلاً. أمضى نهاره يبحث على الارض عن الجزء المفقود من الابرة. والآن ينام قرب أخيه. ولا ينام.  يرفع رأسه ويطل على وجه اخيه كل دقيقة. وكلما أتته فكرة أن الابرة ستصل إلى  القلب، يذهب في بكاء مكبوت.

 

***

ممدد على الكنبة. يصل والده. يجده مخبئاً خده بكفه فيسأله عما به. يقول إنه تخانق مع ولد. ينتبه أبوه إلى الخدوش التي تركتها اظافر الولد في وجه ابنه. يصرخ فيه حانقاً. لكن ابنه يخبره أن الولد يتنمر عليه دائماً. وكان مضطراً إلى التقاتل معه. وللخدوش سببها. فقد تفوق على الولد في الخناقة وثبته أرضاً. لذا لجأ هذا إلى الخربشة الجبانة. لا يكذب. فالولد لن يتوقف عن إزعاجه فحسب، بل، ومن ذاك النهار فصاعداً، سيتجنب مواجهته، وكلما إلتقاه صدفة، سيتحايل للهروب من طريقه.

***

يهرول قافزاً من الباص. يصعد الدرج ركضاً. ي

المزيد


14 آذار والرقص على قشر الموز

أيار 7th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

السفير في 6 ايار 2009

 

 

إذا كان غداً هو الذكرى الأولى على السابع المشؤوم من أيّار، فاليوم هو الذكرى الأولى على السادس العجيب منه. وهو يوم لتأمل قوى 14 آذار. في فجره ارتكبت هذه القوى، ممثلة بالحكومة، حماقتها الكبرى، حين أصدرت قراريها المثيرين للضحك، وذهبت إلى النوم، حالمة بما لا يدري به أحد غيرها.
حماقة كبرى، وإن كانت لا تبرر خطيئة حزب الله الكبرى في المقابل، لأن لا شيء يسمح بتلك الاستباحة التي وقعت.
غير أنها حماقة، لأن ما بين الطرفين، في حينها، لم يكن مباراة فكرية صامتة في الشطرنج. كانا عدوين، بمعنى للكلمة لن تكتمل حرفيته إلا في السابع من أيار وما بعده، حين سقطت «14 آذار» في الذهول. أصابها الحزن العميق مما قد يفعله شريكها في الوطن، هذا الذي تبادلت معه طوال ثلاث سنوات حروب إقصاء وإلغاء وتخوين وشتائم واتهام بالتبعية والعمالة. وخاضت معه مناوشات دموية متنقلة. وأغلقت في وجهه الثلث المعطل وأغلق في وجهها، ووجه أصحاب الرزق معها، وسط البلد. وفتح الطرفان كل الجبهة واستخدما كل الأسلحة، ثم جاء السادس والسابع..
حزنت 14 آذار وخرجت بعبرة واحدة من اليومين المشؤومين: حزب الله يستخدم سلاحه في الداخل. ثم ماذا؟ في يد من وضعت هذه الحقيقة وبماذا استفادت سياسياً؟ لا شيء. الحقيقة كانت تلك المطالعة التاريخية للحكومة والتي لا يمكن أن يتذكر الواحد منها إلا أنها تراجعت عن القرارين.
لاحقاً في الدوحة، وقّعت 14 آذار وثيقة استسلام شبه كامل لعدو بالكاد كانت تعترف بوجوده. وبعدها، لم يعد لديها إلا التيار الوطني الحر لتعنّفه مع كل طلّة لواحد من سياسييها وإعلامييها، وتتوقع له يوماً انتهاءه وشعبيته معاً. هذا التوقع صار حالة مرضية أصيبت بها قوى 14 آذار، مذ تذاكت وأرغمت العماد ميشال عون على الخروج من صفوفها، لتصدم لاحقاً بحلفه مع حزب الله!
في تلك السهرة الطويلة، ألم يسأل أحد الموجودين، ولو نفسه، عن خطة التحرك في حال قرر حزب الله خوض معركة حسم عسكرية، كانت قوى 14 تبشر بتفاصيلها التكتيكية مرة بعد مرة؟ وما

المزيد


ثلاثيات جهاد البزاوي. (1)

نيسان 22nd, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

 

 

ثلاثية أعان الله..

 

أعان الله الفتى الذي  

المزيد


ضعي رأسك على كتفي

آذار 25th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , غير مصنف

 السفير في 25 آذار 2009

لن تحكي. عيناك تقولان إنك لن تقولي ما بك. اهربي بهما. كأنني لن أعرف. قليلاً وتأتين. تضعين رأسك على كتفي وتغمضين عينيك. أمسّد على شعرك، وأعلم لمَ أنت حزينة.
ضعي رأسك على كتفي. لتوّك أتيت إلى العالم. جائعة وبردانة وخائفة. ارتاحي الآن. هذا لون بشرتك. هاتان عيناك، وهذا أنفك، وهذا فمك المدوّر. هذه أصابعك تضعينها على خدّي. صغيرة ترتجف. هذا شعرك. قصير ومبتل. سيصير طويلاً وسنعتني به معاً. تمشطين شعري وأمشط شعرك. غداً تكبرين وتكونين أحلى فتاة في الكون. نامي الآن. لتوّك أتيت.
لو تقولين ما بك. مثل النار أنت. تغلين. اسمها صيبة العين، أبعدها الله عنك. تراني أهملتك؟ لا تبكي. غداً تتعلمين الكلام فلا تعودين بحاجة إلى البكاء. لكنك قد تبكين أحياناً. ستبكين. وستضحكين أيضاً. لأنك لا تعرفين ما بك، فأنت خائفة. هذه سخونة بسيطة. انظري. ها أنا أضع شفتي على جبينك. آخذ منه الحرارة الزائدة. صباحاً يضيء وجهك. نامي. سأغني لك.
جرحت ساقك؟ حبيبتي. هو جرح بسيط. تعالي. نغسله ونضع عليه دواء. قلت لك أن تنتبهي. لا تركضي كثيراً. لا نريد آثاراً على الساقين الجميلتين. غداً كم ستكونين حلوة. أنت يا قمري.
ما بها هذه التنورة؟ صرت تفهمين في الألوان الآن؟ لا. سترتدين ما أقرره أنا. صدقيني ستفعلين. إلا أناقتك يا صغيرتي العنيدة. إلا أناقتك. وحين تكبرين البسي ما شئت.
شيلي يدك عن فمك. ستنبت محلها أسنان بيضاء جميلة مصفوفة كاللؤلؤ. ضحكتك هذه لا تخبأ.
ما اسمها؟ ولماذا سكتِ لها؟ أهكذا علمتكِ؟ ما الذي فيها أصلاً وليس فيك؟ لا تسكتي لأحد. لا تسمحي لأحد بأن يسخر منك. أنت أغلى وأحلى منهن جميعاً. هي غيرتها التي تتكلم. غداً، حين ستعودين من المدرسة، ستخبرينني أنك واجهت هذه الفتاة وأوقفتها عند حدها. لمن ترسمين كل هذه القلوب بالمناسبة؟
هذا كابوس. في المرة الثانية، حين ترين نفسك تصرخين وصوتك لا يخرج منك، فكري أنك نائمة ترين كابوساً، وقولي إنك تريدين أن تستيقظي، فتقومين منه.
تعالي. حطّي رأسك على كتفي. اليوم صرت صبية. لا تخافي حبيبتي. صرت صبية.
يا ابنتي يا حبيبتي يا بلهاء. لست بشعة. قمر أنت. ليس من امرأة بشعة. كلنا جميلات. وأنت أصلا حلوة جداً. من زرع في رأسك الصغير مثل هذه الأفكار؟ هات لي ألبوم الصور. كنت أحلى طفلة في العالم، وأنت أحلى صبية الآن. وكلنا نحبك. لا تقولي لي إنني لا أفهمك. أفهمك. وحياة عينيك أفهمك. لا تدرين كم أفهمك. يكفي أن أشمّ رائحتك حتى أعرف مالك.
عبد الحليم؟! ما بك؟ صار الابتسام ممنوعا في هذه الأيام؟ ما عدت تخبرينني كما في السابق. ماذا قلت اسمه

المزيد


التالي