تعال ندخن يا رفيقي

حزيران 4th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , جولة الحرب الاهلية

السفير في 4 حزيران 2008.. مهداة الى عماد الدين رائف سحمراني.. ويعرف نفسه باسم “عمادين”، ولا ندري لماذا..

على كورنيش الضجر نفسه، افترش الرصيف في ذاك الليل بضعة أصدقاء. دخنوا وغنوا لوداع رفيقهم أغنية يحبها. غنيت معهم. كان البحر خلفي، والجامع أمامي، وغيتار عملاق، ومطعم أميركي، وجمال عبد الناصر. ربما لم يكن من قمر في السماء، غير أن نوره كان هناك. يحلو لي أن أضيف الضوء الى الذكرى.
 حين غادرت، صارت حنيناً لا يحتمل، المدينة التي كقمر، يخدعنا نورها الفضي. نظنه لا يؤلم. ولا ندري أنه لون للحنين موجع. كالنائم يغيب الواحد فيه، يمتعه الوجع المتسلل بطيئاً في الدم، يعيد صوراً ومطارح وذكريات، كلها حلوة، وكلها تحرّك حزناً. وجع المدينة ادمان أحبه.
بيروت أرجعتني وحقائبي إليها. وحدها ارجعتني. هذه المدينة التي من حنين خالص، أجهلها، ولا اعرف، أأشفق عليها أم اشفق على نفسي؟ أراها مثلي. في كل يوم مزدحمة أختنق بها وتختنق بي وبضجيجها وتلوثها وعنفها. مثلي، مواعيدها مؤجلة وخيباتها عديدة. مثلي كئيبة.
كما اكره نفسي اكرهها، ثم أحبها واحنو عليها. ليل واحد فيها يتصل بفجره يكفي كي اسامحها على ما تفعل بي. يكفي تفصيل بسيط كي ابتسم لها. اتصال عابر برفيقي منذ الابتدائي الاول، نتبادل حواراً بدأناه طفلين وكبر معنا. وصار لعتقه شيفرة لا يفكها سوانا. نتواعد على لقاء. وارتاح الى امكان رؤية رفيقي متى شئت، فنؤجل الموعد وننسى. ما الذي سنفعله حين نلتقي؟ لا جديد. ندخن كثيراً. ضعوا امامنا منفضة سجائر كبيرة، واتركونا. نظل نحكي وندخن لساعات. وكلاهما، التبغ والكلام، لا ينضبان. صدي

المزيد


عند اللحظة الصفر.. تحركت الجرافات أخيراً لتفتح رئتي مدينة بيروت

أيار 16th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير, جولة الحرب الاهلية

السفير في 16 ايار 2008
في هذه النقطة، تلتقي، على الارض، كل ازمات لبنان. عند جسر فؤاد شهاب، حيث يرتفع ساتران ترابيان عاليان، نرى برج المر والاشرفية، خصمي الحرب السابقة، ونرى الاعتصام والسرايا، خصمي الجولة الحالية. هنا خطوط التماس القديمة والخندق الغميق وسوليدير، وتظاهرتا 8 آذار و14 آذار، وضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هنا كل الاشياء.
تجتمع أزمات لبنان فوق الجسر. وعناصر حزب الله وحركة أمل غير مسلحين إلا باجهزة لاسلكية وابتسامات عريضة في اغلب الاحيان، يوجهون الناس يميناً، بعيدا عن الجسر، صوب شارع فرعي في الخندق الغميق يخرجون عبره من عنق الزجاجة ذاهبين الى شرق بيروت او ضاحيتها أو حتى شمال لبنان. والازدحام لا ينقطع. وفي السيارات الملونة، التي بعضها فخم بما لا يقاس، وبعضها الآخر عادي، وبعضها الثالث متهالك، أناس بنظرات مختلفة. واحد ينظر بطرف عينه، حاقداً، وآخر يلوح للشبان بسعادة، وثالث ضجر. والامرأة التي لا تجد لتعبر عن موقفها السياسي المعارض لما تراه، الا الغضب الشديد وتكرار السؤال عن كيفية وصولها الى بيتها، ستجد خلفها من يصرخ بها مطلقا بوق سيارته: يلا! خليها تمشي كونداليزا رايس وحين تكمل طريقها، يمر خلفها رافعا شارة النصر.
واللبنانيون غالباً مفاجئون. في الازدحام، تسأل السيدة الشقراء في المرسيدس الفارهة عما اذا كان هذا التراب موجوداً أمس. ويسأل آخر اين يصير اذا التف يمينا، ويرفع ثالث صوت الموسيقى عالياً، ويرقص رابع مراهق خلف مقوده، وتكاد السيارة ترقص معه، ويعزف الخامس بوق الجنرال، ويسأل السادس، حين تباشر الجرافات العمل عما اذا كانوا يغلقون الطريق ام يفتحونها.
تمضي ساعات الانتظار طويلة. الاولاد عند التلة القريبة ضجروا من اللعب في كرة القدم، فجلسوا يعرضون بطولات خيالية عن انتصارهم في المعارك. وعلى الرصيف لناحية وسط البلد، حيث الاعتصام، يجلس مجموعة من عناصر المعارضة، وعلى الجسر تنتظر جرافتان جلبهما حزب الله لحظة الصفر للإنطلاق في فتح الطريق، وينتظر عمال سوكلين أيضاً، وينتظر الم

المزيد


الجبل هادئ وسالك وطرقاته خالية: هنا القماطية وعلى بعد رمية حجر تقع عيتات

أيار 16th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير, جولة الحرب الاهلية

السفير في 13 ايار…
يمكنك أن تذهب حيث شئت، يقول ضابط الجيش اللبناني في عيتات.
هو يطمئن سائليه المطمئنين، اصلا، الى حد ما. فالوصول الى هذه النقطة من الجبل كان اسهل من المتوقع. ما ان تخرج من الاوتوستراد الرئيسي عند الجمهور صوب بسوس، حتى تخلو الطريق الا من جمال ربيعي خلاب. بديهي أن هذه المنطقة، بعكس الاوتوستراد، مشلولة تماماً. المحال كلها مغلقة. ولا ناس على شرفة فيلا أو بيت، وليس من يمشي على طريق. لا يشبه هذا يوم احد، لأنه في اي يوم عطلة مفترض، سيطل الناس على طقس كهذا. هم الناس فرضوا على انفسهم حظر التجول، بعد حرب اول من امس.
مدخل بسوس يحرسه الجنرال ميشال عون، في صورة مرفوعة له منذ وقت بعيد. القرية مغلقة. عند محطة وقود يجلس رجلان ستينيان وعامل. هل وقعت مشاكل هنا؟ الحمد لله. ما صار علينا شي. الم تسمعوا اصوات الحرب المندلعة في المنطقة؟ سمعنا كتير. بس هون ما كان في شي. هل نزحت عائلات من هنا؟ لا.  
خبر لطيف ما زال قائماً لدى مسيحيي لبنان المحيدين عن الحرب في الجبل أيضاً. وبعد بسوس، تأتي القماطية ذات الغالبية الشيعية اضافة الى المسيحيين. لا تواجد للجيش اللبناني فيها، وفيها يظهر السيد حسن نصر الله للمرة الاولى منذ مسافة بعيدة، في صورة كبيرة ليست حديثة بالطبع.
 في صالون حلاقة صغير يجلس شابان. يجب أن يبدأ الكلام، بعد جولات الحرب، بالتهنئة على السلامة. بعدها يكون السؤال التالي: كيف مر عليكم نهار أمس؟ يقول واحد منهما إنه كان صعبا. كيف؟ اصوات قصف ورصاص. لكن ليس في القرية. بقيت القماطية خارج المعارك، والخوف كان من القنص من اعلى، من تلة تلات تمانات المواجهة. لي

المزيد


حزب الله في بيروت!

أيار 16th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , جولة الحرب الاهلية

كُتب الجمعة في 9 أيار، اثر جولة في بير وت، وقد دخلها عناصر حزب الله وحركة امل والحزب القومي السوري الاجتماعي، مسلحين، وسيطروا على شوارعها…
شارع الحمرا. بعد ساعتين طويلتين من أزيز الرصاص ودوي انفجار قذائف الأر بي جي، وعند العاشرة صباحا تقريباً، كان جنود حزب الله ينتشرون على رصيفي شارع الحمرا الرئيسي، بلباسهم العسكري المرقط الموحد، بكامل عتادهم العسكري وباسلحة حديثة ومتنوعة من بنادق قناصة وقاذفات آر بي جي ورشاشات وغيرها. قوة من العشرات تحاكي في شكلها، وفي احتراف عناصرها في الانتشار والتغطية وحراسة المفارق وغيرها، تحاكي جيشا نظامياً مثل الذي نراه في الافلام. حزب الله دخل شارع الحمرا الخالي مغلق المحال والمقاهي عن بكرة ابيه، بعدما نظف الجيوب القليلة التي قاومته على ما يبدو، واسقط في صفوف الخصوم قتلى على ما قال بعضهم وجرحى واسر معتقلين، وصار في اقرب نقطة ممكنة الى قصر قريطم. شارع واحد يفصل بينه وبين القصر.
حزب الله في شارع الحمرا. بعض شبانه غير مسرور تماماً للنتيجة، فقد كانوا يتوقعون معركة ولو صغيرة، لكن المنطقة الساقطة عسكريا اصلا وقعت في ايديهم من دون جهد يذكر، وربما يكون على حق القائل بإن المهمة الاصلية نفذها عشر عناصر فقط.
التصوير ممنوع، وكل الشبان مسلحون. عناصر الحزب السوري القومي الاجتماعي يقفون بالقرب من مراهقين ممدين ارضاً. يتهمونهما بانهما من تيار المستقبل. يؤمران بالوقوف ويتلقى كل واحد منهما صفعة قاسية ثم يؤخذان في سيارة.
جنود حزب الله لا يناقشون إلا حملة الكاميرات. غير انهم حين يوقفون شابا مارا، يحمل كاميرا ويسألونه عن وجهته السياسية يقول لهم: انا اردني ومع 14 آذار. يضحكون. هو ضائع تماما ولا يعرف بماذا يجيب عن الاسئلة لأنه لا يعرف اصلا من القوة التي تحقق معه الآن. ويبدو مصرا حين يسأل ثانية فيقول انه مع 14 آذار. يتركونه يتابع طريقه، بعد مصادرة كاميراته واخذ رقمه هاتفه الخلوي ليقولوا له اين سيتركون له الكاميرا.
بعد وقت قصير يستنفر الحاج المسؤول جنوده وقد بدت من بعيد قوة كبيرة للجيش اللبناني. وبا

المزيد


الى هامش حرب بيروت

أيار 9th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , جولة الحرب الاهلية

 

 

 

حبيبتي..

انت في قبرص. جاد في بيت جده. انا الآن في الجريدة. الخامسة صباحاً. هذا اطول يوم امضيه في السفير. كنت سانام، لكنني قررت أن أنزل الى المطبعة. عالم مدهش. هذه المرة الاولى التي ارى فيها مانشيت السفير مكتوبة بالقلم على الورق، ثم اراها تخرج من هذه الالة الخلابة في جريدة فوق صورة مسلح. اخذت عددا سحب لتوه من بين صف الاعداد المرصوفة فوق بعضها البعض تمشي على الخط. اعذري لغتي هذا الصباح. لن تكون كما تحبينها ربما. انا اكتب من دون ان افكر. يا الله يا منال كم لدي ما اقوله، ولا استطيع ان اقول شيئاً.

سأجرب. ساخبرك قليلاً. لأبدأ. صباح الخير يا منال. جاد بخير. جاد بقلبي. بيروت على عادتها، مجنونة. انت وبيروت، صعبتان، ولا اعرف العيش من دونكما. وانت لست هنا. وبيروت ليست هنا. اظنني في اكثر كآبتي إذ اظنها جميلة في حربها. اظنه  سهري الطويل والنبيذ الذي شربته، يأخذانني الى حنين غريب. كأنه حلم كنت انتظره، يتحقق. كانها بيروت في تلك الحرب العتيقة، وصحافيو “السفير” عالقون فيها، ينامون على مقاعدهم. كأنني احقق حلماً. كنت احسدهم حين اتخيلهم في الجريدة يصلون الليل بالصباح. ا

المزيد


بيروت في نهار هدوئها النسبي قبل ليل المعارك: مدينة مقطعة الاوصال

أيار 9th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير, جولة الحرب الاهلية

نشر في السفير الجمعة 9 ايار 2008
 
الثامن من أيار 2008. هنا بيروت العاصمة. مدينتك.
إن اردت ان تجول فيها، فالدراجة النارية بساط الريح السحري، لا تطير به، بل تعلو عبره الارصفة وتحاذي معظم العوائق، وهي من اطارات تحترق ومن مستوعبات النفايات الخضراء مرمية في منتصفات الطرقات، ومن تلال ركام وحجارة ومن اي شيء يمكن ان يقطع طريقاً.
السيارة من دون طائل. لن تأخذك الى مكان. ستحاول وتحاول وتجدك في سيارتك عالقا في سيارتك تدور حول نفسك. بيروت الغربية، وعذرا على تعبير عائد مشؤوم، جزر معزولة تفصل بينها الشرايين الرئيسية للمدينة، وقد سيطرت عليها المعارضة، او بالاحرى حزب الله وحركة أمل ومناصريهما، وقطعتها.
ونقاط المعارضة تتداخل مع الجيش اللبناني في نقاط معينة، وتبعد عنه في نقاط أخرى والتنسيق بين الطرفين ممتاز، فلا اشكال ولو يتيم وقع بينهما.
الخندق الغميق مليء منذ ساعات الصباح بالمراهقين يقفون عند الشوارع المؤدية الى جسر فؤاد شهاب، أو يجولون على الدراجات النارية الصغيرة. يمرحون. جسر فؤاد شهاب مقطوع بالنار عند المفترق الذي منه تترك الجسر لتصعد صوب بشارة الخوري . لن تستطيع الوصول الى الاشرفية او تأتي منها. هذه منطقة للمعارضة بطرفيها. منها الى سليم سلام.
النفق مقطوع. والجيش يقف في نقطة فوقه. عند حسينية زقاق البلاط ينتشر عناصر حركة أمل. السلاح ليس ظاهراً، والسؤال عن “الاذاعة” او القناة التي نعمل فيها يتكرر عشرات المرات. تصوير الوجوه ممنوع، والمرور مسموح حيناً أو ممنوع حيناً آخر، بحسب مزاج الشاب الواقف عند العائق. الجيش متواجد هنا، وسيارات كثيرة تعود ادراجها، والشاب يقلب مستوعب نفايات. مهول أمر النفايات، تترك ليومين فحسب، فتنتشر في كل مكان.
شرفات الابنية في سليم سلام خالية.
الطريق الى مار الياس، مروروا من زقاق ملاصق لحي اللجا دونه مسلح يحولنا الى طريقة اخرى للذهاب، ليس عبره. الشارع التجاري سيطرت عليه المعارضة. قطعت كل متفرعاته ناحية حي اللجا، بينما أوقف الجيش ملالاته في كل المتفرعات المؤدية الى تلة الخ


المزيد