السفير في 14 آب 2008
| ► | تشرين الثاني 2009 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | ||||||

أغسطس 14th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , تموز 2006,
السفير في 14 آب 2008
تشرين الأول 22nd, 2007 كتبها جهاد بزي نشر في , تموز 2006,
نشر في السفير 6 آب 2006:
إنصاف صارت "عكازة" أمها.. وعادل رأى عمره يصير تراباً
جحيم بنت جبيل ويوم القيامة فيها: سقف البيت والطائرة والله الذي يرى
تنقض الطائرة من السماء على البيت نصف المهدوم. تسويه بالأرض. تنفجر قوارير الغاز وتشتعل النيران فيه. لا أحد في هذا البيت من "حي الساقية" في بنت جبيل. سكانه الخمسة أخلوه. أربع نسوة وعجوز مقعد اسمه محمد حسين أحمد بزي. يختبئون في بيت الجيران الملاصق. بيت عادل بزي. عادل طلب منهم أن يأتوا ليقطنوا معه. في الحرب يواسي الناس بعضهم بعضاً. حمل عادل المُقعد على كتفه وادخله بيته منذ اليوم الأول للعدوان.
نحن في اليوم الرابع عشر للحرب. وفي البيت 16 شخصاً. عادل وزوجته واولاده الستة، وأمه التي عمرها 85 سنة، وشقيقته، وصهره محمد راشد حناوي، الآتي في زيارة إلى المدينة قبل الحرب ثم عجز عن مغادرتها وعمره 79 عاماً، وجيرانهم الخمسة، وقد أغار الطيران قبل يوم على بيتهم فهدم نصفه، وهو الآن يغير ثانية عليه.
تموج الأرض ببيت عادل ويرتفع صراخ الجميع. يطل برأسه من النافذة إلى السماء فيرى الطائرة تحوم. ترمي بيته بصاروخ فيهدم جزءاً من سور سطح الطابق الأول. هو في الطابق الأرضي يقرر: سنغادر البيت. هذا مشهد سريع يمر في لحظات. يحمل أصغر أطفاله ويرميه عند العتبة. الأم تحمل طفلاً وتركض. الأولاد يخرجون وحدهم. شقيقته عليا تركض بأمها. صهره العجوز يتكئ على عصاه ويخرج. عادل يحمل الحاج محمد على كتفه. يهرول الجميع. بعضهم يلوح بقماشات بيض. خمسون متراً، وتنقض الطائرة على بيت عادل، فتحيله ركاماً.
حي الساقية تلة ركام. لا ينسى عادل أن ينظر صوب المبنى الذي كان يتحضر للإنتقال إليه قبل الحرب. خمسة طوابق بناها بعد 22 سنة من العمل هنا والسفر سنوياً للعمل في ديربورن الولايات المتحدة الأميركية. عادل واولاده لبنانيون أميركيون. له ولأولاده رفع المبنى في بنت جبيل. ينظر إلى عمره فلا يراه. يركض والعجوز على كتفه. خلفه يركض 15 شخصاً.. لا يعلمون إلى أين يركضون…
*****
بنت جبيل ليست بنت جبيل. المدينة صارت جُزراً مبعثرة في ركام لا ينتهي. الناس لمّت أنفسها جماعات في بيوت.. وراحت تنتظر. في مكان آخر بعيد من المدينة، ترقد إنصاف وأمها زينب وإبنتا شقيقها في بيت قريب آخر. خمسون شخصاً يختبئون تحت سقف البيت. حين يقول الجنوبي بيتاً فإنه يقصد مبنى صغيراً من طابقين. رب البيت يبني دائماً لأولاده. وبنت جبيل منذ التحرير وهي في ورشة لا تهدأ. ليس كالفطر تنمو البيوت والفيللات والقصور في المدينة، بل كالأحلام العتيقة للمغتربين ولأولاد "البلد" كما يسمون المدينة التي تنمو وتزدهر وتصير أحلى.
تتكاثر البيوت ويرتفع القرميد أحمر على رؤوسها. وبغتة، تجد إنصاف نفسها هاربة من بيتها بأمها المسنة المصابة بالسكري وبطفلتي شقيقها اللتين جاءتا من أجل الصيف. تهرب بعدما يقع بيت جيرانها على رؤوسهم فيقتلون. وقد كان الجار عندها قبل نصف ساعة، وقد قال لها إنه ذاهب ليأتي بعائلته ليكون الجميع معاً.
إنصاف هربت إلى حي آخر، وما عرفت عن بيتها شيئاً. خمسون شخصاً حولها. منهم من يبتهل إلى ربه ومنهم من يصلي، ومنهم أطفال مرعوبون.
للمخيلة أن تزيد على الوصف ما تشاء، لكن لا شيء يصف كيف تكون مثل هذه الساعات على الناس. لا شيء يصف الساعة التي خرج فيها الخمسون من البيت رافعين القماش الأبيض، يريدون الذهاب مشياً إلى تبنين، وأغار الطيران على المباني المحيطة وارتفع عويل الناس الهستيري وتبعثروا في كل مكان، ولملموا بعضهم بعضاً ليعودوا الأمتار القليلة إلى الغرفة نفسها. يعودون إلى الإنتظار والصراخ حين يهتز البيت بهم ويعصف به رمل وحصى البيوت المتساقطة حوله. لا شيء يحكي كيف تمر مثل هذه الأيام. يبكون ويقرأون القرآن. فوقهم سقف نصفه مهدوم. وفوق السقف طائرة. وفوق الطائرة ربٌ يرى، ولم يعد هناك غيره لينظروا إليه.. وينظر فيهم.
*****
يركض عادل وجماعته أربعين متراً. يرون بيتاً مفتوح الباب فيدخلونه. يقول عادل نختبئ هنا قليلاً. دوي القصف يشتد، ويهتز البيت بهم. الطائرة تلاحقهم من بيت إلى بيت. يهرب عادل من جديد. على كتفه الحاج محمد المقعد، ومن حوله صهره وزوجته وأولاده وأمه وشقيقته وجاراته. إلى اين هذه المرة؟ إلى اقرب بيت ممكن يدخلونه. البيت الذي هربوا منه للتو سقط. الموت يطاردهم والصور تزدحم في رأس عادل. صور أشلائهم الملتصقة بالجدران. لكن الطائرة تغيب عنهم. وفي العتمة ترقد المجموعة على أرض البيت الثالث لهذا اليوم.
غداً يوم آخر.. غداً اليوم الخامس عشر على الحرب.
*****
يمضي الليل، وفي الفجر يقوم عادل بزي ويقول نذهب إلى بيت السيد علي الحكيم، إمام بنت جبيل. يعرف عادل أن في البيت قبوا. ويحمل الجار المقعد على كتفه ويقول لصهره اتبعني. تصل المجموعة إلى البيت والطائرات تزمجر في السماء. تدخل المجموعة الباب المفتوح وتنزل إلى القبو العتيق للمنزل. في عتمة القبو يجلس إمام بنت جبيل رافعاً صوته بالدعاء، ومن بعده يردد الناس الكلمات، وقد صاروا اربعين شخصاً. علبة بسكوت ستقسم كسرات يومية على أربعة اطفال. كان واحد من الرجال يتسلل في الأيام الماضية زاحفاً إلى خزان على بعد أمتار ليجلب منه الماء. لكن القصف سيقترب ويشتد. وسيعلم قاطنو القبو أن مكانهم كشف على مارون الراس، وأنهم صاروا تحت عين الاسرائيلي.
يتمنى السيد الحكيم ألا يخرج أحد بعد الآن، فيسمع الجمع كلمته. من الآن فصاعداً، لا لقمة لهذه الأفواه ولا شربة ماء. لا ضوء. في مكانهم يضربون بأكفهم تراب الأرض تيمماً، وفي مكانهم يصلون. في مكانهم ينامون ويفيقون. لا يترك مخلوق منهم مساحته طيلة خمسة ايام.
\إن تحرك أحدهم فسيدوس على من يرقد بقربه. والإمام يرفع صوته بالدعاء ويرددون من بعده. ويبح صوت الإمام فيرفع عبد الكريم، ابن عادل، صوته ويكمل، ويرددون من بعد عبد الكريم الذي في الخامسة عشرة. وفي الليل يئن طفل عادل إبن السنوات الأربع. يقول لأمه إنه جائع. تبكي أمه. خمسة ايام على هذه الحال. يلتصق الموت بهم حين تغير الطائرات على بيت ا










