السفير في 30 تموز 2009
شعرُ مربوط إلى الخلف. وجه نضر وابتسامة بيضاء كريمة. خطوات واسعة لجسم مستقيم يبدو أنه ذاهب إلى غده بقامة فارعة. دينا عيد ليست مجرد طفلة هنا. لا. «كنت طفلة عادية من زمان… من لما كان عمري سبع سنين». هي الآن مساعدة منشط. إبنة الثالثة عشرة لديها عمل تقوم به في مركز الاطفال والفتوة في شاتيلا. تنشيط الأطفال. أي تنظيمهم في ألعاب جماعية، وتعليمهم الغناء، وحقوق الطفل. «هني 51 حق. أقولك ياهُم؟». تفضلي. تعد على اصابعها: «حقه يلعب. حقه ينبسط. حقه يتعلم. حقه بالحرية. حقه إنو ما ينضرب… مش كلهون حافظيتهم».
وما أهم الحقوق؟ «اللعب والعلم».
مساعدة المنشط نشيطة. بالكاد تجد وقتاً للحديث قبل ان تركض إلى الاولاد الذين يملأون مبنى المركز بالضجة. هذا يقع في ثلاث طبقات. أمامه فسحة من امتار مربعة قليلة هي ساحة الشعب في مخيم شاتيلا. مكان مفتوح على الشمس. في قلب المخيم. فسحة تكاد تكون يتيمة. يتقاسمها لعب الاطفال مع المهرجانات والنشاطات الشعبية التي تقام في المناسبات. المتبقي للعب الاطفال صيفاً هو الأزقة، ومراكز اجتماعية أخرى مشابهة لمركز الاطفال والفتوة. من المستحيل أن تضم النشاطات الصيفية التي تقيمها هذه المراكز كل اطفال المخيم. وهي تقع في فترة زمنية قصيرة من النهار ولعدد من الاسابيع محدد. تبقى الازقة. نمشي فيها؟
***
يجلس الولدان على طرف عتبة بيت، مستمتعين بالشراب الاخضر الحلو يعصرانه في جوفيهما من أنبوبين بلاستيكيين. الوقت ظهر، غير أن المكان شبه معتم. كم سيطول جلوسهما هكذا قبل أن يتحركا إلى مكان آخر مشابه؟ ليس كثيراً. الازقة مكتظة دائماً. الحركة هنا لا تهدأ. الاقصر قامة، والاشد نشاطاً، يبدون غالبية، من الصبيان. الفتاة في المجتمع الفلسطيني، ما إن تكبر قليلاً، حتى تمنع من اللعب في الشارع. يخلو المكان للصبيان. لقّيطة وغميّضة ودرجات هوائية تخوض في الارض الموحلة معظم الوقت، أو يمكثون في مواجهة أجهزة الكومبيوتر في مقاهي الانترنت المنتشرة، أو يجلسون فقط، ويحكون.
الزمرة المتجمعة حول بعضها البعض، عند حافة عريضة، تكاد تشبه الكرات الدخانية التي ينتجها العراك في الرسوم المتحركة. بضعة اولاد أصغرهم في التاسعة واكبرهم في الثانية عشرة. يركّبون قافيات ساخرة على اسمائهم وكنياتهم. يفلت منهم واحد يطارده آخر ليضربه. يعودان بعد الجولة ضاحكين. يتشاحن اثنان آخران في مكانيهما… يتدافع اثنان. وهكذا…
عشرون دقيقة وقت قصير لمحاولة فاشلة لضبطهم. الكلام معهم يأتي في متفرقات. اصغرهم ياسر. عمره تسع سنوات. «هناك… بالزاروب» بيت ياسر. يعود إليه «بالمغرب». ياسر يضربه رفاقه لأنه صغير. يتدخل احمد: «وانت ما بتضرب الاولاد». ابن الثانية عشرة هذا، يبدو صاحب السطوة على المجموعة. يبدو عليك انك صحافي يا احمد. ستجري إذا المقابلات بنفسك. نعطيه آلة التسجيل عله يهدئ من روع هذه الاسماك التي لا تهدأ. يأخذ الآلة في يده. يعبس محدقاً فيها ويقرّبها من فمه: «طب الأولاد ليه بيضربوك؟ فيه سبب..» يجيب ياسر: الاولاد بيتزانخوا علاي. وانا كمان بتزانخ عليهن».
بداية ممتازة، سرعان ما تتحول إلى فوضى، بينما أحمد قرر أن يستخدم المسجلة للغناء، وقد جلس بقربه فتى آخر، مشاركاً في الاداء الضاحك سريع الوتيرة لكلمات مقفاة. هما يؤديان أغنية «راب» لبنانية مجهولة المصدر: «تمويل عمليات. تهريب (…) هيدي هيي الحياة. ضل حامل قطّاعة. فرد بكر وشنطة فيها بضاعة. عيش بسرعة وموت شب. ارهاب













