أطفال “شاتيلا” يروون لعبهم: حياة تتفتح على أزقة كثيرة… وفسحات شمس قليلة

تموز 30th, 2009 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير

 السفير في 30 تموز 2009

 

شعرُ مربوط إلى الخلف. وجه نضر وابتسامة بيضاء كريمة. خطوات واسعة لجسم مستقيم يبدو أنه ذاهب إلى غده بقامة فارعة. دينا عيد ليست مجرد طفلة هنا. لا. «كنت طفلة عادية من زمان… من لما كان عمري سبع سنين». هي الآن مساعدة منشط. إبنة الثالثة عشرة لديها عمل تقوم به في مركز الاطفال والفتوة في شاتيلا. تنشيط الأطفال. أي تنظيمهم في ألعاب جماعية، وتعليمهم الغناء، وحقوق الطفل. «هني 51 حق. أقولك ياهُم؟». تفضلي. تعد على اصابعها: «حقه يلعب. حقه ينبسط. حقه يتعلم. حقه بالحرية. حقه إنو ما ينضرب… مش كلهون حافظيتهم».
وما أهم الحقوق؟ «اللعب والعلم».
مساعدة المنشط نشيطة. بالكاد تجد وقتاً للحديث قبل ان تركض إلى الاولاد الذين يملأون مبنى المركز بالضجة. هذا يقع في ثلاث طبقات. أمامه فسحة من امتار مربعة قليلة هي ساحة الشعب في مخيم شاتيلا. مكان مفتوح على الشمس. في قلب المخيم. فسحة تكاد تكون يتيمة. يتقاسمها لعب الاطفال مع المهرجانات والنشاطات الشعبية التي تقام في المناسبات. المتبقي للعب الاطفال صيفاً هو الأزقة، ومراكز اجتماعية أخرى مشابهة لمركز الاطفال والفتوة. من المستحيل أن تضم النشاطات الصيفية التي تقيمها هذه المراكز كل اطفال المخيم. وهي تقع في فترة زمنية قصيرة من النهار ولعدد من الاسابيع محدد. تبقى الازقة. نمشي فيها؟

***

يجلس الولدان على طرف عتبة بيت، مستمتعين بالشراب الاخضر الحلو يعصرانه في جوفيهما من أنبوبين بلاستيكيين. الوقت ظهر، غير أن المكان شبه معتم. كم سيطول جلوسهما هكذا قبل أن يتحركا إلى مكان آخر مشابه؟ ليس كثيراً. الازقة مكتظة دائماً. الحركة هنا لا تهدأ. الاقصر قامة، والاشد نشاطاً، يبدون غالبية، من الصبيان. الفتاة في المجتمع الفلسطيني، ما إن تكبر قليلاً، حتى تمنع من اللعب في الشارع. يخلو المكان للصبيان. لقّيطة وغميّضة ودرجات هوائية تخوض في الارض الموحلة معظم الوقت، أو يمكثون في مواجهة أجهزة الكومبيوتر في مقاهي الانترنت المنتشرة، أو يجلسون فقط، ويحكون.
الزمرة المتجمعة حول بعضها البعض، عند حافة عريضة، تكاد تشبه الكرات الدخانية التي ينتجها العراك في الرسوم المتحركة. بضعة اولاد أصغرهم في التاسعة واكبرهم في الثانية عشرة. يركّبون قافيات ساخرة على اسمائهم وكنياتهم. يفلت منهم واحد يطارده آخر ليضربه. يعودان بعد الجولة ضاحكين. يتشاحن اثنان آخران في مكانيهما… يتدافع اثنان. وهكذا…
عشرون دقيقة وقت قصير لمحاولة فاشلة لضبطهم. الكلام معهم يأتي في متفرقات. اصغرهم ياسر. عمره تسع سنوات. «هناك… بالزاروب» بيت ياسر. يعود إليه «بالمغرب». ياسر يضربه رفاقه لأنه صغير. يتدخل احمد: «وانت ما بتضرب الاولاد». ابن الثانية عشرة هذا، يبدو صاحب السطوة على المجموعة. يبدو عليك انك صحافي يا احمد. ستجري إذا المقابلات بنفسك. نعطيه آلة التسجيل عله يهدئ من روع هذه الاسماك التي لا تهدأ. يأخذ الآلة في يده. يعبس محدقاً فيها ويقرّبها من فمه: «طب الأولاد ليه بيضربوك؟ فيه سبب..» يجيب ياسر: الاولاد بيتزانخوا علاي. وانا كمان بتزانخ عليهن».
بداية ممتازة، سرعان ما تتحول إلى فوضى، بينما أحمد قرر أن يستخدم المسجلة للغناء، وقد جلس بقربه فتى آخر، مشاركاً في الاداء الضاحك سريع الوتيرة لكلمات مقفاة. هما يؤديان أغنية «راب» لبنانية مجهولة المصدر: «تمويل عمليات. تهريب (…) هيدي هيي الحياة. ضل حامل قطّاعة. فرد بكر وشنطة فيها بضاعة. عيش بسرعة وموت شب. ارهاب

المزيد


نحلم كثيرا

تموز 9th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير

أين كنّ في هذا الليل؟ كن عند صديقات لهنّ، مثلهن يقتسمن الحياة في بيوت صغيرة. غادرن افريقيا وأتين لبنان لسبب. يعملن نهارا. يسهرن عند بعضهن. وفي الواحدة ليلا تعود ثلاث منهن إلى بيت يبعد خطوات عن البيت الأول في الشارع القصير. من قال إن السوداء رخيصة؟
لا أحد قال. المراهقان على الدراجة النارية الرخيصة مكبوتان، والكبت ليس بالضرورة جنسيا فقط. مكبوتان على دراجة نارية وثلاث شابات إمتشاق أجسادهن أحلام النساء. تهويل بالدراجة النارية وكلام بذيء. لا حدث سيقع. المراهقان خائفان أصلا. يحلمان بالجنس لكنهما خائفان. لا يتوقعان من الفتيات ان يقبلن بهما. لذا يكتفيان بمفردات عنصرية بذيئة. ولو وافقن فقد لا يعرف المراهقان ماذا يفعلان. من قال إن السوداء رخيصة؟ لا أحد قال. تلتقط إحداهن عصا من خشب مرمية على الطريق. ينسحب الشابان وقد خجلا من أحلامهما التي لم تتحقق حتى مع من يظنان أنهن رخيصات. تغادر الدراجة النارية وتكمل الفتيات طريقهن إلى البيت القريب. تمشي العصا معهن. تشبه رقم الواحد في الساعة الواحدة ليلا.
لماذا غادرن افريقيا وأتين إلى لبنان؟ مدينتنا هذه الأيام مدينتان. في المدينة فندق وكورنيش منارة. أمام الكورنيش يشمخ برج الأحلام. كل اثنين يمران بالبرج ينظران إلى اعلاه. يقول لها وتقول له ويضحكان. ينظران إلى الطابق الأعلى. لا فرق بين الطابق الأول والطابق الأخير في برج الأحلام لكنهما ينظران إلى الطابق الأعلى ويهمس لها ويضحكان. لا. الطابق الأعلى بعيد عن الكورنيش. بعيد فلا نرى من هناك بقايا ترمس على الأرض ولا تصفعنا روائح البحر الكريهة. عند الطابق الأعلى السماء أقرب. إلى السماء ترمى الأحلام كي تتحقق. القاطنون في الطابق الأعلى أحلامهم أحلى. ليس فيها بقايا ترمس ولا روائح كريهة. الطوابق العليا اقرب إلى الطائرات. في الطائرات نسافر أو نحلم بالسفر. في الطوابق العليا اخترقت الطائرتان برجي نيويورك. كان الارتطام في الأعلى اسهل لقائدي الطيارتين. في الطوابق العليا من البرجين السماء اقرب إلى الجنة. قبل لحظة من الارتطام حلم القائد بالجنة لآخر مرة. خاطف الطائرة حلم مرارا وتكرارا بالجنة… ثم قبل لحظة من الارتطام رأى الجنة. لبنان الآن جنة. لبنان جنتان. جنة في الفندق وجنة لأحلام الجالسين عند الكورنيش ذي الرائحة الكريهة. في بيروت سيارات صفراء لا تراها المدينة في كل يوم. الفيراري الإيطالية. أجمل سيارة في العالم. هناك رجال يفضلونها عن النساء. يقود مراهق خليجي سيارة الفيراري. يركن الشاب سيارة المرسيدس المتهالكة بالقرب من الكورنيش بعد يوم عمل طويل طويل. يرتفع صوت ابو وديع عاليا يخرج من نوافذ السيارة. يخرج

المزيد


!

حزيران 15th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير

نعسان.
لو انام. الان حيث انا.. اغمض عيني واغفو. اغلق اذني ودماغي وحواسي كلها واغفو، فقط لو انام.
انا الآن مجهد. المسافة بين نقطتين تتعبني مهما كانت مستقيمة وكيفما عبرتها.. تتعبني اعادة ربط شريط حذائي. واكره البحر. لا اكرهه لذاته بل اكره الذهاب اليه في يوم احد طويل واجلس تحت شمسه تشويني بدون ذنب إقترفته. اكره البحر. اكره السينما.. اكره الانترنت والتلفزيون والسياسة والشعراء الشباب بتجاربهم العقيمة.

المزيد


عند اللحظة الصفر.. تحركت الجرافات أخيراً لتفتح رئتي مدينة بيروت

أيار 16th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير, جولة الحرب الاهلية

السفير في 16 ايار 2008
في هذه النقطة، تلتقي، على الارض، كل ازمات لبنان. عند جسر فؤاد شهاب، حيث يرتفع ساتران ترابيان عاليان، نرى برج المر والاشرفية، خصمي الحرب السابقة، ونرى الاعتصام والسرايا، خصمي الجولة الحالية. هنا خطوط التماس القديمة والخندق الغميق وسوليدير، وتظاهرتا 8 آذار و14 آذار، وضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هنا كل الاشياء.
تجتمع أزمات لبنان فوق الجسر. وعناصر حزب الله وحركة أمل غير مسلحين إلا باجهزة لاسلكية وابتسامات عريضة في اغلب الاحيان، يوجهون الناس يميناً، بعيدا عن الجسر، صوب شارع فرعي في الخندق الغميق يخرجون عبره من عنق الزجاجة ذاهبين الى شرق بيروت او ضاحيتها أو حتى شمال لبنان. والازدحام لا ينقطع. وفي السيارات الملونة، التي بعضها فخم بما لا يقاس، وبعضها الآخر عادي، وبعضها الثالث متهالك، أناس بنظرات مختلفة. واحد ينظر بطرف عينه، حاقداً، وآخر يلوح للشبان بسعادة، وثالث ضجر. والامرأة التي لا تجد لتعبر عن موقفها السياسي المعارض لما تراه، الا الغضب الشديد وتكرار السؤال عن كيفية وصولها الى بيتها، ستجد خلفها من يصرخ بها مطلقا بوق سيارته: يلا! خليها تمشي كونداليزا رايس وحين تكمل طريقها، يمر خلفها رافعا شارة النصر.
واللبنانيون غالباً مفاجئون. في الازدحام، تسأل السيدة الشقراء في المرسيدس الفارهة عما اذا كان هذا التراب موجوداً أمس. ويسأل آخر اين يصير اذا التف يمينا، ويرفع ثالث صوت الموسيقى عالياً، ويرقص رابع مراهق خلف مقوده، وتكاد السيارة ترقص معه، ويعزف الخامس بوق الجنرال، ويسأل السادس، حين تباشر الجرافات العمل عما اذا كانوا يغلقون الطريق ام يفتحونها.
تمضي ساعات الانتظار طويلة. الاولاد عند التلة القريبة ضجروا من اللعب في كرة القدم، فجلسوا يعرضون بطولات خيالية عن انتصارهم في المعارك. وعلى الرصيف لناحية وسط البلد، حيث الاعتصام، يجلس مجموعة من عناصر المعارضة، وعلى الجسر تنتظر جرافتان جلبهما حزب الله لحظة الصفر للإنطلاق في فتح الطريق، وينتظر عمال سوكلين أيضاً، وينتظر الم

المزيد


الجبل هادئ وسالك وطرقاته خالية: هنا القماطية وعلى بعد رمية حجر تقع عيتات

أيار 16th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير, جولة الحرب الاهلية

السفير في 13 ايار…
يمكنك أن تذهب حيث شئت، يقول ضابط الجيش اللبناني في عيتات.
هو يطمئن سائليه المطمئنين، اصلا، الى حد ما. فالوصول الى هذه النقطة من الجبل كان اسهل من المتوقع. ما ان تخرج من الاوتوستراد الرئيسي عند الجمهور صوب بسوس، حتى تخلو الطريق الا من جمال ربيعي خلاب. بديهي أن هذه المنطقة، بعكس الاوتوستراد، مشلولة تماماً. المحال كلها مغلقة. ولا ناس على شرفة فيلا أو بيت، وليس من يمشي على طريق. لا يشبه هذا يوم احد، لأنه في اي يوم عطلة مفترض، سيطل الناس على طقس كهذا. هم الناس فرضوا على انفسهم حظر التجول، بعد حرب اول من امس.
مدخل بسوس يحرسه الجنرال ميشال عون، في صورة مرفوعة له منذ وقت بعيد. القرية مغلقة. عند محطة وقود يجلس رجلان ستينيان وعامل. هل وقعت مشاكل هنا؟ الحمد لله. ما صار علينا شي. الم تسمعوا اصوات الحرب المندلعة في المنطقة؟ سمعنا كتير. بس هون ما كان في شي. هل نزحت عائلات من هنا؟ لا.  
خبر لطيف ما زال قائماً لدى مسيحيي لبنان المحيدين عن الحرب في الجبل أيضاً. وبعد بسوس، تأتي القماطية ذات الغالبية الشيعية اضافة الى المسيحيين. لا تواجد للجيش اللبناني فيها، وفيها يظهر السيد حسن نصر الله للمرة الاولى منذ مسافة بعيدة، في صورة كبيرة ليست حديثة بالطبع.
 في صالون حلاقة صغير يجلس شابان. يجب أن يبدأ الكلام، بعد جولات الحرب، بالتهنئة على السلامة. بعدها يكون السؤال التالي: كيف مر عليكم نهار أمس؟ يقول واحد منهما إنه كان صعبا. كيف؟ اصوات قصف ورصاص. لكن ليس في القرية. بقيت القماطية خارج المعارك، والخوف كان من القنص من اعلى، من تلة تلات تمانات المواجهة. لي

المزيد


بيروت في نهار هدوئها النسبي قبل ليل المعارك: مدينة مقطعة الاوصال

أيار 9th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , السفير, جولة الحرب الاهلية

نشر في السفير الجمعة 9 ايار 2008
 
الثامن من أيار 2008. هنا بيروت العاصمة. مدينتك.
إن اردت ان تجول فيها، فالدراجة النارية بساط الريح السحري، لا تطير به، بل تعلو عبره الارصفة وتحاذي معظم العوائق، وهي من اطارات تحترق ومن مستوعبات النفايات الخضراء مرمية في منتصفات الطرقات، ومن تلال ركام وحجارة ومن اي شيء يمكن ان يقطع طريقاً.
السيارة من دون طائل. لن تأخذك الى مكان. ستحاول وتحاول وتجدك في سيارتك عالقا في سيارتك تدور حول نفسك. بيروت الغربية، وعذرا على تعبير عائد مشؤوم، جزر معزولة تفصل بينها الشرايين الرئيسية للمدينة، وقد سيطرت عليها المعارضة، او بالاحرى حزب الله وحركة أمل ومناصريهما، وقطعتها.
ونقاط المعارضة تتداخل مع الجيش اللبناني في نقاط معينة، وتبعد عنه في نقاط أخرى والتنسيق بين الطرفين ممتاز، فلا اشكال ولو يتيم وقع بينهما.
الخندق الغميق مليء منذ ساعات الصباح بالمراهقين يقفون عند الشوارع المؤدية الى جسر فؤاد شهاب، أو يجولون على الدراجات النارية الصغيرة. يمرحون. جسر فؤاد شهاب مقطوع بالنار عند المفترق الذي منه تترك الجسر لتصعد صوب بشارة الخوري . لن تستطيع الوصول الى الاشرفية او تأتي منها. هذه منطقة للمعارضة بطرفيها. منها الى سليم سلام.
النفق مقطوع. والجيش يقف في نقطة فوقه. عند حسينية زقاق البلاط ينتشر عناصر حركة أمل. السلاح ليس ظاهراً، والسؤال عن “الاذاعة” او القناة التي نعمل فيها يتكرر عشرات المرات. تصوير الوجوه ممنوع، والمرور مسموح حيناً أو ممنوع حيناً آخر، بحسب مزاج الشاب الواقف عند العائق. الجيش متواجد هنا، وسيارات كثيرة تعود ادراجها، والشاب يقلب مستوعب نفايات. مهول أمر النفايات، تترك ليومين فحسب، فتنتشر في كل مكان.
شرفات الابنية في سليم سلام خالية.
الطريق الى مار الياس، مروروا من زقاق ملاصق لحي اللجا دونه مسلح يحولنا الى طريقة اخرى للذهاب، ليس عبره. الشارع التجاري سيطرت عليه المعارضة. قطعت كل متفرعاته ناحية حي اللجا، بينما أوقف الجيش ملالاته في كل المتفرعات المؤدية الى تلة الخ


المزيد


اقتربي

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 4 حزيران  2003

لك هذا الليل فلا تذهبي إلى نومك مبكرة. ما من قمر في السماء وما من ملامح تستعيد ملامحها أحلى أغنياتك. ما من ورد في زوايا البيت وشرفتك لا تطل على أحلام كثيرة. لن تعبثي الآن بصورك التي أمست عتيقة ولن تنبشي غباء مراهقتك الذي احتفظت به متعرجا ملونا في دفاتر يوميات لم تكن يوما دقيقة. لا. لن تقرأي الآن كتاب شعر لنزار قباني وتضحكين لما كنت تظنينه أحلى الكلام. ولن تبحثي عن الأغنية التي أوقعتك في هوى عبد الحليم. لك كل هذا الليل فالمسي نقاءه واقتربي قليلا منك.. اقتربي.
لك هذا الليل فخذي ملء كفيك حفنة من صمته واسهي. هنيهة وتعود الشمس وتفيقين اليها. ستتركين بعضا منك في السرير حين تغادرينه. وبعضا آخر منك ستخسرينه عند المرآة الاولى. وسيغسل الماء كثيرا منك. وستبدلين منك قليلا وأنت ترتدين ثيابك. وستعتنين بشعرك ولن تلتفتي إلى الصور في الاطارات وعند عيني أمك الصباحيتين ستفقدين بعضك. سيصعد الشارع اليك وتتدخل مذيعة الشاشة في صباحك وس


المزيد


الارض مدورة

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير في 5 آذار 2003
لا تمعن في قراءة رسالتي. اقرأ بسرعة. ليس فيها الكثير من الحكايات الجديدة. فيها قليل من حزن اريده في هذا الصباح لأخفف بعض شوقي إليك. إن شئت فلا تقرأ. إرمها في مكان ما على أن تقرأها لاحقاً ثم انس مكانها. لا بأس. هي ليست مكتوبة إليك. هي ربما مكتوبة إلي.
من أين ابدأ الرسالة؟ سؤال لا بد لي أن أبدأ الكتابة به. هكذا تعودت كتابة الرسائل. سأبدأ من العمر الذي تقاسمناه سوياً. من الحب الذي لم يكن يوما يقال، بيد أنه كان يطفو فوق سطح الكلام. على الرغبة في حوار نلتقط أطرافه ونغيب في ثرثرة لذيذة تكاد لا تنتهي. نحكي لمتعة الحكي. نفرح بالكلام. بالنميمة على آخرين.. باليوميات التي تعيد سرد تفاصيلها ونعيد سرد تفاصيلها. بالتهكم المتبادل. لهذا ربما أكتب رسالتي. لأنني لا أريد أن أفشل إن حاولت أن أستعيد لاحقاً شيئاً ما. لا أريد أن أشعر بالذنب. لأنني لن أكف عن سؤال نفسي كم أنا ما زلت أحبك. وعندما سأسأل نفسي سيكون وجهك أمامي وعليه أن يحكي معي، وجهك وليس صوته يأتي بالهاتف. وجهك وليس بريده الإلكتروني. وجهك وليس صورته فوق الورق. وجهك.. وليس غربته الحزينة.
لا تقرأ رسالتي فهي ليست مكتوبة إليك. هي مكتوبة إلي. مكتوبة كي أخفف من خوفي. كي أعد نفسي أن ما دامت الأرض مدورة فسنلتقي. أكره عبث الغربة ولن أفكر فيه في لحظة كهذه. أكره عبث الفراق الذي من دون معنى. أكره الغربة القسرية. لكنني لن أفكر في لحظة كهذه بالغربة. للغربة رب من غباء يحميها. عمرنا من يحميه؟ عمرنا الذي يمضي بدوننا من يحميه؟ من يحميه من ترهل الذاكرة. من يحميه منا؟ عمرنا الذي نرسمه بوجودنا سوياً لماذا نتلاعب معه ونغير من عاداته التي أدمنها؟ الأرض مدورة وسنلتقي. وإلى أن نلتقي يجب أن أبقي على عمري كما هو، من

المزيد


هل يكبر سوبرمان؟ هل يموت مثلنا؟

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير، إثر موت الممثل كريستوفر ريف
مات سوبرمان؟
البارحة كان كريستوفر ريف على شاشة البي بي سي يجري حوارا. كان جالسا بوجهه الجميل وراسه الحليق يحكي ويبتسم. راسه مثبت إلى الكرسي عن طرفيه وهناك آلة فوق عنقه. يبدو عاجزا تماما. يبدو عاجزا عن إكمال العبارة ما لم يصنع حركة بفكه الأسفل تشبه حركة البلع تعيد الصوت إلى حلقه. بدا عاجزا تماما. لكنني كنت اراه رجلا خارقا حقيقيا لأول مرة.
لطالما أدهشتني هذه الحكاية. سوبرمان الذي احفظ كل تفاصيل قوته الخارقة يقع عن الحصان فيصاب بشلل لا شفاء منه. شلل يجعل كل ما تحت العنق عاجزا.
هذا رجل كنت اقرأ مجلاته المصورة بحب لا مثيل له. كان يقوم بمغامرات لا تقف عند العبارة التقليدية مثل "هذا طائر، هذه طائرة، هذا سوبرمان". العبارة التي كان يقف تحتها أناس يشيرون إلى أعلى. لا. مدمنو المجلة لا يقفون عند مثل هذه الكليشيهات. كنت أغوص في التفاصيل.  لم اسأل نفسي قط لماذا يتعرض سوبرمان لكل هذه المتاعب في كل عدد مصور مع أنه سوبرمان. كان الرسام قادرا على إقناعي كل مرة بأن شريرا إكتشف طريقة للوصول إلى نقاط ضعف الرجل الآتي من كوكب آخر ليحمي مدينة مور المحظوظة. وكان سوبرمان يعود فيتغلب على الشرير. كانت المجلة تصدر إسبوعيا وكنت أنتظرها لا لأقرأ عن مغامرات سوبرمان فحسب بل عن نبيل فوزي وطرقه في إخفاء هويته الجبارة عن رنده والمصور نديم حلمي ورئيس تحرير الكوكب اليومي الغاضب دوما. لم يكن في طيرانه ونظره الخارق للجدران ونفسه الجبار ما يغريني لأحب أن أكون مثله. إصراره على العيش في شخصيتين كان أمرا رائعا. وكنت دائما اشعر بالفرح حين يقدر نبيل فوزي على إنجاز أمر ما من دون تدخل سوبرمان في ما يقوم به. لكنني، حين كنت أعجز عن القيام بما اريد القيام به، كنت ألجأ إلى أن أن أحلم بأنني سوبرمان القادر على اي شيء.. كنت اشعر أنني نبيل فوزي الضعيف وأحلم بأنني سوبرمان أحيانا.
لطالما أدهشتني حكاية سوبرمان. إختار أخي أن نجلس في المقعد الأول في السينما حين ذهبنا لمشاهدة سوبرمان. كانت الصالة فارغة ومع ذلك جلسنا في المقعد الأول. كنت بالطبع ممنونا لأخي الذي أخذني معه لأشاهد الفيلم. كنت ممنونا له اصلا لأنه ف

المزيد


هنا لندن.. هناك بيروت

آذار 26th, 2008 كتبها جهاد بزي نشر في , jihad bazzi, السفير, جهاد بزي

السفير 2005 بعد زيارة استمرت 10 ايام الى لندن

في المغسلة حنفيتان منفصلتان. واحدة للماء القارس البرودة وأخرى للماء الحارق السخونة. لماذا لم يضع الإنكليز حنفية واحدة بسكرين كي يتخلط البارد بالساخن؟ كيف يغسل الواحد وجهه أمام هذه المعضلة؟ كيف يعيش الإنكليزي طول حياته مع مثل هذا النظام العجيب لغسل الوجوه؟ ربما يستخدم الماء القارس، لأنه لا يريد أن يحترق. لهذا السبب ذاع الصيت: الإنكليز شعب بارد.
 
***
هم ليسوا باردين تماما. هؤلاء شبانهم وشاباتهم يذهبون إلى النوادي الليلية. يتحدثون ويضحكون بصوت عال. يرتدون ثيابا لا تليق إلا بصيف شديد. نحن، اللبنانيين في لندن، باردون. متلحفون بما قدرنا من إرتدائه من ثياب. نكاد نسقط تحت ثقلها ونرتجف مع ذلك. ننظر إليهم.. إلى السياح بكاميراتهم وخرائطهم الصغيرة. إلى الليل الحي الذي يحيط بنا. لا هروب من المقارنة بين كل هذه الحياة هنا وبين بيروت.لا هروب.
 
***
لا هروب من المقارنة بين مدينتين لأن العينين تحفظان مدينة واحدة تقيسان الأماكن والمشاعر بها. هذه لندن. عراقتها. ساحاتها وحدائقها العامة ومتاحفها. ليلها الذي لا ينقضي ونهارها الذي لا يضجر. هذه لندن المعروفة بضبابها ورماديتها. مدينة من المفترض أنها محكومة بالكآبة ولا حياة فيها. لندن ليست كذلك. لندن العتيقة بشدة. كل المباني فيها تاريخية. المباني الحديثة نافرة في هذا العالم القديم الفخور بقدمه. ما رمت هذه المدينة شيئا من أشيائها. تحتفظ كعجوز بكل ما إقتنت يوما. تصر عليه وتعرضه أمام الآخرين بغرور. هذا المبنى عمره مئتا سنة. تلك الكنيسة عمرها ألف عام. الساعة. الجسر. المتحف. عن أي متحف نحكي؟ الناس هنا يعيشون في متحف. وأنت تمشي، يكاد كتفك يصطدم بكتف تمثال لكثرة تماثيل المدينة. لا كآبة في مدينة فخورة. بيروت هي الكئيبة. بيروت الفارغة شوارعها. بيروت المنتشية بتظاهراتها وإنفجاراتها. بيروت التي تفرغ ليلا من الناس. بيروت مدينة كئيبة ولو سطعت الشمس عليها عند منتصف الليل. بيروت التي بانت قشرتها رقيقة ما إن اهتز سلامها الملتبس. بيروت ليست لندن. لندن تعيش سلاما. بيروت لا تفعل. حرام أن نقارن مدينتين. لكن ما العمل؟
***
 
لا تقارن. خذ كفايتك من البلد الذي تنقطع إليه قبل عودتك إلى واقع مدينتك. لكن الجميع يحكي عن الحدث اللبناني. نحن اللبنانيين المشاركين في الدورة الصحافية. عن ماذا نحكي؟ أحمد النادل في المطعم اللبناني عن ماذا يحكي؟ أحمد ما عاد يرى أو يسمع. الشاب الذي دخل البلاد بعد معمعمة المرور من بلد أوروبي إلى آخر. هذا الذي يعيش في هذه المدينة البعيدة جدا عن الشياح حيث كان يقطن ذووه. هل تريدونه أن يناقش في الفرق بين العمال والمحافظين البريطانيين؟ هل تريدون موقفه من زواج تشارلز الجديد؟ إسمعوه إذا. غادر لبنان منذ سنوات. يقول إنه كان يحب حركة أمل أما الآن فهو شيعي فحسب. شيعي مع السيد حسن ومع الأستاذ نبيه. للإنكليزي أكثر من جواب حول معضلة الحنفيتين لكن لأحمد إجابة واحدة في السياسة: ضد المعارضة وشخصياتها المستجدة على شاشة تلفزيون المطعم. يخوض "مواليا" في السجالات التي تبدأ ولا تنتهي بين الرواد. لبنانيو لندن غارقون في  أيام لبنانيي لبنان. يتفقون على الحريري ويختلفون على كل ما عداه. نسخة طبق الأصل عنا. توجيه السؤال إليك حول إنتمائك إلى الموالاة والمعارضة مضحك. نحن قفزنا فجأة فوق كل دهاليز تاريخنا وطوائفنا وعائلاتنا السياسية المتوارثة وإرتقينا ديموقراطيا إلى الأقصى: إنقسمنا موالاة

المزيد


التالي