الارض مدورة

كتبهاجهاد بزي ، في 26 آذار 2008 الساعة: 13:03 م

السفير في 5 آذار 2003
لا تمعن في قراءة رسالتي. اقرأ بسرعة. ليس فيها الكثير من الحكايات الجديدة. فيها قليل من حزن اريده في هذا الصباح لأخفف بعض شوقي إليك. إن شئت فلا تقرأ. إرمها في مكان ما على أن تقرأها لاحقاً ثم انس مكانها. لا بأس. هي ليست مكتوبة إليك. هي ربما مكتوبة إلي.
من أين ابدأ الرسالة؟ سؤال لا بد لي أن أبدأ الكتابة به. هكذا تعودت كتابة الرسائل. سأبدأ من العمر الذي تقاسمناه سوياً. من الحب الذي لم يكن يوما يقال، بيد أنه كان يطفو فوق سطح الكلام. على الرغبة في حوار نلتقط أطرافه ونغيب في ثرثرة لذيذة تكاد لا تنتهي. نحكي لمتعة الحكي. نفرح بالكلام. بالنميمة على آخرين.. باليوميات التي تعيد سرد تفاصيلها ونعيد سرد تفاصيلها. بالتهكم المتبادل. لهذا ربما أكتب رسالتي. لأنني لا أريد أن أفشل إن حاولت أن أستعيد لاحقاً شيئاً ما. لا أريد أن أشعر بالذنب. لأنني لن أكف عن سؤال نفسي كم أنا ما زلت أحبك. وعندما سأسأل نفسي سيكون وجهك أمامي وعليه أن يحكي معي، وجهك وليس صوته يأتي بالهاتف. وجهك وليس بريده الإلكتروني. وجهك وليس صورته فوق الورق. وجهك.. وليس غربته الحزينة.
لا تقرأ رسالتي فهي ليست مكتوبة إليك. هي مكتوبة إلي. مكتوبة كي أخفف من خوفي. كي أعد نفسي أن ما دامت الأرض مدورة فسنلتقي. أكره عبث الغربة ولن أفكر فيه في لحظة كهذه. أكره عبث الفراق الذي من دون معنى. أكره الغربة القسرية. لكنني لن أفكر في لحظة كهذه بالغربة. للغربة رب من غباء يحميها. عمرنا من يحميه؟ عمرنا الذي يمضي بدوننا من يحميه؟ من يحميه من ترهل الذاكرة. من يحميه منا؟ عمرنا الذي نرسمه بوجودنا سوياً لماذا نتلاعب معه ونغير من عاداته التي أدمنها؟ الأرض مدورة وسنلتقي. وإلى أن نلتقي يجب أن أبقي على عمري كما هو، من دون أي نقص في الذكريات. سنلتقي.
وجهك هو الذي أشتاق إليه الآن. هو الذي يجعلني أكتب رسالة لا أريدك أن تقرأها. وجهك ولم أعرف يوماً كيف كانت ملامحه تتبدل وأنت هنا.. لأن وجهك كان هنا. كيف ألاحظ ما الذي تغير فيه؟ سيكتشف التغيير فيك من لم يكن يراك كل يوم. ذاك الذي تلقاه في صدف بعيدة. تبحثان عن ذاكرة مشتركة فلا يكون فيها إلا الصورة المحفوظة عن آخر لقاء، ولن تملكا إلا المقارنة بين الصورتين، وتفترقان من غير ذكرى. لهذا أكتب رسالتي. لأطمئن إلى أنني حين سنلتقي لن أقول لك تغيرت ملامحك. لن أكون كمن يلتقي بعابر. أعلم أن آخرين الآن لا ينتبهون إلى تغير في ملامحك. هذا حقي وليس حقهم. لهذا ربما أكتب رسالتي ولا أريدك أن تقرأها. كي أطمئن إلى كروية الأرض.. وإلى أننا سنلتقي.
سنلتقي. مدورة هذه الأرض تقول فيروز وسنلتقي. مدورة وكبيرة. أنظر إليها. هل تراها؟ زرقاء كبيرة كنا نظن أنها لا تنتهي لكبرها. لكنها مدورة. زرقاء حلوة كعين زرقاء تحمي من الحسد. مدورة ولكن كبيرة. ليس علينا أن نوغل في الابتعاد فيها. ليست كل الأرض لنا. لنا ناسنا فيها.. ها أنا صرت الآن أكتب شعراً. لا تخف. لن تصير رسالتي قصيدة. الشعر يخيفني. أحسه كاذباً ولا أجيد كتابة القصائد. فلن أكتب إلا هذه الرسالة. لا تقرأها. ستقرأها؟ حسناً. إقرأ إن أردت. هذه الرسالة لا تعنيني. إرمها أو إحتفظ بها لا فرق. الأرض مدورة وسنلتقي. عدني فقط أننا حين نلتقي لن تلاحظ أن شيئاً في ملامحي قد تغير. وأعدك أن وجهك سيكون كما رأيته دائماً، ودائماً كما أحببته.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : jihad bazzi, السفير, جهاد بزي | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الارض مدورة”

  1. الأرض مدورة.. لذا غالبا ما يجلس الناس جنبا إلى جانب ولا يرون بعضهم..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول