هنا لندن.. هناك بيروت
كتبهاجهاد بزي ، في 26 آذار 2008 الساعة: 12:39 م
السفير 2005 بعد زيارة استمرت 10 ايام الى لندن
في المغسلة حنفيتان منفصلتان. واحدة للماء القارس البرودة وأخرى للماء الحارق السخونة. لماذا لم يضع الإنكليز حنفية واحدة بسكرين كي يتخلط البارد بالساخن؟ كيف يغسل الواحد وجهه أمام هذه المعضلة؟ كيف يعيش الإنكليزي طول حياته مع مثل هذا النظام العجيب لغسل الوجوه؟ ربما يستخدم الماء القارس، لأنه لا يريد أن يحترق. لهذا السبب ذاع الصيت: الإنكليز شعب بارد.
***
هم ليسوا باردين تماما. هؤلاء شبانهم وشاباتهم يذهبون إلى النوادي الليلية. يتحدثون ويضحكون بصوت عال. يرتدون ثيابا لا تليق إلا بصيف شديد. نحن، اللبنانيين في لندن، باردون. متلحفون بما قدرنا من إرتدائه من ثياب. نكاد نسقط تحت ثقلها ونرتجف مع ذلك. ننظر إليهم.. إلى السياح بكاميراتهم وخرائطهم الصغيرة. إلى الليل الحي الذي يحيط بنا. لا هروب من المقارنة بين كل هذه الحياة هنا وبين بيروت.لا هروب.
***
لا هروب من المقارنة بين مدينتين لأن العينين تحفظان مدينة واحدة تقيسان الأماكن والمشاعر بها. هذه لندن. عراقتها. ساحاتها وحدائقها العامة ومتاحفها. ليلها الذي لا ينقضي ونهارها الذي لا يضجر. هذه لندن المعروفة بضبابها ورماديتها. مدينة من المفترض أنها محكومة بالكآبة ولا حياة فيها. لندن ليست كذلك. لندن العتيقة بشدة. كل المباني فيها تاريخية. المباني الحديثة نافرة في هذا العالم القديم الفخور بقدمه. ما رمت هذه المدينة شيئا من أشيائها. تحتفظ كعجوز بكل ما إقتنت يوما. تصر عليه وتعرضه أمام الآخرين بغرور. هذا المبنى عمره مئتا سنة. تلك الكنيسة عمرها ألف عام. الساعة. الجسر. المتحف. عن أي متحف نحكي؟ الناس هنا يعيشون في متحف. وأنت تمشي، يكاد كتفك يصطدم بكتف تمثال لكثرة تماثيل المدينة. لا كآبة في مدينة فخورة. بيروت هي الكئيبة. بيروت الفارغة شوارعها. بيروت المنتشية بتظاهراتها وإنفجاراتها. بيروت التي تفرغ ليلا من الناس. بيروت مدينة كئيبة ولو سطعت الشمس عليها عند منتصف الليل. بيروت التي بانت قشرتها رقيقة ما إن اهتز سلامها الملتبس. بيروت ليست لندن. لندن تعيش سلاما. بيروت لا تفعل. حرام أن نقارن مدينتين. لكن ما العمل؟
***
لا تقارن. خذ كفايتك من البلد الذي تنقطع إليه قبل عودتك إلى واقع مدينتك. لكن الجميع يحكي عن الحدث اللبناني. نحن اللبنانيين المشاركين في الدورة الصحافية. عن ماذا نحكي؟ أحمد النادل في المطعم اللبناني عن ماذا يحكي؟ أحمد ما عاد يرى أو يسمع. الشاب الذي دخل البلاد بعد معمعمة المرور من بلد أوروبي إلى آخر. هذا الذي يعيش في هذه المدينة البعيدة جدا عن الشياح حيث كان يقطن ذووه. هل تريدونه أن يناقش في الفرق بين العمال والمحافظين البريطانيين؟ هل تريدون موقفه من زواج تشارلز الجديد؟ إسمعوه إذا. غادر لبنان منذ سنوات. يقول إنه كان يحب حركة أمل أما الآن فهو شيعي فحسب. شيعي مع السيد حسن ومع الأستاذ نبيه. للإنكليزي أكثر من جواب حول معضلة الحنفيتين لكن لأحمد إجابة واحدة في السياسة: ضد المعارضة وشخصياتها المستجدة على شاشة تلفزيون المطعم. يخوض "مواليا" في السجالات التي تبدأ ولا تنتهي بين الرواد. لبنانيو لندن غارقون في أيام لبنانيي لبنان. يتفقون على الحريري ويختلفون على كل ما عداه. نسخة طبق الأصل عنا. توجيه السؤال إليك حول إنتمائك إلى الموالاة والمعارضة مضحك. نحن قفزنا فجأة فوق كل دهاليز تاريخنا وطوائفنا وعائلاتنا السياسية المتوارثة وإرتقينا ديموقراطيا إلى الأقصى: إنقسمنا موالاة ومعارضة. من الصعب أن يسأل أحمد عن حكاية غربته. لا تبدو عليه آثار الغربة. هو واحد منا. يمشي في إحدى تظاهراتنا المنقولة مباشرة على الهواء. هو من "الموالاة". لا داع للبحث عن آخر من المعارضة. المطعم المجاور يملكه لبناني من طائفة أخرى والأكيد أن موظفيه من طائفته. لا شك أن الموظفين هناك من "المعارضة".
***
تكاد تبكي هذه الشقراء الفارعة الطول. هي مرشحة عن حزب المحافظين وهي تحاضر في الصحافيين اللبنانيين حول برنامجها الإنتخابي كمرشحة إلى عضوية مجلس العموم. لا تلقي خطابا حماسيا بالطبع. تحاضر. تستخدم الكومبيوتر المحمول لتعرض منه على شاشة كبيرة نقاط محاضرتها. لا تخترع برنامجها بل تشترك مع حزبها في برنامج معركته: شرطة اكثر. مستشفيات أنظف. ضرائب منخفضة. نظام مدرسي أفضل. تنظيم الهجرة.
ماذا؟ أين لبنان من برنامج حزب المحافظين في بريطانيا العظمى؟ ألسنا شاغلي بال العالم هذه الأيام؟ كلا. نحن ننظر إلى مرشحة في عالم بعيد. مرشحة تخوض معركتها في مقاطعة محسوبة على العمال وتعلم ألا أمل لها بالفوز أبدا. تبدأ حياتها السياسية في معركة خاسرة كي تكتسب التجربة وتصنع لها إسما تخوض به معركتها اللاحقة بعد سنوات. سياسة غير مفهومة عندنا بالطبع. خمس نقاط واضحة ومرشح خاسر سلفا. لسنا كذلك. نحن نعود إلى النقطة الصفر مع كل إنتخابات نيابية. إلى قانون الإنتخاب. ونخوض معركة حياة أو موت في كل إنتخابات. المرشح في لبنان مهما صغر شأنه يعلق مصير الكوكب بمصيره. ولا يملك مشروعا. نتفرج على المرشحة الجميلة ونحسدها على ديموقراطيتها التي لا دخل لنا فيها. ثم تقرر الشقراء أن تصاب بتأثر بالغ وهي تحكي عن المشهد الرائع لما يحدث في لبنان حيث نلوح بالعلم ونثور من أجل الحرية والديموقراطية. تسقط في عيوننا. تبدو بلهاء بشدة وهي تحكي عما لا تعرف عنه شيئا. فليتطوع لبناني ما ليقول لها إنها بلهاء وإن الأمر أكثر تعقيدا مما رأته لدقيقة على تلفزيونها لوم تعره إنتباها. فليجرب أن يضع خارطة للاعبين السياسيين المحليين (أو أن يجعهلا تنطق الأسماء بلغتها) في لبنان قبل أن يخوض في الإقليميين. ليحاول أن يوضح لها الفروقات بين نائب "معارض" وآخر "موال" ثم يتطرق إلى اسباب هذه الفروقات. ليترجم لها بعض الخطابات في ساحة الحرية أو ساحة رياض الصلح. أو لا. فلينظر إليها ويبتسم ويوافقها الرأي في أن ما يحدث الآن في لبنان رائع.. ثم ليبكِ معها تأثرا.
البلهاء في السياسة اللبنانية غادرت، للمناسبة، في مارسيدس لا تقل شأنا عن مارسيدسات نوابنا. هناك نقاط مشتركة في النهاية.
***
هذه مدينة فخورة لا ترمي أيا من اشيائها. ملكتها وباصاتها التي بطابقين وغرف هواتفها وأزياء شرطتها. هذه مدينة توثق حتى حجرا على رصيف امر بنحته "دوق" في قرن غابر كي يكون مربطا لخيله. مدينة تعشق إختلافها وتبيعه تذكارات لسياحها. مدينة فاحشة الغلاء أيضا. حسنا.. لن ننسى. لندن تعيش في الجانب الآخر من المرآة. تشتهر بساعتها وبشايها وباصها وبأنها تعيش في المرآة. سائقو السيارات في لندن محظوظون. يسترخون في مقاعدهم لا يفعلون شيئا، تقع المهمة برمتها على الراكب في المقعد المجاور. هذا ما لم تفهم عالم المرآة الغريب. الشوارع معكوسة بدورها. لذا فهناك دائما تنبيه مكتوب على ارض الشارع المخصص لعبور المشاة. تنبيهات مكتوبة بالإنكليزية: أنظر يمينا أو أنظر يسارا. لكن دماغك لا يعود يميز بين يمين ويسار في هذه المعمعة. تقرأ: أنظر يمينا فتلتفت يسارا. تجد الطريق خاليا فتعبر لتطلق سيارة تاكسي آتية من حيث لم تلتفت بوقها. سيارة تاكسي حديثة في داخلها شاشة كومبيوتر تدل السائق على شوارع المدينة. سيارة تحافظ على الشكل العتيق التاريخي للتاكسي اللندنية. أنت في مدينة عجوز متصابية. وأنت تلتفت إلى الجهة الخطأ لتجد دائما سيارة تاكسي تعاقبك بصوت بوقها لأنك أخطأت. عليك إذا أن تقرأ التنبيه على الأرض، ثم تنظر إلى الجهتين،ثم تعبر متكلا على حظك. بيروت تأتي إليك من جديد. هكذا تعبر الشوارع في بيروت، ناظرا في الجهتين ومصليا من أجل سلامتك.. الآن أضيف إلى شوارع بيروت تنبيه داخلي آخر. اين العبوة يا ترى؟ في أي سيارة؟ في أي مستوعب للنفايات؟ إن كنت ممن يتوجسون شرا لا تتعب نفسك. لا تلتفت يمينا أو يسارا. لازم بيتك. بينما أنت في لندن، فكر قليلا. ألم يحدث هذا لك من قبل؟ اين فقدت التمييز آخر مرة بين اليمين واليسار؟ لنكن أوضح. أين فقدت آخر مرة التمييز بين الموالاة والمعارضة؟
***
مجلس العموم. يجلس اللبنانيون بين السياح في المقاعد المخصصة للمتفرجين في المجلس الأخضر. هناك نائب عجوز نائم.. وهناك آخر يمد رجليه أمامه. يضعهما إلى جدار طاولة عالية هائلة يجلس عليها واحد بشعر ابيض مستعار. خلف الرجل بالشعر المستعار يجلس رأس المكان الكبير. رجل ضائع في كرسي عملاق. هذا هو مجلس العموم البريطاني. هنا تقع الديموقراطية. لا مفر من المقارنة. كل شيء يذكرنا ببيروت. تكاد لا تلحظ فرقا ولو طفيفا بين هذا المكان ومثيله البيروتي الذي عدّل الدستور منذ مدة من أجل المصلحة العليا للبلاد.
***
هناك ساعة تباع كذكرى عن لندن التي تعيش في مرآتها: ساعة عقارب أرقامها مصفوفة بطريقة عسكية وعقاربها تدور بطريقة عكسية ايضا. عقارب ساعة تدور إلى الوراء. الإنكليز يظنون أن الساعة تمازح نظام السير في بلدهم. الإنكليز يجهلون أن ساعتهم هذه تصلح في مدينة اخرى، كل عقارب ساعاتها تدور إلى الوراء.. وبسرعة قياسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : jihad bazzi, السفير, جهاد بزي | السمات:jihad bazzi, السفير, جهاد بزي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























