دب الحلوى

كتبهاجهاد بزي ، في 6 آذار 2008 الساعة: 14:45 م

السفير في نيسان 2007.. في ذكرى الحرب اللبنانية

في الغرفة الضيقة تنبض قلوب عديدة. تمر صور في الرؤوس.  في رأس محني  نرى جسداً صغيراً. نرى يداً تمسد على شعر الطفل، ثم ظهر امرأة تنحني وترفع الطفل عن الأرض. نرى وجه الطفل يقترب ثم نشعر بطعم قبلة على خد طري. الحلق الآن جاف. الشفتان تركنان الى ذكرى الخد الطري عليهما.
 في رأس آخر، يستند الى جدار بللته الأنفاس المتلاطمة بين الحيطان الأربعة، نرى عجوزاً جثت على ركبتيها تلتقط ساقين خضراوين فوق جزمة سوداء. تمرغ وجهها بهما. نسمع صوت الأم العجوز. نسمع صوت الرجل بالساقين الخضراوين. نسمع ما يشبه الشتائم. هذه أصوات بطيئة. بعيدة ومتقطعة وثقيلة. لا نميزها. نسمع فقط ضرب القلب في الأذنين. نشم رائحة العرق الحارقة. تسوّد الدنيا وتختفي فجأة رائحة العرق. لحظة ونشعر بخشونة القماش على الجفنين والعينين. لا نتذكر ما الذي يحدث. نتذكر الخوف. الخوف الهائل جعل الكتفين خدرين. في الغرفة، يرى الرأس المستند الى الجدار أمه تولول.  يتحسس بذهنه خلايا عنقه حيث انهالت الصفعات. يتحسس الركلة على ظهره. يتخيل موته. يسمع ضرب قلبه في أذنيه. يجهل أن دموعه تسيل.
في الغرفة التي صارت من دون رائحة، نسمع أصوات الأنفاس العديدة. نسمع سعالاً. في الرؤوس نسمع تضرعات الى الله.  تضرعات أخيرة يائسة. تختلط بصور غير مترابطة. صور تتدفق من عقل فقد السيطرة. بعشوائية يعمل. يفقد معنى الزمن ومعنى الصورة. إن اصغينا، ففي الغرفة الصامتة ضجيج لا يطاق.
في أصغر رأسين في الغرفة، نرى ذهولاً عميقاً. يد تكمش  يداً. الأول في الخامسة عشرة والثاني في الرابعة عشرة. كادا يكونان توأمين. لكن الثاني، الصغير، هو من يعصر بكفه المضمومة أصابع شقيقه. لا يفكر. يبكي ويشد على أصابع أخيه. الأول يرى وجه أمه. يظل يراه. كلما سمع صوتاً في رأسه عصر أجفانه ونظر في وجه أمه. يحرق قلبه بكاء أخيه المكتوم. يشفق على أخيه وعلى أبيه وأمه وأخيه الطفل. يشفق على نفسه.
إنزلْ. فتح الأول باب سيارة الأجرة ونزل. لحقه الثاني. نهره الرجل في القناع. عد الى السيارة. الثاني لم يقبل. راح يبكي. يريد البقاء مع أخيه. بماذا فكر؟ لماذا لم يقبل بالرجوع والفرار؟ لكن الثاني يلحق الأول دائماً. وهما توأمان تقريباً. لا يعرف الواحد منهما حياته من دون الآخر. يذهبان الى المدرسة معاً.  يعودان معاً. ينزلان الى التسكع في الشارع معاً. يبدآن نهاراً واحداً ينهيان النهار. يقرران الذهاب الى السينما من دون اخبار امهما معاً. المقنع إختار الأول. ظن أن الثاني أصغر من ان يُخطف. الثاني لحق بأخيه، هكذا يفعل دائماً.
منذ متى هما في الغرفة؟ دخلا اليها معصوبا العيون.  مشت اياد برفق على رؤوسهم. سحبتهما الى الخلف حتى اصطدما بجدار. هناك وقفا. وما زالا.
صوت الباب. جلبة. أجساد كبيرة تضغط على جسديهما. تدفعهما بعنف الى الحائط. يصرخ الثاني. تضغط المادة الطرية على فخذ الاول فينتبه اليها. دب الحلوى الذي يعود به كل يوم الى أخيه ذي السنتين.
على أرض البيت يجلس ذاك الطفل. يلعب بالعابه. بين حين وآخر يلتفت الى الباب. ينتظره أن يفتح ويطل منه وجه بعينه، وجه الأول. حين يراه يقف بسرعة ويهرول صوبه. ينحني الأول ويرفع الجسد ويحضنه. الطفل يتطلع الى جيب البنطال. يشير بسبباته. يماطل الأول، فيردد الطفل: دب. دب. دب. يغرق الأول في الضحك. يسحب الدب ويعطيه له. يقبله الطفل على خده. بيديه يبدأ بتقشير كيس النايلون الشفاف. لا يعلم أنه صار جالساً على الأرض. قضمة بعد قضمة تذوب المادة الحلوة الطرية في فمه.
الأم ممددة على الكنبة. تفكر في ولديها وقد تأخرا هذا اليوم. تجهل اين ذهبا. تفكر في زوجها المسافر. توجه اليه كلاماً غاضباً.. ثم تغفو.
يجهلان كم مر من الوقت. لكن باب الغرفة إنفتح وإنسحق دب الحلوى في جيبة الأول. أغلق الباب. همس صوت للمرة الأولى. أخذوا أثنين، قال الصوت، ثم سكت. عادت بضجيج أعلى جلبة الصور والأصوات في الرؤوس. أفلت صوت الثاني بالبكاء. شد الأول على يده. لا تخف، لربما قال له. أولاد صغار. حرام. ثلاث كلمات قالها صوت مرتجف. تراءى للأول أنه سمع الأول صوت اطلاق نار بعيد. ربما سمع صوت اطلاق نار بعيد. لأن احداً لم يشهق. لأن الثاني لم يشد على اصابعه أكثر. إعتقد أنه يتخيل. رأى المقنعين يطلقون النار في رأسي الأثنين الممددين على الأرض. المقنعون، في رؤياه، يطلقون النار عليه وأخيه. مرة بعد مرة. يخترقهما الرصاص ويتوجعان ولا يموتان. عجز عن الإتيان بوجه أمه الى هذه العتمة. تقول له دائماً إنه الكبير. لم ير وجهها. بكى.
الباب. الرجلان اللذان سقطت الأيدي عليهما لتجرهما صارا يصرخان ويحاولان الاإفلات من القبضات. شتائم وأصوات صفعات وعويل. ضجت الغرفة برمتها بالصراخ والبكاء. يا الله. يا الله. يا أمي. الرؤوس المعصوبة كلها ناحت. أغلق الباب. وشيئاً فشيئاً ابتعدت الشتائم والأوامر بالتقدم وأصوات الصفعات. شيئاً فشيئاً خفت عويل الرجلين وتوسلاتهما الذليلة. الصراخ في الغرفة خفت بدوره حتى تلاشى. الرأس المستند الى الجدار ابتعد عنه قليلاً، ثم اقترب حتى صدمه بخفة، ثم ابتعد أكثر وعاد ليصدمه بقوة أكبر.. وراح الصوت يتكرر بانتظام ورتابة. يعلو مع كل ضربة جديدة. وكان الجدار، مع كل ضربة، يهتز خلف ظهري الأول والثاني. الأول فكر. ما دام اربعة قد خرجوا حتى الآن، لماذا ما زالت الاجساد تحشرهم. فكر: الفراغ يكبر امام الباب. شد يد أخيه ومال بجسمه الى الامام. شده الثاني الى الخلف. أيقظه من رغبة جامحة بالهروب الى الفراغ. الى أين؟ همس. دعنا ننتظر. إلى الآخر.
الباب. بسرعة فتح وأغلق. ضجة قليلة. بالكاد تسمع. لم يصرخ احد ولم يبك احد. الرؤوس التي نقصت إثنين لم تر صوراً وأصوات هذه المرة. كانت مشغولة تصنع آخر الذكريات. تمر على وجوه جميلة وعلى ابتسامات. تمر على من ماتوا وتعزي نفسها برؤيتهم. تمر على أحزان وإحباطات تغدو الآن تافهة. كانت الرؤوس مشغولة بحنين يخدرها. والرأس الذي ضرب الجدار، استمتع بدفء السائل الذي انساب على خده. الأول إستعاد وجه أمه. الثاني كان يحلم بقدرة ما تأتيهما الآن فيمران من خلال الجدار ثم يطيران الى البيت.
الباب.
الباب.
الباب. ارتطم شيء قاس بكتف الأول. أجفل كأنه يفيق من نوم عميق. بعدما اغلق الباب قال لأخيه: لم يعد هناك غيرنا. إنفجر الثاني بالبكاء. تعانقا..
الباب. افلتا من بعضهما. ظلت الأصابع تشد على الأصابع. بغتة بهر نور كثيف عيني الأول فأغمضهما. فتحهما. نظر الى الأرض. رأى أخاه الطفل يتقدم صوبه راكضاً. إنحنى ورفعه من ابطيه وضعه على ساعده. الطفل اشار الى الجيب بسببابته. ماطل الأول قليلاً. قال الطفل: دب. دب. دب.
ضحك الأول ملء قلبه. وأخرج الدب من جيبه ورفعه. لم يكن مسحوقاً كما ظن. كان دباً صغيراً أخضر مغطى بحبيبات السكر، وملفوفاً بكيس النايلون الشفاف. إنتشلت  الكفان الصغيرتان دب الحلوى. وقبل الطفل وجه الأول. وضع الأول  الطفلَ على الأرض، ثم خرج من الغرفة، واصابعه تشد على أصابع الثاني.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : jihad bazzi, السفير, جهاد بزي | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول