Yahoo!

ليس عبثاً يا خوسيه ساراماغو

كتبهاجهاد بزي ، في 23 حزيران 2010 الساعة: 12:07 م

السفير في 23 حزيران 2010

 

رسالة جديدة (أو مكررة لا فرق) إلى صديقي باتريك عازار

هذا موتٌ مختلف.
النعش المسجى في مكتبة، نصفه الأعلى مفتوح على مسنٍ أناقته تامة، يحضن يسراه بيمينه، موحياً بعجزه بعد الآن عن الكتابة. غير أنه، في الوقت نفسه، يضع فوق عينيه المغمضتين نظاراته الطبية.
هل يسخر خوسيه ساراماغو؟ يسخر من الموت حتى بعد مماته؟ سؤال يحيل إلى سؤال: أي ميت هذا الذي يحتاج إلى نظارات؟ ماذا سيفعل بها؟ لعله أراد أن يرى الموت لمرة، واضحاً. لعله، هو الملحد، قرر في اللحظة الأخيرة أن يجازف بأخذ نظاراته معه، ليرى الجنة أو جهنم أو العدم، لا فرق، باحثاً عن فكرة ما، بسيطة، لم تخطر على بال أحد من قبل، فيكتب رواية جديدة.
الكاتب في نعشه ليس مبتسماً، إلا إذا أردناه كذلك. إلا إذا أردنا أن نقرأ حواره الأخير مع الموت، بطريقته، متواصلاً، من دون سطر جديد لكل طرف، من دون مزدوجين، من دون قال وقلت. حوار كذاك الذي خاضه دون خوسيه في «كل الأسماء»، مع السقف، انقطع باستسلام الأخير أمام أسئلة خوسيه الكثيرة، واعترافه بأنه مجرد سقف.
أي حوار أجراه ساراماغو مع الموت، قبل الممات وبعده؟ لربما كان: ها أنت انتصرتَ يا موتي العزيز. نعم، انتصرتُ عليك يا خوسيه، لماذا إذاً ما زلت ترتدي نظاراتك؟ فلن تحتاج إليها حيث تذهب. بلى، سأفعل. سأكتبُ عن العدم. وهل ستحتاجُ إلى نظارات كي تكتب العدم يا عزيزي العجوز الميت؟ ربما أحتاجها. ما أدراك أنت أيها الموت؟ أنت لم تكن يوماً نهاية. أنت مجرد طريقة للعبور، ميزتك الوحيدة ألا طريقة أخرى غيرك. حسناً، سأتفقُ معكَ بأنني مجرد طريقة، لكنني أريد أن أعرف: كيف ستكتب رواية عن العدم؟ لا تخف يا عزيزي اللطيف، لن أعدم إيجاد فكرة، وحينها سأشرع بالكتابة، كعادتي. لا تنس، أيها الحرفيّ العتيق، انني أنا حرفيّ أيضاً. خذني أنت إلى العدم، وما عليك، سآتيك برواية عنه.
لا. ساراماغو لن يخوض هذا الحوار مع موته. كل واحد فينا كان وسيكون له حوار أخير، فريد وحميم يذهب إلى ذاك الدرك من القلب، حيث تستحيل مشاركته مع آخر غير الموت. أما هو، الموت، فلا كاتم للأسرار غيره.
خوسيه ساراماغو واحدٌ ممن لا يموتون، إذا ربطنا بقاءه، مجازاً، بما كَتب. لكنه مات. ولم يبقِ منه لهذا الكوكب الوحيد الكئيب إلا رماده وما كتب. غير أن مفارقة خوسيه الأخيرة، الأشد سخرية، أن رماده ما نُثر عبثاً، وكتاباته ما كانت لإثبات ألا سبب لوجودنا غير العبث.
المُلحد قرر أن لوجودنا، كما لانتفائنا، معنى. المبصرة الوحيدة في مدينة أعماها البياض، هذه التي لا نعرف لها اسماً على طول رواية «العمى» إلا صفتها كـ«زوجة الطبيب»، هذه، حين أخرج زوجها الأعمى مفاتيح بيته من جيبه، ومد يده في الفراغ منتظراً، قادته يدها بلطف باتجاه ثقب المفتاح في قفل الباب.
المرأة التي شاء راويها، دون كل البقية، ألا يصيبها بالعمى الأبيض، وضع على كتفيها وزر العالم الأعمى، وفوق ذلك، طهرّها من خصالنا. من الأنانية والغيرة والخوف والغضب. ورطها في ما لا قدرة لفرد عليه، ومع ذلك لم تخسر روحها. وقررت أن تعطي لضريرها فتح باب بيته، بتدخل لا يتخطى حدود لمس اليد. فكرت به، جعلته يرى الأمل الذي لم تفقده لحظة، مع أن فرادتها جعلت حالتها الأسوأ من كل العميان.
لم يكن العمى الأبيض المنتقل بالعدوى، ثم اختفاؤه هكذا بلا مبرر، ذروة خيال الطفل الذي كتب «العمى». زوجة الطبيب كانت الجموح في خيال ساراماغو. من نظنه متشائماً من وجودنا، لن يترك كل المدينة عمياء. سيبقي مبصرة واحدة. قد لا تكون عيناها هما اللتان تبصران، بل قلبها. سيبقي ذاك الأمل الرقيق حد الشفافية في فرد لم يلوّث وجود البشر ما في داخله. أمل لا نستطيعه إلا في أقصى يأسنا. يأخذ بيدنا لنضع مفتاحاً لا نراه، في باب لا نراه. أمل خالص. عن هذا نقب الكاتب. عن الأمل المدفون فينا.
لكنها، زوجة الطبيب، اضطرت إلى القتل. هذه مفارقة تشبه اللا ابتسامة على وجه خوسيه ساراماغو، في النعش المسجى في المكتبة، كتاباً مفتوحاً على صفحة وحيدة ميتة تضج بالأسئلة.
ساراماغو قادنا من يدنا إلى طرح الأسئلة. هكذا فعل بالموت. دفعه إلى السؤال: لماذا تضم يديك، موحياً بأنك لن تكتب بعد، بينما لا تتخلى عن نظاراتك؟ ألأنك كنت تريد أن تراني؟ أنت تعلمُ أنكَ لستَ بحاجة إليها كي أملأ عينيك.
ولربما أجابه الكاتب: أنظرْ إليك يا موت. متحمس للسؤال، أنت من يظن أنك تعلم كل الإجابات. ثمة ما لا تعرفه بعد إذاً. سأعطيك واحداً من احتمالات الإجابات: قد لا أكون بحاجة إلى يديّ كي أكتب. سأعطيك احتمالا آخر لتفكر فيه: وضعت نظاراتي لا كي أراك ولا كي أرى ما بعدك. أردت أن أرى ما قبلك. وقد رأيتُ يا موت. ولم يكن عبثاً ما رأيت.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

42 تعليق على “ليس عبثاً يا خوسيه ساراماغو”

  1. lkHfSL chFLhP

  2. EBPInIcB uOjEsuMw

  3. UFWpug qCetwaT

  4. ZkCIgrn lsndiz

  5. XQtpxkKc Cheap viagra

  6. BCxEsfcs Cheap viagra

  7. tGmZlD Viagra

  8. NDcocDc Buy Xanax

  9. mtxIHMc Buy Viagra

  10. CsEUxZH Tramadol

  11. yDPtzSMU Cheap Cialis

  12. dQrOpKf Cheap viagra

  13. ULtrhM Cialis

  14. QIyLTY Cialis

  15. RxGYcG Tramadol

  16. adfsdfsdafsdfxcvxcvscvsadfsdf

  17. I love this article , Very good collection of information,thanks.

  18. love this article , Very good collection of information,thanks.

  19. Notice that the Chinese know how to do a stimulus package, while no one in power seems to know how to do a stimulus package here in the US.

  20. cialis wirkungsdauer kaufen cialis 5 mg cialis neupreis rezeptfrei

  21. cialis 10 mg eur pillenpharm erfahrungen cialis bestellen cialis 10 mg preisvergleich

  22. حلوه كتير المقاله الجديدة تبع الوزير المر.
    لو بتكتب أكتر شوي يا جهاد
    بالتوفيق

  23. buy xenical viagra propecia com carisoprodol,buy viagra online pharmacy

  24. buying generic viagra,buy viagra online 35008 buy

  25. encrypted interact scoping shockwave hone dabek quill napster urges imprisonment italics

  26. viagra and diabetes,viagra canada price 345)()(

  27. Awesome coverage! Thanks!
    nice post

  28. Awesome coverage! Thanks!
    nice post

  29. Thanks for some quality points there. I am kind of new to online , so I printed this off to put in my file, any better way to go about keeping track of it then printing?

  30. I would like to say “wow” what a inspiring post. This is really great. Keep doing what you’re doing!!…

    Intriguing post. I have been searching for some good resources for solar panels and discovered your blog. Planning to bookmark this one!…

  31. Good! Thank you! I always wanted to write in my site something like that. Can I take part of your post to my blog?…

    Hello, this is my first time i visit here. I found so many interesting in your blog especially on how to determine the topic. keep up the good work….

  32. Hi…

    I saw this really good post today….

  33. I dont know what to say. This blog is fantastic. Thats not really a really huge statement, but its all I could come up with after reading this. You know so much about this subject.

  34. This is the kind of manual that needs to be given and not the random misinformation that’s at the other blogs.

  35. Appreciate your sharing this greatest doc.

  36. You made some respectable factors there. I appeared on the web for the problem and found most individuals will associate with with your website.

  37. What are some good blog about writing sites!

  38. Kaffee Salvatore…

    Eine neue Kaffee Seite…



اكتب تعليــقك