على شاطئ بحر لا شباك ترمى في مياهه

كتبهاجهاد بزي ، في 31 تشرين الأول 2009 الساعة: 17:55 م

السفير في 30-10-2009

في غرفة الاغتسال المكشوفة، يقف الرجل الطاعن في السن تحت خيط نحيل من المياه الحلوة النازلة من «الدوش». بجهد بالغ يتحرك تحت الخيط. يزيل عنه مياه البحر الميت.
مسن أوروبي أبيض بكّر في الخروج من البحر حيث يطفو في بقعة صغيرة منه عشرات الأوروبيين، معظمهم من المسنين. جلبته إلى هنا، في الغالب، «معجزات» البحر العلاجية التي تؤمنها مياهه ووحوله الحبلى بالمعادن والأملاح المفيدة. الآخرون ما زالوا عائمين على بحر الملح، في النقطة التي تنزل عن سطح البحار والمحيطات العادية 417 متراً. أي أنهم في أدنى مكان على سطح الكوكب.
لا سباحة حقيقية هنا. ففي البحر الذي أفقه ضفة أخرى تعلوها جبال فلسطين المحتلة، يظل الواحد عائماً، ليس لأن المياه الكثيفة ستمنعه من الغطس فيها فحسب، بل لأن هذه المياه، إذا ما دخلت العينين أو الأنف أو الفم بكميات لا تذكر، فستكون حارقة كالنار.
هكذا، يتمدد الناس على ظهورهم أو يجلسون على أرض البحر لتغمرهم المياه حتى أعناقهم، منتظرين هذه المياه لتؤدي دورها العلاجي. غير ذلك، لا شيء. هذا بحر لا شباك تُرمى في مياهه، لأن الأسماك لا تعيش فيه. ميّت كما اسمه. والبحر بلا سمكه وصياديه، بحر كئيب. وكما لا سمك، فلا أعشاب في البحر أيضاً. مع ذلك، فقد استخرج الصديق اللبناني من الوحول ما قرر مازحاً أنه نبتة، وكان فخوراً وهو يخبر المدرب الإعلامي الانكليزي عنها. ضحك هذا قائلا: انظر. لم يكن في هذا البحر غير هذه النبتة، وقد قتلتها للتو.
نحن هنا في ورشة تدريب إعلامية، بدعوة من مؤسسة الصوت الحر الهولندية، ومركز حماية وحرية الصحافيين الأردني. مجموعة من الزملاء اللبنانيين والأردنيين نزلنا في واحد من أربعة منتجعات متلاصقة، يبدو أن عالم البحر الميت يبدأ وينتهي عندها، وتسمى منطقة الفنادق، المنفتحة على ازدهار لاحق.
بعيداً عن البحر، تقع القرى الأردنية المتفرقة التي تعتاش من سهول مترامية تنتج ما يسميه الأردنيون السلة الزراعية.
البحر أرض بكر حطت عليه السياحة بعد توقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. مشهد جباله الجرداء شرقاً وغرباً ما زال يحيل إلى التاريخ العريق لهذه البلاد التي وطئتها أقدام أنبياء الأديان السماوية الثلاثة وقديسيها. أما المنتجعات فتحيل إلى مراكب فضائية ضخمة هبطت هنا واستقرت. «المعجزات» العلاجية للبحر معبأة في مستحضرات وفي دورات تدليك وعلاج بالوحول مرتفعة الثمن.
الأوروبيون العائمون، أصيبوا بالدهشة عندما رأوا اللبنانيين يخرجون الوحول من أرض البحر. بعد دقائق على هذا «الاكتشاف»، شكلوا حلقة كبيرة من الوجوه المبتسمة السابحة في مياه تعكر صفوها لكثرة ما سحبوا من وحولها. هذا غريب على حرصهم التقليدي، هم الذين يفضلون شراء الوحل نفسه في عبوّة تنتجها شركة متخصصة بإنتاج مواد البحر الميت.
الأوروبيون يمرحون على طريقتهم البطيئة. على عكسهم، كان الكوريون الجنوبيون. هؤلاء اجتاحوا الشاطئ بضجة موسيقى لغتهم يتحدثون بها بأصوات عالية، وبالهجوم الصاعق على الوحل يستخدمه الشبان منهم في رفع الشعر إلى أعلى كعرف الديك، والضحك والتصوير المتواصلين.
في هذا الخليط من الجنسيات، فإن القيمة المضافة الوحيدة على السياحة التي باتت خدماتها متشابهة حيثما حل السائح، هي تقديم بعض من سحر الشرق: الراقصة الشرقية. ليلاً، ترقص بين الطاولات وعلى أنغام مزعجة لأغان عربية حديثة، شابة ممتلئة يلتقط لها الأوروبيون الصور بالعشرات. وحين تفرض على واحد منهم أن يرقص، يهتز جسمه كمن يصعقه تيار كهربائي.
على طاولة أخرى، ينتفض إسرائيلي بدين خالعاً قميصه ويرقص منفعلاً ومتعرقاً. الإسرائيليون وجهاً لوجه، ألم في الرأس والأعصاب يجهل الواحد كيف يتعاطى معه. فمن جهة، عليه أن يكون حذراً تماماً لأي تحية عرضية قد يرميها عليهم بسبب عدم تمييزه لجنسيتهم. ومن جهة أخرى، فإن ثمة واجباً يفرضه العربي على نفسه بأن يستغل وجودهم ليمرر رسالته بصمت مطبق. بالتعبير بالنظرات عن عدم ترحيبه بهم وبدولتهم العنصرية الكريهة.
هكذا، عند التقاء العيون، كنا نحدق عابسين في وجوههم، ولأسبابنا الكثيرة التي قد لا تكون هي نفسها التي فكروا فيها، كانوا هم دائماً من يشيح بنظره أولاً.
كان هذا أضعف الإيمان في مكان أجمل ما فيه غروب شمسه خلف جبال الضفة الأخرى.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول