بينهم.. يلوح بالعلم الاحمر
كتبهاجهاد بزي ، في 31 تشرين الأول 2009 الساعة: 17:38 م
السفير في 21-10-2009
أرفع الهاتف وأصوّره. عيناه تلمعان. يلوّح بالـعلم بجدية لن يفهمها إلا من كان في الثالثة من العمر. يرتدي قميـصاً قطنيا أبيض عليه صورة تشي غيفارا. وفوقها، قميـص أحمر مفكوك الأزرار.
أصوره كي أسجّل في هاتفي المرة الأولى التي يلوح فيها بعلم في بيروت. أصوّره بجدية لا يفهمها إلا من كان أباً مثلي. طلب مني أن أؤمّن له علماً، ويجب عليّ التنفيذ من دون نقاش. سألت شابة جالسة إلى الرصيف أن تعيره علمها، وتجاوبت بفرح. وها هو يحمل علم «الحزب الشيوعي الأحمر»، وأفكر: هل هذا ما أريده له حين يكبر؟ أن يكون شيوعياً؟
اللبنانيون يأخذون أطفالهم إلى كل لقاءاتهم السياسية. يحملونهم إلى تجمعات مليونية، ويتلقطون بهم كي لا يضيعوا في بحر من البشر، على ما يحلو لهم أن يصفوا مشهدهم. يفرضون الشمس والمطر والازدحام الخانق المرهق على أطفال لا سبب آنياً لوجودهم إلا تحضيرهم للانتماء الذي ولد معهم، ومن المفترض أنهم سيعتنقونه بعد قليل من سنوات عمرهم.. وإلى الأبد.
بماذا أختلف عن اللبنانيين إذ أصر على إرساء تقليد خاص بأن نشارك، أنا وهو، في كل سنة، في التجمع أمام صيــدلية بسترس، في ذكرى انطلاق «جموّل»؟ أي رسالة أحاول تمريرها إلى ذهنه الطفل؟
لا أعرف. لا أريده شيوعياً لأنني لست شيوعياً أصلاً. غير أنني أخاف عليه من الاقتراب من الآخرين، كل الآخرين. لا أتخيله ملوّحاً بعلم حزب يشي بطائفة. لا أتخيله ضارباً الهواء بقبضته يعلن فداءه رجلاً بالدم. هو أغلى عندي، بما لا يقاس، من هؤلاء الرجال مجتمعين، أحياء وأمواتاً. لا أتخيله مستقوياً بكثرة، ولا حاقداً على آخر لأنه من غير لونه، ولا قارئاً في كتاب واحد، ولا مصغياً إلا لصوت واحد. أخاف عليه من الذوبان في الجموع.
هنا، وإن مشى وحده، فلن يضيع. هنا، لن يرتفع هتاف باسم منطقة تحيل إلى طائفة، ولا شتيمة موجهة إلى دين، ولن تغرقه طرق التعبير عن العنف المكبوت، ولن تصيبه لوثة العظمة. إذا تركته قليلاً وعدت إليه، لن أجده في ثياب الحرب واقفاً على متراسٍ أفكاره المتجهمة. سأجده على بعد متر واحد فحسب من منصة الخطباء، يلهو برايات لبنان الورقية الصغيرة. يلاعب الدركي. يندفع معانقاً سيدة، لم يرها من قبل، ما إن تمد ذراعها صوبه وتدفئ قلبه ابتسامتها الحلوة. يمرح.
هو هنا بين قلّة. فرد بين أفراد. يعرفون بعضهم بالاسـماء. يحتفلون بمناسباتهم، وقبلها، يحتفلون بلقائهم نفسه. يحتفلون بما جمعهم، اي ثقافتهم الخاصة. رؤيتهم إلى أنفسهم وإلى عالمهم. انحيازهم إلى أي قضية من مفهوم إنساني يظنه الواحد بسيطاً، لكنه ليس كذلك. يتخـذ كل امرئ منـهم مـوقفه مما يتــعرض له، من دون ان يستشير الايديولوجيا المعقدة بالضرورة. كأنما يميل فطرياً إلى نبذ آفاتنا البشرية البشعة من العنصرية إلى الظلم إلى آخره..
يلوّح بالعلم، ولا أعرف إلى متى سأظل قادراً على إرساء هذا التقليد. بعد قليل، يكبر ويرفض أن آخذه من يده إلى حيث أريد. هل سيأتي اليوم الذي سيتذاكى فيه علي ويقول لي إن هؤلاء سائرون في الطريق التي مشتها قبلهم الديناصورات المنقرضة؟ أظنني أعرف بماذا سأجيبه، من الآن: ليسوا ديناصورات. هم يجـيدون الإفلات من قبضات عديدة. قبضة القبيلة وقبضة الرجل وقبـضة الفهم الغبي للدين والسياسة والمجتـمع والفنون والثـقافة والاحلام الكبيرة. يجيدون الإفلات من قبضة الكثرة الساحقة. ليسوا ديناصورات. هم أنواع نادرة من الطيور، قد تظل قليلة العدد دوماًً، لكنها لا تنقرض.
أصوره كي أسجّل في هاتفي المرة الأولى التي يلوح فيها بعلم في بيروت. أصوّره بجدية لا يفهمها إلا من كان أباً مثلي. طلب مني أن أؤمّن له علماً، ويجب عليّ التنفيذ من دون نقاش. سألت شابة جالسة إلى الرصيف أن تعيره علمها، وتجاوبت بفرح. وها هو يحمل علم «الحزب الشيوعي الأحمر»، وأفكر: هل هذا ما أريده له حين يكبر؟ أن يكون شيوعياً؟
اللبنانيون يأخذون أطفالهم إلى كل لقاءاتهم السياسية. يحملونهم إلى تجمعات مليونية، ويتلقطون بهم كي لا يضيعوا في بحر من البشر، على ما يحلو لهم أن يصفوا مشهدهم. يفرضون الشمس والمطر والازدحام الخانق المرهق على أطفال لا سبب آنياً لوجودهم إلا تحضيرهم للانتماء الذي ولد معهم، ومن المفترض أنهم سيعتنقونه بعد قليل من سنوات عمرهم.. وإلى الأبد.
بماذا أختلف عن اللبنانيين إذ أصر على إرساء تقليد خاص بأن نشارك، أنا وهو، في كل سنة، في التجمع أمام صيــدلية بسترس، في ذكرى انطلاق «جموّل»؟ أي رسالة أحاول تمريرها إلى ذهنه الطفل؟
لا أعرف. لا أريده شيوعياً لأنني لست شيوعياً أصلاً. غير أنني أخاف عليه من الاقتراب من الآخرين، كل الآخرين. لا أتخيله ملوّحاً بعلم حزب يشي بطائفة. لا أتخيله ضارباً الهواء بقبضته يعلن فداءه رجلاً بالدم. هو أغلى عندي، بما لا يقاس، من هؤلاء الرجال مجتمعين، أحياء وأمواتاً. لا أتخيله مستقوياً بكثرة، ولا حاقداً على آخر لأنه من غير لونه، ولا قارئاً في كتاب واحد، ولا مصغياً إلا لصوت واحد. أخاف عليه من الذوبان في الجموع.
هنا، وإن مشى وحده، فلن يضيع. هنا، لن يرتفع هتاف باسم منطقة تحيل إلى طائفة، ولا شتيمة موجهة إلى دين، ولن تغرقه طرق التعبير عن العنف المكبوت، ولن تصيبه لوثة العظمة. إذا تركته قليلاً وعدت إليه، لن أجده في ثياب الحرب واقفاً على متراسٍ أفكاره المتجهمة. سأجده على بعد متر واحد فحسب من منصة الخطباء، يلهو برايات لبنان الورقية الصغيرة. يلاعب الدركي. يندفع معانقاً سيدة، لم يرها من قبل، ما إن تمد ذراعها صوبه وتدفئ قلبه ابتسامتها الحلوة. يمرح.
هو هنا بين قلّة. فرد بين أفراد. يعرفون بعضهم بالاسـماء. يحتفلون بمناسباتهم، وقبلها، يحتفلون بلقائهم نفسه. يحتفلون بما جمعهم، اي ثقافتهم الخاصة. رؤيتهم إلى أنفسهم وإلى عالمهم. انحيازهم إلى أي قضية من مفهوم إنساني يظنه الواحد بسيطاً، لكنه ليس كذلك. يتخـذ كل امرئ منـهم مـوقفه مما يتــعرض له، من دون ان يستشير الايديولوجيا المعقدة بالضرورة. كأنما يميل فطرياً إلى نبذ آفاتنا البشرية البشعة من العنصرية إلى الظلم إلى آخره..
يلوّح بالعلم، ولا أعرف إلى متى سأظل قادراً على إرساء هذا التقليد. بعد قليل، يكبر ويرفض أن آخذه من يده إلى حيث أريد. هل سيأتي اليوم الذي سيتذاكى فيه علي ويقول لي إن هؤلاء سائرون في الطريق التي مشتها قبلهم الديناصورات المنقرضة؟ أظنني أعرف بماذا سأجيبه، من الآن: ليسوا ديناصورات. هم يجـيدون الإفلات من قبضات عديدة. قبضة القبيلة وقبضة الرجل وقبـضة الفهم الغبي للدين والسياسة والمجتـمع والفنون والثـقافة والاحلام الكبيرة. يجيدون الإفلات من قبضة الكثرة الساحقة. ليسوا ديناصورات. هم أنواع نادرة من الطيور، قد تظل قليلة العدد دوماًً، لكنها لا تنقرض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























