شاهدان

كتبهاجهاد بزي ، في 28 أيلول 2009 الساعة: 12:58 م

السفير في 23 أيلول 2009

 

تصطف العصافير على واحد من الأسلاك الأربعة المتوازية بين عمودي الكهرباء. لا مفرّ من التشبيه: كأنّها نوتات موسيقية. نوتات بأجنحة ورؤوس تستقبل السماء. أزرق الفجر في السهل لا تداني رقته زرقة. شجرة الحور لا تزقزق. من عادتها أن تكون عرساً للعصافير. تطير إليها وتغيب فيها فتزقزق الشجرة. هي الآن صامتة. الصوت يأتي من بعيد. صوت جماعي يؤذن لصباح العيد. تُفتح البوابة الحديد للبيت ويطلان. وجهها الأبيض يضيء في استدارة الحجاب، وهو يبتسم، حليق الذقن، يرتدي بزّة رسمية. ليسا مستعجلين. يذهب ليحضّر سيارته لمشوار الصباح، وتتمشى في حديقتها الصغيرة. تنظر إلى عريشة العنب، والتينة وشجرتي المشمش والخرما. هذه لم تنضج حباتها بعد. ما زالت خضراء. إلى شتلات الورد. تختار أكثرها انتعاشاً وحمرة. تشمّها وتقطف منها. تمددها على ذراعها. أفضل الوردات.
الأذان يلحق بالسيارة تشق السهل، وعلى طرفيها سلسلتا الجبال. ستمطر. غرب السماء ينبئ بالمطر بعد وقت. الأذان. من دونه لا يمر على الواحد عيد. من دونه لا يمر إلى القلب فرح بالعيد. يطفو فوق السهل الناعس تدور المرشّات تغسل مزروعاته.
يصدح الأذان أقوى ولا يزعج. يركن السيارة إلى الرصيف الملاصق للجامع. يفتح لها الباب بعناية رفيق الأربعين سنة. يعبران الطريق ويتركها ليمشي إلى الدكان. عند باب المقبرة تشتري أوراق الريحان. كيفما التفتت ألقت تحية العيد. بضع خطوات في الداخل وتقف. تتلو ما يتلوه زوّار الراحلين إذ يدخلون عليهم، وتخطو على الدرب التي وإن أغمضت عينيها، تصل إلى حيث تريد.
يكون لحقها، حاملاً كيساً فيه حلوى. الناس بين الشجر الطويل كالنحل حول ورود نثروها على الأضرحة. أولاد العرب يمدّون أكياساً مفتوحة للزائرين. يموجون كأسراب السمك. يرددون: الله يرحمه. الله يرحمه. يعطيها صينية الحلوى. تشيل منها وتضع في الأكياس.
يقف خلفها ويفتح كفيه أمام وجهه. تتمتم شفتاه. براحتها تمسح شاهدي الضريح، وأطرافه التي تصنع مستطيلاً يحيط بالتراب الأحمر. تمدد ورداتها على التراب وردة وردة. تتلو الفاتحة. كم مرة تلت الفاتحة من أجل النائم هنا؟
على الشاهد رقما عامين: 1974- 1982. كم عاش؟ عمره، كل عمره، ثماني سنوات. كان يلهو في البيت في بيروت، عندما اصطدمت بالجدار البعيد رصاصة ابتهاج مرّت من النافذة ومن قلبه. على الجدار في بيروت له صورة بالأبيض والأسود. قبة قميصه عالية. شعره فاتح وعيناه مذهولتان. لا تنظران في العدسة. ما الذي يذهله في الصورة الشمسية؟ لا ندري. نادراً ما يُحكى عنه، ليس لأنه منسيٌّ، بل لأن حضوره الصامت قاسٍ على قلبها. كادت تفقد بصرها لكثرة ما بكت عليه. ربما حكت بعدها كيف سمعت صوت الرصاصة وما الذي رأته حين ركضت إلى الغرفة. ربما حكت مراراً، ثم طوت قلبها على ما رأت. والصمت صار مقدساً، وربما خدشت المقدس هذه الحروف إذ تتجرأ على السؤال.
ماذا يبقى للقلب حين يرتفع الاسم على شاهد الضريح؟ يبقى وجه أبيض يدوّره طرف الحجاب، ترنو إليه وجوه صغيرة تركض إلى الجدة حين تراها. تركض إلى دفء عناق لن تلتقط سره أبداً. تبقى قبلٌ على الخدود الصغيرة الطرية. يبقى أثر قبلتين على شاهدي النائم طفلاً. يبقى حامل القبة الزرقاء، صانع الأحلام والأعياد. ينظر في قلوب الناس.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول