دجاج

كتبهاجهاد بزي ، في 11 آذار 2009 الساعة: 13:20 م

السفير في 11 آذار

إلى المنبر يصعد في جو عابق بالتاريخ. يرى بحراً من البياض البرّاق أمامه. يسمع ما يشبه الضجيج ولا يميز الأصوات. ينظر في رايات تلّوح في الهواء. تسري رعشة العظمة في جسده. من أسفل ساقيه يصعد الارتعاش إلى ريشاته، فتنتفش واحدة بعد أخرى. وينفتح ذيله كمروحة صينية. ينتفخ صدره، ويتضاعف حجم عنقه فيرفعه فخوراً ما استطاع إلى أعلى. تلمع عيناه ويعلو عرفه. ينحني قليلا إلى الأمام، ويملأ رئتيه بالهواء. يرفع جناحه  ويصرخ: يااا جماهير الدجاج تحية.

تنفجر الجماهير. يصمت ويتلفت. هذه لحظة إنتظار ضرورية، فالجماهير سترد التحية، والمناقير المتطلعة إليه ستهتف الآن بجنون: الديك.. الديك.. الديك..

وستهتف: "بالريش بالبيض نفيدك يا زعيم".

 وسيطول انتظاره دقيقة طويلة، فيرفع جناحه  ويلوح به نزولاً بينما ترتسم ابتسامة شكر  على منقاره، طالبا من الجماهير البيضاء أن تهدأ، ويفرح  لرؤية ريشات كثيرة تسبح في الهواء بعدما  أفلتت من أجساد منفعلة لدجاجات وديوك مراهقة، تسري في عروقها حماسة الشباب فتقفز وتقفز.

وكأي ديك عظيم، سيظل صبوراً إلى أن يُخجَل تواضعه، فيضطر إلى بدء الخطاب.

يبدأ بمقدمة هادئة يجول فيها على التاريخ وعلى القيم والمبادئ، ثم، وحين يقترب الكلام من بيت القصيد، ترتفع نبرته، ويتحول خطابه صياحاً: هذا الوطن لكل دجاجه، لا فرق بين دجاجة منا ودجاجة منهم. ولكن يجب على ديكهم وجماهيره الاعتراف بأن هذا الوطن من حقكم كما هو من حقهم، ومن حق الجميع أن يعبر عن رأيه. جميعنا نتفنا الريش في سبيل الوطن. بيضات لا تعد ولا تحصى كسرت وشربت الارض الطيبة سائلها الغالي، فأزهرت  حلوى وحرية وكرامة. جميعنا ضحى من أجل الوطن، فلا تزايد دجاجة منا على دجاجة ولا ديك على ديك. هو وطن الجميع، لكن السؤال: في أي وطن نريد أن نعيش؟ تلك هي المسألة، وهي للأسف مسألة حياة أو موت.

هم يقدمون مصالح البط حتى على مصالح دجاجهم. وما أدراكم ما البط. هم ينقادون إلى تنفيذ غايات البط من دون أن يعيروا أدنى انتباه لوطنهم. هم مرهونون للبط، أما نحن، فمرهونون للأرض التي تطعمنا وتشربنا وتأوينا. عليها يمشي صيصان اليوم، دجاج الغد. ولصيصاننا، فلذات أكبادنا الشهية، علينا أن نؤمن غداً افضل لا يشبه ماضينا ولا حاضرنا. من اجل صيصاننا علينا أن نواجههم ونقول لهم: إما ان تعودوا إلى صوابكم فتتخلون عن مشاريعكم البطيّة، وإما سنواجهكم وبالديموقراطية، ولا شيء غير الديموقراطية، لنقول لكم: الحق معنا، ونحن أكثر منكم. واليوم يا ايها الدجاج، اثبتم أنكم أكثر منهم عدداً. وغداً ستثبت الايام ذلك.

ايها الدجاج.. يا دجاجي..

 علمنا التاريخ أن هذا البلد لم يقم يوماً باستقواء طرف على آخر. علمنا تاريخنا انه كلما استقوت جماعة على جماعة، اشتعلت حروب لا تبقي ولا تذر، راح فيها ديوك  ودجاجات وصيصان صغيرة بريئة. وعلمنا التاريخ أن اللجوء الى الآخرين، كل الآخرين، لا يجدي. لا البط ولا الاوز ولا النعام ولا حتى الحمام والنسور ولا أي طائر آخر في هذا العالم، مهما بلغ جبروته، يمكنه ان يحقق غاياته على هذه الارض. لا احد. فقط ارادة الدجاج هي التي تتحقق ولو بعد حين. وأنا من هذا المكان، اقول لديك المعسكر الثاني: إقرأ التاريخ يا ديك. إقرأ التاريخ.

 

يا دجاجي،

في هذا اليوم الرائع الذي يقع على بعد رمية الحجر من بداية فصل الربيع، اقف بينكم وأنتم من انتم لاسألكم: أي غد لصيصانكم تريدون؟ الجواب عندكم. وبأجنحتكم ومناقيركم تقررون غد صيصانكم. اليوم الكبير يقترب. وزحفا عليكم ان تزحفوا في اليوم الكبير لوضع البيض في الكرتونات. إملأوا الكرتونات بالبيض، واعرفوا أن أي بيضة تُكسر او تُخرق او يشطب منها هي بيضة فاسدة. على البيض أن يكون طازجاً وكاملاً وخالياً من أي شوائب. وليكن يوماً لإظهار مدى حضاريتنا ومدى فهمنا للديموقراطية. وليكن يوماً للفوز العظيم.

دجاجي،

لليوم الكبير، أكرر عليكم، كلكم، ديكة ودجاجات، كلمة واحدة: بيضوا. بيضوا. بيضوا. بيضوا.

أما أنتم يا صيصان اليوم يا دجاج الغد، أما أنتم يا صيصاني، فأعدكم بوطن تعددي تبيضون فيه ديموقراطية وحرية وسلاماً.

دجاجي..

في الختام، يبنغي علي أن اذكرهم وأذكركم: الدجاجة لا تطير إلا بجناحيها. ولن تطير الدجاجة، صدقوني لن تطير الدجاجة يوماً، إلا إذا رفرف جناحاها معاً في سماء بلاد الدجاج. وصدقوني.. سيطير الدجاج. سيطير الدجاج. سيطيكي.. كي كي كي كي..

أمامه، كانت بعض المناقير تضرب في الارض بحثاً عن طعام بعدما انهكها اليوم الاحتفالي الطويل وبعض المناقير الاخرى حملت صيصانها وغادرت مزهوة.

أما معظم الدجاج المشارك فكان يقف على ساق واحدة، ويهب هبة دجاجة واحدة. يهتف بمنقار واحد: بق بق باقيق. بق بق باقيق. 

 

 

 

ملاحظة: أعلاه حدث  في مزرعة للدجاج لا مكان لها ولا زمان، لإنها مزرعة من صنع  خيال مجرد عن أي قصد، وهو ليس خيالاً جديداً (أنظر كليلة ودمنة لإبن المقفع ومزرعة الحيوان لجورج اورويل) ومن المحال ان يتحقق في الواقع. أما من يظن أن أعلاه يرمز الى واقع آخر معاش، فلا يُؤخذ بظنه وإن كان لا يُؤاخذ على ظنه.

   

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لا تبالغ | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول