مخيم البارد: هنا يعيش المتروكون في غبار ماضيهم وحاضرهم وغدهم
كتبهاجهاد بزي ، في 28 كانون الثاني 2009 الساعة: 11:58 ص
السفير في 27 كانون الثاني 2009
قال رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة السبت الفائت: »كما نود أن نذكّر أن إخوتنا الفلسطينيين اللاجئين هم ضيوف في لبنان، وسنعمل بكل ما أوتينا من قوة لكي يعودوا إلى أرضهم ومنازلهم، وبانتظار ذلك يجب أن نحسن وفادتهم وضيافتهم ونتفهم ظروفهم ومشكلاتهم الإنسانية«.
***
تضرب الشابة المحجبة على الدف، والأطفال يركضون حول الكراسي المرصوفة في دائرة. »ستوب«، تصرخ وتوقف الضرب. يرمي كل واحد منهم بجسده الصغير المكسو بمريول وردي على الكرسي الأقرب. من يفقد مقعده، يخرج من اللعبة. يحل محله واحد آخر، تستمر اللعبة إلى ان يمر الدور على جميعهم، وأكبرهم في الثالثة. تنتشر ضحكاتهم في الفضاء الصغير للفسحة ذات الأمتار الخمسة المربعة، يقاسم الأطفال في جزء كبير منها مولد كهرباء. اليوم مشمس، ولهؤلاء حقهم في اللعب تحت الضوء. تزهو الألوان في فسحة جمعية النجدة الاجتماعية. إن وقف الواحد على الشرفة فوق الفسحة، لمس باليد غبطتهم وألوانهم. وإن رفع عينيه فوق الجدار الذي يفصلهم عن الخارج، رأى مخيم نهر البارد الذي سمي بعد الحرب هنا بالمخيم القديم. خراب على خراب. خلفه البحر.
***
تنبش الشوكة الحديدية العملاقة في الأرض العالية. تشيل الركام وترميه في الشاحنة. المخيم القديم يجرف ببطء يوحي بأن حجر الأساس الذي وُعد الناس بأنه سيوضع مع بداية العام ،٢٠٠٩ لن يجد له مكاناً في قريب عاجل، إلا إذا وضع كنصب تذكاري.
عند الشريط الشائك الذي يفصل »القديم« عن »الجديد«، ترتفع واجهة عالية من بقايا الأبنية المهشمة. الصورة التي تحيل إلى أي حرب عنيفة مرت ببلد آمن. لم يعد لأهل المخيم ما يفعلونه في القديم. دخل الناس في أيام سابقة إلى بيوتهم على دفعات لتفقدها وخرجوا بلا شيء يذكر منها. الآن ينتظرون تحقيق الوعود، ويتنشق العائدون منهم غباراً كثيفاً لستين عاماً من الحياة التي بدأت بكيلومتر مربع واحد فوق »تلة الكستينا« نصبت عليها الخيام في العام ،١٩٤٩ على أمل العودة القريبة حينها. ولما لم يعودوا عاشوا وبنوا وأنجبوا. وكلما زلزلت الأرض زلزالها تحت لبنان ومخيماته، كان مخيم نهر البارد ينجو، لأنه بعيد عن نقاط الصراع، ولأن أهله حافظوا على ما يشبه الريف الفلسطيني. العائلات وأواصر القربى المحمولة من القرى المحتلة حافظت على حالها، وكلمة الرجال الكبار أمضى من كلمة مسؤولي المنظمات. والمخيم انخرط في نشاط تجاري يحكى عنه هنا الآن كعز غابر، وهو كذلك. كان يمكن للعروس اللبنانية، قبل الفلسطينية، الآتية من المحيط الجار، أن تتسوق جهازها كاملاً من »البابوج إلى الطربوش« من المخيم وتفرش بيتها كله، فإن احتاجت إلى قشة تجدها هنا، وبأسعار لا تنافس. لم يبق إلا الغبار الآتي من المخيم القديم، يختلط بغبار الطرق التي صارت كلها ترابية منبوشة في الجزء الجديد حيث ترتفع ورش ترميم البيوت على حساب أصحابها تدعمهم منظمات أوروبية ببعض تكاليفها. هؤلاء يستطيعون الترميم، أولاً لأنهم خارج المنطقة المحظورة منذ أكثر من سنة وسبعة أشهر، وثانياً لأن إمكاناتهم المادية تسمح. غير أنهم أقلية. سكان القديم هم الأكثرية التي تشتتت بمعنى حرفي محبط للكلمة. يعيشون في »كراجات« مستأجرة من »الأونروا« في مخيم البداوي أو في البارد الجديد نفسه، أو في أبنية، أو في المجمعات الثلاثة المسماة »براكسات« وعنها حديث يطول.
عند الشريط الشائك الذي يفصل »القديم« عن »الجديد«، ترتفع واجهة عالية من بقايا الأبنية المهشمة. الصورة التي تحيل إلى أي حرب عنيفة مرت ببلد آمن. لم يعد لأهل المخيم ما يفعلونه في القديم. دخل الناس في أيام سابقة إلى بيوتهم على دفعات لتفقدها وخرجوا بلا شيء يذكر منها. الآن ينتظرون تحقيق الوعود، ويتنشق العائدون منهم غباراً كثيفاً لستين عاماً من الحياة التي بدأت بكيلومتر مربع واحد فوق »تلة الكستينا« نصبت عليها الخيام في العام ،١٩٤٩ على أمل العودة القريبة حينها. ولما لم يعودوا عاشوا وبنوا وأنجبوا. وكلما زلزلت الأرض زلزالها تحت لبنان ومخيماته، كان مخيم نهر البارد ينجو، لأنه بعيد عن نقاط الصراع، ولأن أهله حافظوا على ما يشبه الريف الفلسطيني. العائلات وأواصر القربى المحمولة من القرى المحتلة حافظت على حالها، وكلمة الرجال الكبار أمضى من كلمة مسؤولي المنظمات. والمخيم انخرط في نشاط تجاري يحكى عنه هنا الآن كعز غابر، وهو كذلك. كان يمكن للعروس اللبنانية، قبل الفلسطينية، الآتية من المحيط الجار، أن تتسوق جهازها كاملاً من »البابوج إلى الطربوش« من المخيم وتفرش بيتها كله، فإن احتاجت إلى قشة تجدها هنا، وبأسعار لا تنافس. لم يبق إلا الغبار الآتي من المخيم القديم، يختلط بغبار الطرق التي صارت كلها ترابية منبوشة في الجزء الجديد حيث ترتفع ورش ترميم البيوت على حساب أصحابها تدعمهم منظمات أوروبية ببعض تكاليفها. هؤلاء يستطيعون الترميم، أولاً لأنهم خارج المنطقة المحظورة منذ أكثر من سنة وسبعة أشهر، وثانياً لأن إمكاناتهم المادية تسمح. غير أنهم أقلية. سكان القديم هم الأكثرية التي تشتتت بمعنى حرفي محبط للكلمة. يعيشون في »كراجات« مستأجرة من »الأونروا« في مخيم البداوي أو في البارد الجديد نفسه، أو في أبنية، أو في المجمعات الثلاثة المسماة »براكسات« وعنها حديث يطول.
***
في محل صغير، يجلس رجلان تحت لافتة لمنظمة التحرير الفلسطينية. تأتي النسوة فرادى يحملن بطاقات صفراء عليها أرقام تؤرخ الأيام. يأخذن بيضاً وعلب جبن مبستر. هكذا يفعل الأولاد أيضاً. كل يومين تأخذ العائلات مثل هذه الحصص الغذائية التي تكبر أو تصغر بحسب عدد أفراد الأسرة.
في مكان آخر، ينزل رجل أكياس الخبز العربي التي تقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة. بيض وجبن من مكان، وخبز من مكان آخر بعيد.
لهذه الحاجيات قيمتها هنا. في التردي الثقيل لحال الفلسطينيين بعد الحرب، لكل شيء قيمته وإن كانت أقل بكثير مما يفترض، من المئتين وخمسين ليرة ثمن فنجان القهوة في مقهى مصنوع من دعامات الخشب والقصب، إلى الألف ليرة لأغلى سندويش في مطعم مجاور. لمثل هذه الأرقام قيمتها في مجتمع متروك تماماً لقدره، ولمؤسسة الأونروا التي من الواضح أنها عاجزة عن التصدي لهذه الكارثة الاجتماعية الهائلة، ولجمعيات ومؤسسات فلسطينية بقدرات محدودة.
حياة تهشمت تماماً، وتردى حال الجميع. رب البيت، عموده، يحمل الهموم مضاعفة. حيث يوزع الخبز، يجلس بضعة رجال يحتسون الشاي. أحدهم لبناني يعيش في المخيم منذ عقود. كان يملك محل حدادة سيارات، يدرّ عليه في الشهر خمسمئة دولار. هذا المبلغ كان كافياً ليعيل عائلة من ستة أولاد وأطفال كلهم في المدارس. اليوم؟ يفرد راحتي يديه: لدي ترخيص للدخول إلى »القديم«. ألمّ حديداً.
يقصد البقايا الصالحة للبيع من أحشاء البيوت. يعمل بأجرة يومية بعشرين ألف ليرة في النهار بضعة أيام في الأسبوع. إضافة إلى الأفواه الستة التي عليه إطعامها، يدفع خمسة وسبعين ألفاً في الشهر بدل نقل الأولاد إلى مدارسهم، وخمسين ألفاً لمدرّسة فلسطينية تعطيهم دروساً خصوصية.
»المصلحة« راحت بالطبع ولم يعوض أحد عليه. هو غير قادر على إعادة فتح محله، وإن فتحه، فلن يجد الزبائن. لا يرى أقاربه نتيجة التراخيص المفروضة التي تقنن إلى الأدنى عدد الداخلين إلى المخيم من غير أهله، فكيف سيصل زبائنه اللبنانيون إليه؟
جاره الفلسطيني أبو رامي فتح دكان سمانة صغيراً، وهو واحد من الدكاكين المنتشرة بالعشرات أقنعةً غير فعالة لإخفاء البطالة المستشرية. »الحمد لله«، يقول. »كان لدي محل لبيع الأحذية مساحته عشرة أمتار. الحمد لله، كان مليئاً بالبضاعة ولم يبق منه شيء. كان المصنع الذي يجلب البضاعة من بيروت يخصص يوماً لتوزيعها على الجوار كله، ويوماً آخر لي. لم يعوض علينا أحد. ولم يسأل فينا أحد، لا محمود عباس ولا خالد مشعل ولا أحد«.
ماذا الآن؟ عادت الناس إلى بطاقة الإعاشة، بعد ستين سنة على النكبة. أبو رامي يقول: »العائلات التي كانت فوق صارت بحاجة إلى ربطة خبز. يا أخي نحن لا نريد خبزاً ولا كرت إعاشة. الغوا التراخيص وافتحوا المخيم للبنانيين ولا نريد شيئاً آخر. نحن نعرف كيف نقوم من جديد. لكن ليلغوا التراخيص«.
الرجال الجالسون يصرّون على مسألة التراخيص هذه. صارت أقصى الطموحات. هم، على الأقل، يأوون تحت أسقف بيوتهم التي بعضها لم يرمم كما يجب، لضيق الحال، ولأن المبالغ التي تلقوها من المؤسسة »النروجية« لم تكن كافية. غيرهم أمنيته مختلفة وشديدة الكآبة. الرجل الذي تطوع لمرافقتنا في المخيم، أجاب بسرعة عن السؤال حول صعوبة حياة الفلسطيني، كمن كان يفكر أصلاً بهذا. »كثير« قال، وأضاف أن لحظات تمر عليه يتمنى فيها لو كان يحمل جواز سفر ليس عليه أي حرف بالعربية.
أبو رامي، من جهته، يحمد الله كثيراً حين يحكي عن الدمار اللاحق بحياته، ربما لأنه لا يحمد على مكروه سواه.
في مكان آخر، ينزل رجل أكياس الخبز العربي التي تقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة. بيض وجبن من مكان، وخبز من مكان آخر بعيد.
لهذه الحاجيات قيمتها هنا. في التردي الثقيل لحال الفلسطينيين بعد الحرب، لكل شيء قيمته وإن كانت أقل بكثير مما يفترض، من المئتين وخمسين ليرة ثمن فنجان القهوة في مقهى مصنوع من دعامات الخشب والقصب، إلى الألف ليرة لأغلى سندويش في مطعم مجاور. لمثل هذه الأرقام قيمتها في مجتمع متروك تماماً لقدره، ولمؤسسة الأونروا التي من الواضح أنها عاجزة عن التصدي لهذه الكارثة الاجتماعية الهائلة، ولجمعيات ومؤسسات فلسطينية بقدرات محدودة.
حياة تهشمت تماماً، وتردى حال الجميع. رب البيت، عموده، يحمل الهموم مضاعفة. حيث يوزع الخبز، يجلس بضعة رجال يحتسون الشاي. أحدهم لبناني يعيش في المخيم منذ عقود. كان يملك محل حدادة سيارات، يدرّ عليه في الشهر خمسمئة دولار. هذا المبلغ كان كافياً ليعيل عائلة من ستة أولاد وأطفال كلهم في المدارس. اليوم؟ يفرد راحتي يديه: لدي ترخيص للدخول إلى »القديم«. ألمّ حديداً.
يقصد البقايا الصالحة للبيع من أحشاء البيوت. يعمل بأجرة يومية بعشرين ألف ليرة في النهار بضعة أيام في الأسبوع. إضافة إلى الأفواه الستة التي عليه إطعامها، يدفع خمسة وسبعين ألفاً في الشهر بدل نقل الأولاد إلى مدارسهم، وخمسين ألفاً لمدرّسة فلسطينية تعطيهم دروساً خصوصية.
»المصلحة« راحت بالطبع ولم يعوض أحد عليه. هو غير قادر على إعادة فتح محله، وإن فتحه، فلن يجد الزبائن. لا يرى أقاربه نتيجة التراخيص المفروضة التي تقنن إلى الأدنى عدد الداخلين إلى المخيم من غير أهله، فكيف سيصل زبائنه اللبنانيون إليه؟
جاره الفلسطيني أبو رامي فتح دكان سمانة صغيراً، وهو واحد من الدكاكين المنتشرة بالعشرات أقنعةً غير فعالة لإخفاء البطالة المستشرية. »الحمد لله«، يقول. »كان لدي محل لبيع الأحذية مساحته عشرة أمتار. الحمد لله، كان مليئاً بالبضاعة ولم يبق منه شيء. كان المصنع الذي يجلب البضاعة من بيروت يخصص يوماً لتوزيعها على الجوار كله، ويوماً آخر لي. لم يعوض علينا أحد. ولم يسأل فينا أحد، لا محمود عباس ولا خالد مشعل ولا أحد«.
ماذا الآن؟ عادت الناس إلى بطاقة الإعاشة، بعد ستين سنة على النكبة. أبو رامي يقول: »العائلات التي كانت فوق صارت بحاجة إلى ربطة خبز. يا أخي نحن لا نريد خبزاً ولا كرت إعاشة. الغوا التراخيص وافتحوا المخيم للبنانيين ولا نريد شيئاً آخر. نحن نعرف كيف نقوم من جديد. لكن ليلغوا التراخيص«.
الرجال الجالسون يصرّون على مسألة التراخيص هذه. صارت أقصى الطموحات. هم، على الأقل، يأوون تحت أسقف بيوتهم التي بعضها لم يرمم كما يجب، لضيق الحال، ولأن المبالغ التي تلقوها من المؤسسة »النروجية« لم تكن كافية. غيرهم أمنيته مختلفة وشديدة الكآبة. الرجل الذي تطوع لمرافقتنا في المخيم، أجاب بسرعة عن السؤال حول صعوبة حياة الفلسطيني، كمن كان يفكر أصلاً بهذا. »كثير« قال، وأضاف أن لحظات تمر عليه يتمنى فيها لو كان يحمل جواز سفر ليس عليه أي حرف بالعربية.
أبو رامي، من جهته، يحمد الله كثيراً حين يحكي عن الدمار اللاحق بحياته، ربما لأنه لا يحمد على مكروه سواه.
***
لماذا يُسكت عن كل هذا المكروه اللاحق بالناس منذ أكثر من ١٩ شهراً؟ الجواب يحيل إلى سؤال: ما الذي يستطيعون فعله؟
ظلوا مئة وثلاثين يوماً لاجئين في ظروف حياة لا تحتمل. بعدها طال انتظارهم أربعين يوماً حتى سمح لهم بالدخول وتفقد البيوت والمحال وعبر تراخيص. صدموا بما لا يصدق من دمار. إلى اليوم، عاد عشرة آلاف من أصل ثلاثين ألفاً. العائدون وجدوا بقية من بيوت في المخيم الجديد، رمموها بالخشب والنايلون وراحوا يبحثون عن عمل. المحظوظ هو من وجد بيته كما كان. الاقل حظاً سكن في مبان استأجرتها الاونروا. المنكوبون انتقلوا إلى المجمعات السكنية. والوقت هنا هش ومطاط يشبه السلحفاة. وهم ضائعون. لا مرجعية سياسية فلسطينية تحميهم، والحكومة التي أعلنت الحرب على الإرهاب أجلتهم عن مخيمهم كأنها تسترد منهم غرضاً أعارتهم إياه لحين. عادوا بشق النفس وراحوا يبحثون عن أقل المتطلبات. كُسرت نفوس فلسطينيي نهر البارد في آخر جولة من كسر نفوس الفلسطينيين المستدام مذ خرجت »الثورة« إلى تونس ونستهم. و»هيبة« الدولة اللبنانية حين عادت في مطلع التسعينيات قررت أن تغض النظر عنهم بصفتهم بشراً. صاروا غير مرئيين، إلا كبؤر إرهابية، صار البارد فجأة أكبرها.
وحدهم في مخيم البارد. يدفعون فواتير كثيرة لا علاقة لهم بها. كما لو أنها تجرد بعضاً من حساب طويل تحكي نوال حسن منسقة جمعية النجدة عن الحال الآن. يفيض اختناقها كلاماً. دعونا لا نقاطعها: »لدينا مشاكل ربنا في المخيم. الأطفال صاروا أكثر عنفاً، نتيجة العنف الأسري. مشاكلهم النفسية ازدادت بما لا يقاس عما قبل الحرب والتهجير. تكدسوا ستين تلميذا في كل صف من الغرف الحديدية، في نظام من ثلاثة دوامات حيث الدوام الواحد يصل إلى ثلاث ساعات كحد أقصى. الآن عدنا إلى نظام الدوامين وهو ليس جيدا بدوره. حالات الحمى والتيفوئيد بينهم لا تحصى. في نهار واحد من نهارات الصيف عالج الهلال الأحمر الفلسطيني عشرين حالة إغماء. التسرب المدرسي ارتفع. المراهقون يظلون في الشوارع حتى الصباح وقد ازداد عدد المدخنين بينهم. نحيل كثيراً من النسوة اللواتي يأتين إلى الجمعية إلى معالجين نفسيين لمساعدتهن على تخطي المشاكل الناشئة عن أسر تتفكك. الناس لا يشعرون بأي أمان، وقد فقدوا الاستقرار. وحتى الآن لم ينفذ شيء من كل الوعود التي أطلقت. المخيم مسيج بأسلاك شائكة كأنما نحن في ثكنة. منعنا من الدخول إلى المخيم القديم بحجة وجود متفجرات، ثم قرروا هدمه مع أن أحياء بكاملها كانت صالحة للترميم. ولو تركنا لأعدناه كما كان، والطفل هنا كان مستعداً لحمل الحجارة. يعدوننا بمخيم نموذجي. ما قصدهم؟ أنا سأخبرك ما هو المخيم النموذجي: هو الذي كان شبابنا مشغولاً بأعماله فيه. هو الذي كان فيه سوق تجاري. هو البيوت الواسعة النظيفة المرتبة التي كنا نعيش فيها، لا تنقصها إبرة. هم يظنون أننا كنا نعيش في علب لا تدخلها الشمس. لا يعرفون أننا بنينا أحلى البيوت ووضعنا فيها أحلى أثاث. ما هو النموذجي برأيهم: ثكنة برية وأخرى بحرية وبراكسات؟
الناس تتوجس من تهجير جديد، ولا ثقة لها لا بحكومة لبنانية ولا بلجنة حوار فلسطيني لبناني، ولا بمرجعية. جهد ستين سنة ضاع، وحجر الأساس مؤجل من الأول من كانون الثاني إلى الثاني والعشرين منه والآن إلى الخامس عشر من شباط، ويا خوف قلبي أن ننتظر بداية الإعمار في الثلاثين من شباط«.
نوال من الناشطين الاجتماعيين الذين يمكنهم عملهم من الإطلال على المشهد العام، وهي لا تملك ترف الفرجة من بعيد. حالها كحال الناس. وضعت في بيتها كل عمرها وقد سقط. الآن تتذكر منه خزانة زجاجية فيها تراثيات: أغراض محفوظة لفلسطينيين حملوها من هناك وأولادهم، بعد وفاتهم، أعطوها لنوال لخوفهم من أن تضيع عندهم. تعدد نوال بعض ما كان في الخزانة: تراب من القدس. صابون من نابلس. زيت من صفد. ثم تتذكر: كان لدينا تسجيلات فيديو لمئة وأربعين مسناً يحكون عن فلسطين، ومعظمهم توفي الآن. ١٢ شريطاً مدة الواحد منها ثلاث ساعات صارت رماداً. هذا تاريخ يؤلم فقدانه.
يتألم الواحد لفقدان تاريخ أجداده. يتألم أيضاً لفقدان تاريخه الشخصي. ويتألم لفقدان حاضره وغده.
ظلوا مئة وثلاثين يوماً لاجئين في ظروف حياة لا تحتمل. بعدها طال انتظارهم أربعين يوماً حتى سمح لهم بالدخول وتفقد البيوت والمحال وعبر تراخيص. صدموا بما لا يصدق من دمار. إلى اليوم، عاد عشرة آلاف من أصل ثلاثين ألفاً. العائدون وجدوا بقية من بيوت في المخيم الجديد، رمموها بالخشب والنايلون وراحوا يبحثون عن عمل. المحظوظ هو من وجد بيته كما كان. الاقل حظاً سكن في مبان استأجرتها الاونروا. المنكوبون انتقلوا إلى المجمعات السكنية. والوقت هنا هش ومطاط يشبه السلحفاة. وهم ضائعون. لا مرجعية سياسية فلسطينية تحميهم، والحكومة التي أعلنت الحرب على الإرهاب أجلتهم عن مخيمهم كأنها تسترد منهم غرضاً أعارتهم إياه لحين. عادوا بشق النفس وراحوا يبحثون عن أقل المتطلبات. كُسرت نفوس فلسطينيي نهر البارد في آخر جولة من كسر نفوس الفلسطينيين المستدام مذ خرجت »الثورة« إلى تونس ونستهم. و»هيبة« الدولة اللبنانية حين عادت في مطلع التسعينيات قررت أن تغض النظر عنهم بصفتهم بشراً. صاروا غير مرئيين، إلا كبؤر إرهابية، صار البارد فجأة أكبرها.
وحدهم في مخيم البارد. يدفعون فواتير كثيرة لا علاقة لهم بها. كما لو أنها تجرد بعضاً من حساب طويل تحكي نوال حسن منسقة جمعية النجدة عن الحال الآن. يفيض اختناقها كلاماً. دعونا لا نقاطعها: »لدينا مشاكل ربنا في المخيم. الأطفال صاروا أكثر عنفاً، نتيجة العنف الأسري. مشاكلهم النفسية ازدادت بما لا يقاس عما قبل الحرب والتهجير. تكدسوا ستين تلميذا في كل صف من الغرف الحديدية، في نظام من ثلاثة دوامات حيث الدوام الواحد يصل إلى ثلاث ساعات كحد أقصى. الآن عدنا إلى نظام الدوامين وهو ليس جيدا بدوره. حالات الحمى والتيفوئيد بينهم لا تحصى. في نهار واحد من نهارات الصيف عالج الهلال الأحمر الفلسطيني عشرين حالة إغماء. التسرب المدرسي ارتفع. المراهقون يظلون في الشوارع حتى الصباح وقد ازداد عدد المدخنين بينهم. نحيل كثيراً من النسوة اللواتي يأتين إلى الجمعية إلى معالجين نفسيين لمساعدتهن على تخطي المشاكل الناشئة عن أسر تتفكك. الناس لا يشعرون بأي أمان، وقد فقدوا الاستقرار. وحتى الآن لم ينفذ شيء من كل الوعود التي أطلقت. المخيم مسيج بأسلاك شائكة كأنما نحن في ثكنة. منعنا من الدخول إلى المخيم القديم بحجة وجود متفجرات، ثم قرروا هدمه مع أن أحياء بكاملها كانت صالحة للترميم. ولو تركنا لأعدناه كما كان، والطفل هنا كان مستعداً لحمل الحجارة. يعدوننا بمخيم نموذجي. ما قصدهم؟ أنا سأخبرك ما هو المخيم النموذجي: هو الذي كان شبابنا مشغولاً بأعماله فيه. هو الذي كان فيه سوق تجاري. هو البيوت الواسعة النظيفة المرتبة التي كنا نعيش فيها، لا تنقصها إبرة. هم يظنون أننا كنا نعيش في علب لا تدخلها الشمس. لا يعرفون أننا بنينا أحلى البيوت ووضعنا فيها أحلى أثاث. ما هو النموذجي برأيهم: ثكنة برية وأخرى بحرية وبراكسات؟
الناس تتوجس من تهجير جديد، ولا ثقة لها لا بحكومة لبنانية ولا بلجنة حوار فلسطيني لبناني، ولا بمرجعية. جهد ستين سنة ضاع، وحجر الأساس مؤجل من الأول من كانون الثاني إلى الثاني والعشرين منه والآن إلى الخامس عشر من شباط، ويا خوف قلبي أن ننتظر بداية الإعمار في الثلاثين من شباط«.
نوال من الناشطين الاجتماعيين الذين يمكنهم عملهم من الإطلال على المشهد العام، وهي لا تملك ترف الفرجة من بعيد. حالها كحال الناس. وضعت في بيتها كل عمرها وقد سقط. الآن تتذكر منه خزانة زجاجية فيها تراثيات: أغراض محفوظة لفلسطينيين حملوها من هناك وأولادهم، بعد وفاتهم، أعطوها لنوال لخوفهم من أن تضيع عندهم. تعدد نوال بعض ما كان في الخزانة: تراب من القدس. صابون من نابلس. زيت من صفد. ثم تتذكر: كان لدينا تسجيلات فيديو لمئة وأربعين مسناً يحكون عن فلسطين، ومعظمهم توفي الآن. ١٢ شريطاً مدة الواحد منها ثلاث ساعات صارت رماداً. هذا تاريخ يؤلم فقدانه.
يتألم الواحد لفقدان تاريخ أجداده. يتألم أيضاً لفقدان تاريخه الشخصي. ويتألم لفقدان حاضره وغده.
***
»إحنا منحيّكوا بالبراكسات«.
العبارة التي تطلقها السيدة المارة بقربنا، بينما نلتقط الصور، تثير ضحك مارين آخرين. في مثل هذا الوقت قبل سنة، كانت المجمعات السكنية تنتظر الدفعات الأولى من العائدين من المدارس في البداوي. كانت جديدة ومنظمة ومصفوفة في وجه بعضها، تشبه أي معسكر على سطح الأرض. إلام استحال مشهدها بعد عام؟ نبدأ بالمجمعين المبنيين من حجارة، قبل أن ننتقل إلى الثالث، الحديدي الذي يرتفع في طابقين.
فقدت هذه المعسكرات شكلها الهندسي الدال عليها، وصارت أحياء. الممرات بين الصفين المتقابلين من الغرف معتمة نهاراً، في اليوم المشمس. الأرض موحلة، وحين تمطر، يقول الرجل، عليك أن ترفع ساق بنطالك شبرين كي تغوص في المياه وتصل إلى غرفتك. الممرات نفسها هي ملاعب الأطفال، وحبال الغسيل، ودكاكين لا تتسع إلا لرجل واحد اقتطع نصف متر من الأمتار الستة لغرفته، ليضع فيها بضع حاجيات بسيطة. العائلة من »خمسة أنفار« لها غرفة واحدة. العائلة المحظوظة من ستة أنفار فما فوق لها غرفتان. والفلسطينيون يتحايلون على السماء كي يستمروا.
أبو رشيد. اثنتان وأربعون سنة. فقد ذراعه في انفجار لغم من مخلفات الحرب الأهلية في جبل لبنان بشاحنة كان يعمل سائقا عليها في العام .١٩٩٤ لم ينل أي تعويض. تدبر نفسه بعد شفائه من إصاباته بأن فتح دكاناً في المخيم القديم. مشت حياته منذ ذاك الوقت حتى مجيء الحرب. خسر الدكان وخسر سيارته وخسر بيته بالطبع. له غرفتان في المجمع، أضاف إليهما متراً بناه في الفراغ خلفهما، هو نفسه المتر الذي جعله دكانا في الممر. »البيت« المعتم مفروش بالإسفنج على أطرافه كما كل بيوت المجمعات. إلى طرفه ترتفع تلة الفرش المطوية نهاراً لتُمد ليلا للنوم عليها. تدبر أمر المياه التي تتسرب من السقف بأن كساه بالنايلون، لكنه يشير إلى التصدعات التي بدأت ترتسم على الجدران. يشير إلى أغراض البيت: الغسالة من مؤسسة نهر الأردن. مدفئة على الغاز من الأونروا. مدفئة كهرباء لم تعمل في أي بيت لأن تغذية الكهرباء (٢ أمبير) لا تكفي. باب الحمام الجرار والمغسلة من مؤسسة أجنبية. البراد كان ملكاً لصديق في المخيم القديم، قال لأبو رشيد بعدما أخرجه: معطل، لكن من الممكن إصلاحه. وهكذا كان. التلفزيون أعطاه إياه صديق لبناني.. »هل أكمل؟« يسأل وينتقل إلى التتمة:
»على المئتين وخمسين ليرة من هنا، وقنينة بيبسي من هناك، وعلبة سجائر«، يحكي عن دكانه. وإذا وصل دين أحدهم إلى عشرة آلاف ليرة يظل شهراً حتى يتوافر معه المبلغ ويسدد الدين. أولاده ستة أكبرهم في السابعة عشرة. يتعلمون جميعاً. واجب يفرضه الأب على نفسه لكن إلى سقف أعلى لا يستطيع اختراقه. الجامعة مستحيلة في هذه الظروف. التعليم المهني هو المشتهى.
جارته تصر على تصوير غرفتها. مساحات واسعة من سقف الغرفة الحديدي مبقورة تتدلى منها قطع الإسفنج. تضع دلواً حيث يدلف السقف. تقول، والعبارة تتكرر على ألسنة الجميع، إن الصراصير تعشش في الاسقف، وتسقط على الرؤوس من فوق.
ترفع طفلتها لتظهر عينيها الحمراوين بسبب العفونة في الغرفة. تشرح كم الطفلة مريضة. وكلما أخذتها إلى المستوصفات، تعطى لها الحبة نفسها، ضد الرشح. لا تنتبه إلى أنها نفسها بحاجة إلى ظروف صحية أفضل، وبطنها قد انتفخ بجنين قارب موعد مجيئه إلى براكس.
العبارة التي تطلقها السيدة المارة بقربنا، بينما نلتقط الصور، تثير ضحك مارين آخرين. في مثل هذا الوقت قبل سنة، كانت المجمعات السكنية تنتظر الدفعات الأولى من العائدين من المدارس في البداوي. كانت جديدة ومنظمة ومصفوفة في وجه بعضها، تشبه أي معسكر على سطح الأرض. إلام استحال مشهدها بعد عام؟ نبدأ بالمجمعين المبنيين من حجارة، قبل أن ننتقل إلى الثالث، الحديدي الذي يرتفع في طابقين.
فقدت هذه المعسكرات شكلها الهندسي الدال عليها، وصارت أحياء. الممرات بين الصفين المتقابلين من الغرف معتمة نهاراً، في اليوم المشمس. الأرض موحلة، وحين تمطر، يقول الرجل، عليك أن ترفع ساق بنطالك شبرين كي تغوص في المياه وتصل إلى غرفتك. الممرات نفسها هي ملاعب الأطفال، وحبال الغسيل، ودكاكين لا تتسع إلا لرجل واحد اقتطع نصف متر من الأمتار الستة لغرفته، ليضع فيها بضع حاجيات بسيطة. العائلة من »خمسة أنفار« لها غرفة واحدة. العائلة المحظوظة من ستة أنفار فما فوق لها غرفتان. والفلسطينيون يتحايلون على السماء كي يستمروا.
أبو رشيد. اثنتان وأربعون سنة. فقد ذراعه في انفجار لغم من مخلفات الحرب الأهلية في جبل لبنان بشاحنة كان يعمل سائقا عليها في العام .١٩٩٤ لم ينل أي تعويض. تدبر نفسه بعد شفائه من إصاباته بأن فتح دكاناً في المخيم القديم. مشت حياته منذ ذاك الوقت حتى مجيء الحرب. خسر الدكان وخسر سيارته وخسر بيته بالطبع. له غرفتان في المجمع، أضاف إليهما متراً بناه في الفراغ خلفهما، هو نفسه المتر الذي جعله دكانا في الممر. »البيت« المعتم مفروش بالإسفنج على أطرافه كما كل بيوت المجمعات. إلى طرفه ترتفع تلة الفرش المطوية نهاراً لتُمد ليلا للنوم عليها. تدبر أمر المياه التي تتسرب من السقف بأن كساه بالنايلون، لكنه يشير إلى التصدعات التي بدأت ترتسم على الجدران. يشير إلى أغراض البيت: الغسالة من مؤسسة نهر الأردن. مدفئة على الغاز من الأونروا. مدفئة كهرباء لم تعمل في أي بيت لأن تغذية الكهرباء (٢ أمبير) لا تكفي. باب الحمام الجرار والمغسلة من مؤسسة أجنبية. البراد كان ملكاً لصديق في المخيم القديم، قال لأبو رشيد بعدما أخرجه: معطل، لكن من الممكن إصلاحه. وهكذا كان. التلفزيون أعطاه إياه صديق لبناني.. »هل أكمل؟« يسأل وينتقل إلى التتمة:
»على المئتين وخمسين ليرة من هنا، وقنينة بيبسي من هناك، وعلبة سجائر«، يحكي عن دكانه. وإذا وصل دين أحدهم إلى عشرة آلاف ليرة يظل شهراً حتى يتوافر معه المبلغ ويسدد الدين. أولاده ستة أكبرهم في السابعة عشرة. يتعلمون جميعاً. واجب يفرضه الأب على نفسه لكن إلى سقف أعلى لا يستطيع اختراقه. الجامعة مستحيلة في هذه الظروف. التعليم المهني هو المشتهى.
جارته تصر على تصوير غرفتها. مساحات واسعة من سقف الغرفة الحديدي مبقورة تتدلى منها قطع الإسفنج. تضع دلواً حيث يدلف السقف. تقول، والعبارة تتكرر على ألسنة الجميع، إن الصراصير تعشش في الاسقف، وتسقط على الرؤوس من فوق.
ترفع طفلتها لتظهر عينيها الحمراوين بسبب العفونة في الغرفة. تشرح كم الطفلة مريضة. وكلما أخذتها إلى المستوصفات، تعطى لها الحبة نفسها، ضد الرشح. لا تنتبه إلى أنها نفسها بحاجة إلى ظروف صحية أفضل، وبطنها قد انتفخ بجنين قارب موعد مجيئه إلى براكس.
***
في المجمع الحجري الثاني، ينفتح صف الغرف على أرض ترابية مستوية. ثمة خيمات خشبية تنتصب بعضها اكتمل والآخر ما زال يبنى. الرجل يضع لافتة صغيرة مكتوبة بخط اليد تعلن عن بيع قطع الفروج على أنواعها. جارته امرأة مسنة. نصبت خيمة مثل هذه بسقف من البلاستيك المقوى، صنعت فيها يدوياً فرناً من التبن المشوي، يعود تاريخ اختراعه إلى قرون غابرة. تخبز فيه على الحطب. السقف الذي لا يحتمل الحرارة تدلى في كرة كبيرة مليئة بمياه الأمطار. ساعدتها مؤسسة تعنى بشؤون المرأة بفرن لم تستلمه بعد بانتظار أن تبني مكان الخيمة غرفة حجرية. امرأة أخرى رفعت لافتة: »مشغل ابتهاج للخياطة«. »الحمد لله ماشي الحال«، تقول صاحبة المشغل. المهم أني أعيّش بناتي. كان عندي دكان خياطة بالمخيم بطلعة صفوري راح مني. واشتريت بيتا والبيت راح مني. والمصاري إلي قبضناهم لما كنا بالمدرسة، الف دولار ومليونان سديتهون حق البيت. زوجي مريض وبدنا نمشي على قد حالنا. إلنا تسع تشهر هانا بالبراكس نعاني من الاسفنج بالسقف ومنضل عايشين بالخوف لأنه ما فيه عمود يلقى الغرفة. الحمد لله عم آخد دوا من الخوف (للأعصاب). عايشين من قلة الموت«.
السيدة التي حكت حافظت على الابتسامة الودودة غير المفهومة، وعلى نبرة الصوت نفسها، بينما ينتقل سياق كلامها بلا قصد منها، من إيحاء بالقبول بما آلت إليه الأمور، إلى الخاتمة التي مرت قبل سطرين.
السيدة التي حكت حافظت على الابتسامة الودودة غير المفهومة، وعلى نبرة الصوت نفسها، بينما ينتقل سياق كلامها بلا قصد منها، من إيحاء بالقبول بما آلت إليه الأمور، إلى الخاتمة التي مرت قبل سطرين.
***
إلى الحديد.
الجسم الأبيض تمدد بدوره وتغيرت معالمه. الغرف هنا مطابقة في شكلها لمستوعبات الشحن الحديدية. ستة امتار بثلاثة. في الواحد منها مطبخ بطول متر ونصف، ونصف متر مربع للحمام المزود بمسخن مياه على الكهرباء، لا يعمل. وهناك مدفئتان بنوعي طاقة موجودتان كجزء من الديكور، لأن الغاز سائل ثمين، ولأن الكهرباء، التي تأتي من الخامسة عصرا حتى الثانية عشرة ليلاً، بالكاد تضيء مصباحاً وتلفزيوناً.
برد هذه الايام ينخر العظام نخراً. جدران الحديد تخزن البرد شتاء، وتخزن اللهيب صيفاً. الشتاء مقدور عليه بطبقات من الاغطية. في الصيف، كان الناس ينتظرون خارجاً إلى ما بعد انتصاف الليل حتى يبرد المستوعب كي يدخلوا ويناموا.
لا يقتصر انعدام الخصوصية على الداخل فقط. الخارج كله موجود في كل الغرف. ضجة عشرات الاولاد في الممرات او ركضهم على الطابق الثاني. الاطفال الذين تتسرب إلى أول كلماتهم الشتائم. نشاطهم المفرط وتوعكهم الصحي الدائم. صوت الجيران المسموع عندك والعكس الصحيح. النقاش العالي بين رجلين. ضيق الحيز المطبق على النفس. الجلوس على الأرض في ما يشبه غرف السجون، لأن الخارج لا يغري كثيراً، ولأن الفسحات القليلة يشغلها شبان ضجرون ليس لديهم ما يفعلونه. الحشرات الزاحفة التي تعشش في الاسقف وتقتحم عنوة غرفاً يخلع سكانها أحذيتهم عند الباب للحفاظ على نظافة أرضها. البراكسات حديث يطول، كما جاء سابقاً. لكن الليل نزل، ومعه نزل برد شديد. عند الناس كلام كثير. والمخيم ممنوع عن الاعلام، أو منسي منه لا فرق. وما لم تر الشيء، فكأنما ليس موجوداً. الرجل الحانق يقول: احكوا عن العيشة بالبراكسات. ليه ما بتحكوا؟ يقصد الإعلام. فلتحك أنت، نقول له، فيجيب: »العيشة زفت. اطلع اقعد فيها جرّب شي ساعة زمن. الناس صار الها تسع شهور. اولادي التنين مرضى هني وامهم. إذا كنّك زلمي اقدر نام. بدك خمس حرامات. إنت يمكن قاعد بشقة وعم تشوف برد. شحار الناس قاعدة بحديد؟ شحار الناس قاعدة بحديد؟«.
الجسم الأبيض تمدد بدوره وتغيرت معالمه. الغرف هنا مطابقة في شكلها لمستوعبات الشحن الحديدية. ستة امتار بثلاثة. في الواحد منها مطبخ بطول متر ونصف، ونصف متر مربع للحمام المزود بمسخن مياه على الكهرباء، لا يعمل. وهناك مدفئتان بنوعي طاقة موجودتان كجزء من الديكور، لأن الغاز سائل ثمين، ولأن الكهرباء، التي تأتي من الخامسة عصرا حتى الثانية عشرة ليلاً، بالكاد تضيء مصباحاً وتلفزيوناً.
برد هذه الايام ينخر العظام نخراً. جدران الحديد تخزن البرد شتاء، وتخزن اللهيب صيفاً. الشتاء مقدور عليه بطبقات من الاغطية. في الصيف، كان الناس ينتظرون خارجاً إلى ما بعد انتصاف الليل حتى يبرد المستوعب كي يدخلوا ويناموا.
لا يقتصر انعدام الخصوصية على الداخل فقط. الخارج كله موجود في كل الغرف. ضجة عشرات الاولاد في الممرات او ركضهم على الطابق الثاني. الاطفال الذين تتسرب إلى أول كلماتهم الشتائم. نشاطهم المفرط وتوعكهم الصحي الدائم. صوت الجيران المسموع عندك والعكس الصحيح. النقاش العالي بين رجلين. ضيق الحيز المطبق على النفس. الجلوس على الأرض في ما يشبه غرف السجون، لأن الخارج لا يغري كثيراً، ولأن الفسحات القليلة يشغلها شبان ضجرون ليس لديهم ما يفعلونه. الحشرات الزاحفة التي تعشش في الاسقف وتقتحم عنوة غرفاً يخلع سكانها أحذيتهم عند الباب للحفاظ على نظافة أرضها. البراكسات حديث يطول، كما جاء سابقاً. لكن الليل نزل، ومعه نزل برد شديد. عند الناس كلام كثير. والمخيم ممنوع عن الاعلام، أو منسي منه لا فرق. وما لم تر الشيء، فكأنما ليس موجوداً. الرجل الحانق يقول: احكوا عن العيشة بالبراكسات. ليه ما بتحكوا؟ يقصد الإعلام. فلتحك أنت، نقول له، فيجيب: »العيشة زفت. اطلع اقعد فيها جرّب شي ساعة زمن. الناس صار الها تسع شهور. اولادي التنين مرضى هني وامهم. إذا كنّك زلمي اقدر نام. بدك خمس حرامات. إنت يمكن قاعد بشقة وعم تشوف برد. شحار الناس قاعدة بحديد؟ شحار الناس قاعدة بحديد؟«.
***
على غضبه، لا ينسى الإصرار على الدعوة إلى فنجان قهوة. لكننا كنا أخذنا القهوة عند عائلة ابو محمود شتاوي التي عاشت ثمانية اشهر في مدرسة في البداوي، وتعيش منذ تسعة اشهر في براكس. العائلة التي كرم ضيافتها مخجل. كان الوقت تأخر وقد صار البرد شديداً.
نغادر ممراً مليئا بدكاكين مضافة إلى جدران البراكسات، مصنوعة من الزينكو، عمق الواحد منها اقل من متر. واحد للسمانة وآخر لشي اللحم يعبق دخانه في الممر، وثالث صالون حلاقة حديدي مطلي بالازرق وعليه مئات النجوم بكل الالوان. عمقه اقل من متر وعرضه متران. يقف الحلاق أمام كرسي عليه ولد. يقص شعر الولد لقاء الف ليرة. على الارض أمام الكرسي مرآة محطمة لا يرى الولد فيها إلا حذاءه. يجلس بهدوء في هذه المساحة الضيقة، ويبدو فرحاً، كأنما فاز بالمقعد لتوه في لعبة الكراسي.
ربما لم تكن لعبة تلك التي كان يمارسها الأطفال في الفسحة. ربما كانت تدريباً قاسياً على حياة من الصعب على الفلسطيني أن يجد فيها مكاناً.
نغادر ممراً مليئا بدكاكين مضافة إلى جدران البراكسات، مصنوعة من الزينكو، عمق الواحد منها اقل من متر. واحد للسمانة وآخر لشي اللحم يعبق دخانه في الممر، وثالث صالون حلاقة حديدي مطلي بالازرق وعليه مئات النجوم بكل الالوان. عمقه اقل من متر وعرضه متران. يقف الحلاق أمام كرسي عليه ولد. يقص شعر الولد لقاء الف ليرة. على الارض أمام الكرسي مرآة محطمة لا يرى الولد فيها إلا حذاءه. يجلس بهدوء في هذه المساحة الضيقة، ويبدو فرحاً، كأنما فاز بالمقعد لتوه في لعبة الكراسي.
ربما لم تكن لعبة تلك التي كان يمارسها الأطفال في الفسحة. ربما كانت تدريباً قاسياً على حياة من الصعب على الفلسطيني أن يجد فيها مكاناً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 29th, 2009 at 29 يناير 2009 2:16 م
الأخ فلسطيني؟ من وين؟
يناير 29th, 2009 at 29 يناير 2009 3:19 م
الاخ لبناني، من بنت جبيل.