أم جبر وشاح تزور أبناءها اللبنانيين.. تعانقهم وتتفقد ملامحهم
كتبهاجهاد بزي ، في 26 تشرين الأول 2008 الساعة: 11:17 ص
السفير في 24 تشرين الاول 2008
لها. للسيدة التي حملت سلة فيها شاي وتبغ وقهوة وحب نادر، تمشي بها من سجن إلى سجن، تسأل عن أحوال أبنائها، اللبنانيين، السوريين، السودانيين… لها. لأم جبر وشاح الآتية من غزة ليل أول من أمس بعد الرحلة الشاقة على المعبر العربي العربي في رفح، ومن مصر الى الاردن إلى سوريا إلى لبنان. للسيدة بالمنديل الابيض والعباءة الفلسطينية، والوجه المضيء إن بالضحك أو بالبكاء. لليد الغالية الكريمة تسبق أي يد إلى المصافحة، لقلب الأم. لها حلم يتحقق. أن ترى أبناءها اللبنانيين، سمير وبلال وكايد وأحمد وعلي ونبيه وأنور، لأنه “يا عالِمْ، أضل طيب، وأعاود تاني مرة أو لا”. ولها أن يطيل الله بعمرها، إبنة الثمانين عاماً، والدة أسرى لا يعدون، كانوا دائماً يحلّون أمام ابنها جبر الاسير، لأنهم من “الدرويات”، من العرب الذين قاتلوا واسروا من اجل فلسطين. لها. هذا الحب الذي سبحت فيه عيون ابنائها، يتلهفون لعناقها، لتقبيل يدها، لتقبيل جبينها، سيدة الارض الجميلة هذه.
وصلت في ليل أول من أمس. صباح امس جلست في بهو فندق الماريوت، جبر بجانبها وبضعة وسائل أعلام مرئية ومكتوبة. ابنها واحد من رواد الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية. غير أنه يقف إلى ظل أمه. وهي، حيث تجلس، يصير مكانها صدر الدار الفلسطيني الرحب. في الثمانين، وبذاكرة مصرّة، إن غاب عنها اسم أسير، تظل تسترجع اسماء وأحداثاً، إلى أن تجد اسم من تريد. في الثمانين، وتترك في غزة أبو جبر “بعافية” قليلاً، ويروح تعب الطريق، ولا تشغل بالها بارهاق الانتظار الطويل المتوقع عند معبر رفح حين العودة القريبة. المهم ان تحقق الغاية من المشوار.
يأتي أنور ياسين. تقوم وتحضنه. ما شاء الله ما شاء الله. دقوا على الخشب. تحضنه طويلا، ويجلس إلى قربها. الله يرضى عليكم يا يما تجمعولي الشباب نتفة خليني اشوفهوم. مين عارف.. يقاطعها أنور بالله يطول عمرك.. ورح يجوا لعندك كلهم.
تحكي لمراسلة قناة العالم حتى يقول لها بسام القنطار: ام جبر إجا سمير. تقوم بتثاقل ويدخل سمير القنطار فاتحاً ذراعيه.. “يا مرحبا يا مرحبا”. تحضنه، كما احتضنت وكما ستحتضن كل أم ولدها المحرر. وتدفن وجهها في صدره وتبكي. كانت أمه بالتبني الفلسطيني. كانت تزور جبر حين سمعت الاسير الذي بقربه يحاول اقناع زائرته التي يناديها يا خالة بأن تنقطع بعدما صار المشوار صعباً عليها. تدخلت تريده أن يبقي على زيارة خالته. قال لها إنها ليست خالته وإنه لبناني. “يمّا” نادته، “جبر إبني وإنت ابني.. ويشهد الله، انت ابني الاول وجبر ابني التاني”.
يقول المثل إن الابن الذي في غربة يكون الأغلى حتى يعود. والاسرى العرب كانوا في تلك المعتقلات مغتربين عن أهلهم، والفلسطينيات تبنين هؤلاء لا من أجل اعطائهم حاجيات فحسب، بل لأن من حق الاسير أن يرى أمّاً وشقيقا وشقيقة، بانتظار ان يرجع الى اهله.
“مدهوشة من الفرحة ومش قادرة أعبر عن أي حاجة”، تقول، لكن، “الف الف الحمد لله على سلامة ابني سمير الي كان محكوم 400 سنة، والشكر لله أولا ولسماحة حسن نصر الله الي عمل جهده وخرجهم.. وما بتكمل الفرحة إلا ما 11 الف اسير فلسطيني وعربي يضهورا لأمهاتهم..
منذ العام 1998 وهي ممنوعة من لقاء القنطار. غير أنها، واظبت طوال تلك الاعوام، كل اسبوعين، على تقديم طلب بالزيارة الى الصليب الاحمر، كي يبقى اسم القنطار مطروحاً، وكي “تعرف اسرائيل إن حق الاسير بالزيارة واجب قانوني”. وفي كل شهر تبعث إليه برسالة، كانت تصله وكان ممنوعاً من الرد إلا برسالة إلى عائلته في لبنان. “وينك يا أنور”، تتلفت حولها وتسأل فيأتي الزميل مبتسماً ويجلس بقربها. سمير كان يقول للإعلام خلال هذا الوقت: ارى في وجهها فلسطين.
أولادها حولها
عصرا وصل الأسيران المحرران نبيه عواضة وأحمد اسماعيل. فضلا إنتظار مجيء البقية قبل لقاء أم جبر: أنور ياسين وبلال دكروب وكايد بندر وعلي حمدون. سرعان ما وصل أنور. كايد كان في طريقه من قريته في قضاء صور، ودكروب ينهي عملاً. علي إعتذر عن المجيء لمشاغله على أن يزور أم جبر في وقت لاحق.
هؤلاء الأسرى يلتقون في اوقات متفرقة بعيدة، غير أن حبل الكلام لا يعود ينقطع بينهم ما ان يجلسوا في مكان واحد. تختلط الذكريات بالتهكم المتبادل بالسؤال عن احوال رفاقهم باستعادة تفاصيل مضحكة غالباً.
ابن ام جبر اللبناني الأول كان بلال دكروب، وهو من حركة امل. له تدين بفضل تعريفها على البقية الباقية من اللبنانيين الآخرين وعلى مقرات اعتقالهم. في عتليت كان دكروب وعلي حمدون وأحمد اسماعيل. وحين نقلوا الى الرملة لحقت بهم لتزورهم هناك.
نبيه كان يعرف عن أم جبر قبل أن يلتقيها. كان في معتقل لمن هم دون الثامنة عشرة. عندما زارته للمرة الاولى كان انطباعها عنه: انت اسمر مثلك متلنا احنا الفلسطينيين. ما زال نبيه فخورا بالعبارة التي نسبته إلى فلسطين. أحمد كانت تزوره ومعها عائلة ابنها جبر. هكذا، وقبل ان يمنع الاسرائيليون اللقاء من دون قضبان، جلس مع أم جبر إلى طاولة واحدة، وعلى ركبتيه جلست طفلتا جبر، فداء وحنين. الأطفال ذكرى لا تنسى لسجين. هناك ما لم ينسه احمد: أمس، وقبل المجيء الى الفندق، حلق لحيته الطويلة بعض الشيء. هكذا كان يفعل في كل اسبوع حين موعد الزيارة، لأنه مرة واحدة تخلف عن حلق ذقنه، فاصيبت السيدة بالهم وشُغل بالها. وراحت تسأله لماذا هو حزين، وكانت متأكدة من أن مصابا أصابه لأنه في العادة لا يلقاها من دون ذقن محلوقة.
في السجن أحس بها والدة، وفي زيارتها قبل اربع سنوات إلى لبنان، وكانت أمه قد توفت، أحس بأمه تعود إليه.
في اسرهم، كانت تعرف عنهم، وترضى أو تغضب منهم، وتنصحهم، وتحمل همومهم.. وتهرّب رسائلهم الداخلية، من سجن إلى سجن، أو الخارجية، من السجن إلى لبنان، أو حتى تلك “الجماهيرية” من مجموعة من “اسرى الحزب الشيوعي” إلى اللبنانيين. وكانت تنقل الرسائل الشفهية، وكانت تزور أحمد بينما جبر في السجن نفسه، واذا لم يكن جبر من بين المجموعة نفسها التي فيها احمد تقابل الاهالي، تقول لأحمد: لا تهتم. زوجته تنتظر في الخارج، وهي ستزوره. انا هنا لأزورك انت.
أحمد، من ناحيته، كان إذا قررت عائلة أخرى أن تزوره، يطلب منها أخذ الاذن من أم جبر. سجلته ام جبر اسمه كاسير في سجلات السلطة الفلسطينية. لم يقبل بأخذ البلد الشهري الذي كانت السلطة تصرفه له كاسير، بل طلب من أم جبر أن تصرفه لقاء حاجياته، هو الذي يعلم بالضغط المادي على ربة العائلة الكريمة هذه. بعد تحرره بأشهر، أتصل به محام أردني كان في زيارة إلى لبنان. التقاه وبلغه سلام أم جبر، ثم أعطاه 700 دولار. قال إن هذا المبلغ أمانة من أم جبر، وهو حقه، فقد ظلت السلطة الفلسطينية لفترة تصرف لأحمد البدل الشهري، غير أنه كان قد غادر، فلم تجد السيدة إلا ان تجمع له المال حتى تجد الوسيلة المناسبة لإرساله.
بعد ساعة من الانتظار إكتمل عقد الأبناء: أنور وبلال وأحمد ونبيه وكايد. تبادلوا التهكم مجدداً، وراقبوا تبدلات السن في ملامحهم وفي شعر رؤوسهم.
إتصلوا بغرفتها ثم صعدوا إليها. وقفت وفتحت ساعديها: يا مرحبا، يا مرحبا. ليس كتلامذة اقتربوا منها واحدا بعد الآخر، لكن بتهيب. انور عانقها مجدداً. قالت له: ان شاء تكون اخدت الاذن من الست (الزوجة) في العناق.. أنا أبو جبر فوضني.. بس انت ما بعرف”. تضحك ويضحكون. يركض نبيه عواضة صوبها وينكب على يدها يقبلها. “إنت يا نمس” تقول لصغير الاسرى حينها، ولم يكبر سناً في عينيها بعد.
هكذا، واحدا بعد الآخر، تتفحص وجوههم بكفيها وتعود لتحضنهم.. ثم يجلسون بقربها. تدخل في حديث عائلي. تسأل هذا عن عدد أولاده، وتطمئن من ذاك عن ضغط دمه الذي كان يزعجه أيام سجنه. تقول لأحمد: بعدهون تيابك أنت وعلي (حمدون) عندي. كانوا كلهون دم.. غسلتهون وضبيتهون.
هذه الثياب التي اعتقل الشابان بها واعطيت لأم جبر. “دم على ثياب أحمد؟.. هيدا دم كايد”، يقول نبيه ويلتقط بعفوية ساعد كايد ويمدها صوبها لترى الأثر الباقي عليه.
بعدها، تدور احاديث جانبية. تصمت هي وتتلفت حولها تتفرس في وجوههم، كاي أم جالسة في صدر الدار، مرتاحة ملامحها وهي ترى أولادها حولها صاروا رجالاً.. أحراراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























