بعض من حكايات العالم السفلي للدعارة السرية في لبنان
كتبهاجهاد بزي ، في 22 تشرين الأول 2008 الساعة: 12:41 م
السفير في 22 تشرين الاول 2008
تفتح الباب مراهقة نحيلة. تطل أم فادي خلفها فتفسح الفتاة مجال الترحيب للسيدة الخمسينية المتحفظة قبل أن تنسل إلى أقرب الأبواب إليها. أم فادي تعلم بقدوم زوارها. هاتفها الدليلُ قبل ربع ساعة قائلاً إن صديقه، طالب الدراسات العليا في علم الإجتماع، يعدّ رسالته الجامعية عن الدعارة. بالغ في التأكيد على الحفاظ على سرية اسمها ومكان إقامتها وكل ما قد يفضح هويتها. ترددت قبل أن تقبل، ورفضت تسجيل صوتها.
البيت شقة في أحد أبنية طفرة التسعينيات التجارية الرخيصة فوق عقارات رخيصة إلى سفح جبل لبنان. الرجل الواقف إلى مدخل المبنى، والذي تابع يرمقنا بنظرات قاسية ونحن نترجل من السيارة ونصعد إلى الدرج، بدا جاراً حانقاً على البيت ذي الصيت السيئ، أو هذا على الأقل ما تراءى لنا.
البيت الذي نمشي في ممره، الآن، خلف أم فادي، عادي ليس فيه ما قد يحيله إلى مخيلة الأفلام عن بيوت الدعارة. المراهق النائم على كنبة متهالكة في المطبخ أجفله صراخ الدليل الممازح يوقظه من النوم، أما المراهقة الجالسة إلى كنبة أخرى فلم تعر أي انتباه للضيوف المتوقفين لدقيقة أمام غرفة المطبخ. هي غير الشابة التي فتحت الباب لنا.
تدخلنا أم فادي إلى غرفة نومها. فيها سرير كبير يستند إلى الحائط ويحتل الغرفة، بينما يملأ الجزء المتبقي منها آلتا خياطة وكراسٍ بلاستيكية. تبدو السيدة الضئيلة الجسم والشديدة الاحتشام مرتبكة جداً. تنظر في الدفتر والقلم الموضوعين على طرف خشب طاولة آلة الخياطة. تقول: تحرّي، صح؟. يعاتبها الدليل، وهو موضع ثقة لديها، ويعيد الكذبة الأولى عن الرسالة الجامعية. تقبل أم فادي على بعض مضض. لو قيل لها أن المقابلة من أجل الصحافة، لما كان من غبار على رفضها.
هي لبنانية بلكنة تدل إلى مسقط رأسها، وشكلها يحيلها إلى واحدة من النسوة التي يلتقي بهن الواحد في كل مكان، في سيارة الأجرة، عند بائع الخضار، في الفرن. كل ما فيها يدل إلى أنها أم وربّة منزل. فقط صاحب خيال جامح جداً وربما مريض قد يتهم أم فادي هذه بأنها قوّادة.
كلمة بترونة ليست سهلة
بإذن الله بطّلت المقدور، تقول المرأة التي ما زالت متخوفة، لأن أولاد الحرام الكثر ضيقوا عليها ووشوا لمكتب الآداب، كما أنهم سرقوا من بناتها. المقدور هو مهنتها كقوادة، ووقعت فيه في مصنع الخياطة. أتاها رجل يغريها بأنها جالسة على كنز، وأنها إذا أقنعت بعضهن بالعمل فستمطر الدنيا مالاً. لم تجرؤ السيدة على مفاتحة أي من فتيات المعمل. لاحقاً، أخبرها أحدهم أن رجلاً آتياً من بلد عربي يريد فتيات، فاتصلت بمن كان يغريها بتشغيل بنات المصنع. كان عنده بنتان، واحدة عذراء والثانية ليست كذلك. سألته أم فادي التي تخاف الله عن العذراء: كيف بتطلع؟. أجاب: مش مشكلتك.
هكذا، أخذت الفتاتين إلى الزبون، وناولني 4000 دولار. لم تكن قد حملت في حياتها مبلغاً كهذا. الفتاتان غابتا لنصف ساعة فقط. وأعطاهما 1500 دولار أيضاً. هذه بداية تعود إلى عشر سنوات خلت. والحادثة كانت إيذاناً للأرملة وأم أولاد وبنات يكبرون، أن حياتها قد تغيرت.
خلافاً لما بدأت به كلامها، هي لم تترك عملها كقوّادة. هذا اعتراف سرعان ما تدلي به. لا رقم محدداً لمن يعملن ويعملون مثلها، وإن كانت القوادات أكثر عدداً. على ما تقول أم فادي، فبيتها ليس لممارسة الدعارة، بعكس أم بشير مثلاً، التي تصير الدخلات في بيتها. تحكي عن منافستها باشمئزاز. طريق أم فادي كان مختلفاً. إنتشر رقم هاتفها الخلوي حيث يجب أن ينتشر. وبنت جامعة واحدة نجحّت مكتبي، تقول آسفة على فتاة كانت جميلة جداً وتعرف كيفية التصرّف مع الزبائن. لكن هذه سرعان ما فتحت على حسابها وصارت تشغّل الفتيات. مكتب أم فادي استمر مفتوحاً، وواحدة تجلب مئة. صار لديها شبكة واسعة من الزبائن كما من الفتيات. مهمتها اقتصرت على تلقي الطلبات عبر الهاتف، وإيصال الفتاة إلى الزبون لتقبض منه، لتقتسم المبلغ لاحقاً مع الفتاة، ولا دخل لأم فادي بما تحصّله هذه بشطارتها من برّاني. وإذ ترتاح هذه السيدة يكثر كلامها. تقول إنها حازت على شقف مهمة وكانت الواحدة ما بتطلع تحت الألف دولار لليلة. ترجمة هذا اللفظ المهين، الشقفة، هو أن الفتاة لم تبلغ العشرين من العمر، وجميلة جداً، وتبيّض وجه الزبون إذا ذهب معها في نشاط إجتماعي عادي كالسهر في مربع ليلي مثلاً، أو دعاها إلى عشاء في مطعم محترم. الأمر إذاً لا يقتصر على الجنس. هناك الكثير ممن يريدون الرفقة فقط. يحجزون فتاة ويدفعون خمسة آلاف دولار لأسبوع. بعضهم قد لا يلمس الفتاة، غير أنه يتباهى بها أينما ذهب. فائقات الجمال يتخلصن بسرعة من القوادين ويسلكن مثل هذا العمل الحر. لا يعود الأمر يقتصر على المال مقابل الجنس، بل على فترة مواعدة لقاء البذخ في صرف المال عليها من الهدايا إلى السهر وصولاً إلى السفر. مثل هذا العمل سيفتح للفتاة أبواب الأناقة وعمليات التجميل وغيرها. بعضهن يصعد سلم البغاء إلى قوادي العلاقات الواسعة والمال الذي يجري نهراً. لكن، حرام، كلهن يندمن على أيامها، لأن المعروف عنها قلبها الكبير. هي بمثابة والدة لهن. بيتها مفتوح دائماً، شئن العمل أم أبين. يأكلن وينمن مجاناً. ولا تجبر واحدة منهن، ولا تفرض على واحدة فض بكارتها، بل تشترط على الزبون الراغب بعذراء أن يبقيها كذلك. وإذا عرفت أن زبوناً تصرف بوحشية مع الفتاة لا تعود ترد على اتصالاته مهما حاول.
أخلاقيات أم فادي تقف عند هذه الحدود. هو مزيج من القيم غير المفهومة لإمرأة يختلط في كلامها الورع الديني مع الألفاظ النابية، وتظهر بمظهر المضطرة التي تقوم بخدمة إنسانية حيث تلوذ بها الهاربة من أبيها الذي اغتصبها، أو أمها التي بتغرز (تتعاطى المخدرات بالحقن)، أعطتها إياها وهي في الثالثة عشرة وقالت لها فضي بكارتها وشغليها، أو غيرها من الحالات التي تقطّع القلب. أم فادي الآسفة هذه، تحتضن الفتيات غير أنها تعيش من خلالهن، ولا تملك من السطوة إلا تلك العاطفية المطلوبة لفتيات هذا العالم المعقد.
أم فادي ضعيفة ولا ظهر لها يحميها. حين قبض عليها للمرة الأولى حطمت كارتها (بطاقة رقم الهاتف) وحلفت ألا تعود إلى العمل، لأن كلمة بترونة ليست سهلة. كان بطرس، القوّاد الشرير الذي يعنف الفتيات ويسجنهن ويجبرهن على ممارسة الدعارة ويقص شعرهنّ، هو الذي وشى بها لأنها خلّصت فتاة من شره. هي عادت لاحقاً إلى العمل لأن نانا سحبت رجلها، وأغرتها فوزعت رقمها الخلوي الجديد على المعارف. نانا هذه كانت لا تطلع بأقل من ألفي دولار في الليلة. الآن صارت عند رورو وهو من الأقوياء الأقوياء. لديه مفاتيح أهم النسوة وأشهرهن. رورو إسم سيتكرر على أكثر من لسان. هو قوّاد البغاء المخملي. زبائنه من فاحشي الثراء، وليلة الإمرأة التي تُطلب باسمها المعروف، قد تصل إلى خمسين ألف دولار. لديه مفتاح فلانة وفلانة.. وحتى فلانة لديه مفتاحها. تسمي أم فادي ما لا يمكن نشره من أسماء، غير أن ما تقوله يحيل إلى أساطير هذا النوع من البغاء الذي يدور في فلك الإشاعات عن ألبوم الصور وعن أسماء فنانات وعارضات أزياء وما إلى هنالك.
أم فادي القنوعة تكتفي بالفتيات المتوسطات الجمال. مع ذلك، فإن ظروف العمل إختلفت في سنوات الأزمة اللبنانية الأخيرة حيث خفت السياحة (وبالتالي السياحة الجنسية)، وصارت المنافسة هائلة، وكثرت بيوت الدعارة. كما أنه صار هناك من يتاجر بالرقيق. يجلب فتيات من دول عربية بطرق شرعية أو غير شرعية، ويعطيهن للقوادين لقاء مبالغ معينة من المال. خربت المصلحة، تقول، وتعيد التأكيد على محبتها لمن تسميهم بناتها مما يجعلهن يبقين لصقها على الرغم من إغراءات الآخرين. وحين تدخل إلى الغرفة الفتاة التي فتحت باب البيت حاملة صينية القهوة، تأخذها أم فادي من ذراعها وتجلسها لتحكي لنا عن معاملتها لها. أخبريهم عن أمك، تقول لها، شو عملت معك، وليه هربت من البيت؟. تتابع بنفسها: كانت بدها تشغلها وكان عمرها 14 سنة. ما الذي تغير إذ هربت؟ لا شيء. صارت أم فادي قوادتها. هذه المراهقة، بقميصها القطني المحتشم وبنطلون الجينز، ووجها الخالي من أي مساحيق، هي نموذج طبق الأصل لأي فتاة لبنانية بعمرها اليوم، أي الثامنة عشرة.
حدود للخصوصية
لكل واحدة منهن أسماء كثيرة. منها، نختار اسم نهى.
نشأت في بيت دعارة تقوده أمها المطلقة من أبيها والمتزوجة لرجل آخر. عاشت طفولتها في بيت من غرف تقفل أبوابها على رجال ونسوة. أخرجتها أمها من المدرسة قبل أن تصل إلى الابتدائي الخامس وقالت لها وقد رأتها تكبر: بعدما تأتيك الدور الشهرية للمرة الأولى، تبدأين بمساعدتي، أي تعمل معها في البغاء. حين بلغت، خبأت الأمر عن أمها لثلاثة أشهر، حتى اكتشفت الأم فحاولت إجبارها. هربت، مخافة أن تفقد عذريتها. لجأت إلى والدها ولم تبق طويلاً بسبب زوجته وبناتها الثلاث الذين يرمين كل أثقال عمل البيت على كاهلها. فرّت مجدداً وظن والدها أنها تزوجت خطيفة. آوتها أم فادي، وكانت تشترط على الزبائن ألا يفضّوا بكارتها. بقيت بنتاً وأنا اشتغل طوال أربع سنين. قبل فترة قصيرة، أعطت عذريتها لمن تحبه، وبقرار واعٍ منها. لم تكن تريد لهذه التجربة الغالية أن تمر مع زبون. حبيبها جاهل بحياتها الأخرى، لكنه ليس مشروع زواج. فقير الحال وغير قادر على تأمين نفسه، فكيف بفتح بيت وتأمين مستقبلها.
تكره عالمها. ولا تطلع في طلب إلا حين تحتاج إلى المال، واسألْ أم فادي. أنا لست مثل ريتا، بنت الجامعة التي تحب تجميع المال، ولا تخرج بأقل من خمسمائة دولار. تستفسر أم فادي عن ريتا. تجيبها: تعرفت عليها بطلعة. إذا بدك خدي رقمها. معي ياه.
في عالم من طبقات وقيم، تبدو نهى كمن تحسد بنت الجامعة والمحظوظات من صاحبات الأرقام الكبيرة، وفي المقابل تستنكر بشدة السؤال عما إذا وقفت يوماً في الطريق. فهي لا تخرج إلا عبر أم فادي. وإلى حينٍ ستستمر في هذا العالم، إلى حين تجد من يقدر على تستيتها. هل ستخبره عن ماضيها؟ تومئ برأسها نافية، وتبتسم.
ما هو الطلب؟ هو اتصال هاتفي ثم سهرة عادية تنتهي في فندق. فنادق كثيرة تنتشر شمال الساحل اللبناني رخيصة وتقدم تسهيلات الدخول إليها من دون أوراق ثبوتية هي الأشهر في هذا المجال. وقد دخلت نهى فنادق النجوم الخمسة أحياناً. لا فارق لديها، كما لا يعنيها شكل أو عمر زبائنها. تقرف منهم جميعاً. رجل لا يعرفني ولا أعرفه، حتى لو كان بيعقّد، أقرف منه. هاجسها الدائم من ثقيلي الدم. أؤلئك الذين إذا اتفقت معهم على ساعة يرفضون التوقف ولو قبل عشر دقائق من مضي الوقت المحدد سلفاً. ولها شروط كثيرة تصر عليها. ترفض وجود فتاة أخرى في الغرفة نفسها، كما ترفض السحاق. وإذا كان من البديهي ألا تعطي اسمها الحقيقي للزبون، فهي لا تعطيه فمها ليقبله ولا عنقها. القبلة هي كل ما تبقى لها بعدما خسرت جسدها. تحفظها لحبيبها كمتعتها الوحيدة، لأن ممارسة الحب معه صارت تمضي بلا مشاعر، وأحياناً بقرف مماثل لما تحس مع الزبائن.
بينما الشابة تحكي، تفتح الباب أخرى سمراء بشعر مصبوغ بالأصفر. دخلت تستفسر الدليل وأم فادي بصوت خافت عما يحدث، وتأكل من صحن في يدها. كانت نائمة وأفاقت على صوت صراخ إبن أم فادي على شقيقته. عرّفت عنها ربة البيت: هذه ليندا. افترت عليها خالتها بالمقدور. صار إلها سنتين مزوجة، وهلأ تركت زوجها، وإجت تعيش عندي…
قبل أن تأخذ ليندا الكلام عن الإمراتين، تبقى ملاحظة: جوليا روبرتس ترفض القبلة في فيلم إمرأة جميلة. نهى أيضاً. مع أنها لم تسمع بالفيلم من قبل.
جرّاحة أعصاب
تملأ ليندا المكان بضوضائها. على العكس من نهى، فإن ابنة السابعة والعشرين هذه كثيرة المزاح، ولا تتحفظ على شيء. من جنسية عربية ولا إقامة لديها. يلاحقها الأمن العام منذ فترة وكادت تطرد، لكنها استطاعت البقاء وبالقوة. تقفز في حديثها من زمان ومكان إلى زمان ومكان آخرين. بالمصلحة؟ بلشت صغيرة. الحكاية التي تتكرر مع مثيلات لها هي أن واحدة أخذتها عند واحدة أخرى ومن هناك وصلت إلى قوّاد. تنقلت في بيوت كثيرة. وصلت إلى أن تخرج بألف دولار وبألف وخمسمائة. تزوجت وتابت وقعدت في البيت. غير أن زوجها ما عاد قادراً على إعالتها فانفصلت عنه وعادت إلى أم فادي التي تضيف أن الزوج معوّق. لا ندري أين تنتهي الحقيقة في كلام ليندا ليبدأ التجمّل. ربما لم تعد تذكر قصتها الحقيقية أصلاً، تقول. في البداية كان يعتري بعض زبائنها رقة قلب مفاجئة بعد الإنتهاء من غاية اللقاء، فيسألها بأسف عن سبب سقوطها. وكانت تعيد قصتها، حتى ضجرت بعدها، فراحت تخترع قصصاً أكثر درامية، منعاً للتكرار. في النهاية، تخلت عن القصص، وصارت ترمي إجاباتها الساخرة رمياً: كنت جرّاحة أعصاب ثم توقفت عن العمل. أنا في الأصل أستاذة جامعة، وعملي هذا أوفر تايم. اتركني بحالي الله يخليك.
تكون أم فادي عادت إلى الغرفة بعدما خرجت لإستطلاع الصراخ في الخارج. تجلس لتدخن بتجهم شديد. يستفسر الدليل منها عن سبب المشكلة ويغيب لدقائق ليعود ويقول لها مشي الحال. ترتاح أم فادي قليلاً، وتتبادل أطراف الحديث مع الموجودين. تسأل نهى رفيقتها المجربة عن عدد الرجال الذين عرفتهم، فتصغّر هذه عينيها تدعي محاولة التذكر تتذكر، ثم تروح تعد على أصابعها: واحد. اتنين… تغرقان في الضحك وتضحك معهما أم فادي التي في لحظة تجل ترفع راحتيها أمام وجهها وتدعو: توب عليهم يا رب.
لماذا تشاجر نجل أم فادي مع شقيقته ابنة الخامسة عشرة؟ هو الذي يعرف مهنة أمه ويصمت عنها، يعنّف أخته، ابنة الخامسة عشرة. يريد منعها من انتعال حذاء بكعب عالٍ.
الشارع.. للمشهد المبالغ فيه.. للأدنى مرتبة
الواقفات في نقاط كثيرة على طول الأوتوستراد بين بيروت والشمال، لم ينزلن من كوكب آخر، مع أن صورتهن غريبة. الأثواب القصيرة مكشوفة الصدور تبرز في معظمهن ما قد نصطلح على تسميته بعيوب الأجساد العادية. المساحيق التي تغرق تحتها ملامح وجوههن تجعل مشهدهن مبالغاً فيه. لكنه مشهد دالٌ إلى الدرك الأسفل لهذا العالم. الشارع هو للأقل شكلاً وبالتالي الأقل حظاً. لمن لم يلتفت إليها حتى القوّاد. هذه تنظر إليها بنات بيوت الدعارة بصفتها الأدنى مرتبة. البدل يهبط هنا إلى حدود العشرين ألف ليرة. والوقوف قد يطول لساعات طوال. لسن من كوكب آخر، كما المتشردون والمتسولون وكل ما هب على أرض ودب من هامشيي هذا البلد، هم سكان هذا البلد، بغض النظر عن جنسية أو طائفة أو ولادة غير شرعية.
ساندرا واحدة منهن، وليست بالضرورة نموذجاً عنهن. هي من اللواتي تبن. في الثلاثين من العمر، غير أن لسمنتها ووجهها ما يجعلها تبدو مراهقة. لهجتها تدل إلى محافظتها. والحكاية غريبة. ليس الفقر سبباً هنا. هو الانتقام من الأب. الأب الذي راحت بناته يهربن من بيته واحدة بعد الأخرى لتحرشه الجنسي بهن، وللضرب المبرح يتعرضن له بسلسلة حديدية إذا رأى واحدة منهن تقف إلى شرفة. وكل شيء ممنوع على البنات، إلا رغبات الأب المهووس. في العاشرة من عمرها، رأت شقيقتها الكبرى تهرب من البيت وتنبهها من تصرفاته. بعد سبع سنوات، وبعد هروب شقيقتها الثانية، وجدت نفسها تصد تحرشاته عنها، ثم تنتظر في يوم آخر زوال الأورام من وجهها بعدما انهال عليها ضرباً بعبوة زجاجية لتأخرها قليلاً في مشوار. هربت الفتاة إلى شقيقتيها اللتين تعملان في التنظيفات في جونيه. عملت خادمة في بيت وتعرفت على رجل ونامت معه وحبلت منه بعد علاقة دامت ثلاثة أشهر. على هذه السهولة تحبل فتاة تفلتت من قيد معقد عماده سلطة متزمتة لأب مريض. وبعد أربعة أشهر على الحمل، أخذتها الصديقة المقربة إلى جمعية دار الأمل. ومن هناك إلى دير أكملت فيه فترة حملها للطفلة التي لم تكن تريدها. بعد أسبوع من الولادة، جاءت عائلة فرنسية لتتبنى طفلة لم يعترف الوالد المسجون بها وتحملها إلى فرنسا. دار الأمل سيظل دائماً مفتوح الباب لها، غير أن رحلة الانتقام غير المنطقية من الأب الذي يجهل أصلاً ما يحدث مع ابنته، كانت قد بدأت. وقفت الفتاة وصديقتها إلى الشارع. لم يكن المال همّاً. المهم الأول هو الانتقام. لسنة ونصف، ظلت على هذه الحال. تزور دار الأمل وتمضي نهارها فيه تخبر المرشدات ما كان من أمسها. وتستمع إلى نصائحهن. وعندما يغلق المركز أبوابه، تغادر ورفيقتها إلى الشارع. بماذا كانت تفكر حينها؟ بلا شيء، إلا بأنها صارت تساوي صفراً.
التقت بشاب صار حبيباً. وحبلت منه. حين عرفت المرشدات في دار الأمل بحملها، لاحقن الشاب الذي عاد إلى محافظته. قال إنه سيتزوج من واحدة أخرى حملت منه ورفعت عليه دعوى قضائية، ثم بعدها يتزوج ساندرا. رفعت الأخيرة دعوى قضائية، فتزوجها. صار زوجاً لإثنتين. جلبت الطفل الثاني. عملت في التنظيفات بينما عمل زوجها في مصنع. حين توقف عن العمل، عاد إلى زوجته الأخرى. هي عادت إلى الشارع وصارت تترك طفلها عند إحدى صديقاتها. كانت تريد إطعام طفلها حليباً هذه المرة، كما كانت تريد الانتقام من زوجها الذي تركها وابنها لمصيرهما. لاحقاً، أفاق الشاب عليهما. قال إنه سيصلح بينها وبين والدها ويذهبان للعيش في بيت والدها. قبلت. عاشت في إحدى الغرف، وزوجها راح يعمل ليلاً. في ليلة دخل شقيقها، النسخة عن أبيها، ليتحرش بها. صباحاً، حين عاد الزوج، وجدها تبكي. قالت له إنها تشاجرت مع عائلتها وينبغي عليهما ترك المكان. غير أنها انتظرت حتى اتصلت بها مرشدات دار الأمل ليخبرنها بأن عملاً ينتظرها في بيروت. غادرت العائلة الصغيرة صوب إحدى الضواحي الشرقية لبيروت. كلاهما يعمل، والحياة بدأت تتجه إلى ظروف أفضل، إلى أن توفي الزوج في حادث سير. للمرة الثانية، ستعود المرأة وطفلها إلى بيت أبيها، ثم تخرج منه للمرة الأخيرة بعدما راح يشتم الزوج المتوفى قبل أن يقفل أيام موته الثلاثة.
تترك كل عمرها خلفها، وفيه طفلة فرنسية ربما لن تراها أبداً. تعيش حياة هانئة. تعمل ومقبلة على التسجّل في دورة كومبيوتر من خلال دار الأمل. لم تكن أكثر سعادة في حياتها. ولن تعود إلى الشارع. لا تريد أن تتذكره. ضحية من هي؟ ضحية أبي. هذا أب يتحرش بكل بناته ويضربهن بالسلاسل. أي أب هو هذا؟ لو حُمّلت مسدساً ووضعوا رأس أبي أمامي، لما ترددت في إطلاق النار على رأسه.
الحذر وحده حقيقي
كان يمكن للمقابلة الثانية أن تقتصر على جملة واحدة: كنت في التاسعة عشرة حين بدأت أعمل في الدعارة لسنة واحدة، ثم تزوجت وتوقفت عن هذا العمل. السيدة التي تجري المقابلة في دار الأمل، وبحضور المرشدة الاجتماعية نهاد بستاني كانت تجيب عن أي سؤال بكلمة. بعد عشرين دقيقة طويلة من اللا- إجابات، نظرت في آلة التسجيل أمامها وقالت: أهم شي ما يطلع الصوت بالتلفزيون. أقسمت لها المرشدة أن المقابلة ستنشر في صحيفة. حينها، ارتاحت: ما دام ما فيه صوت، وما فيه تلفزيون، اسأل ما تريد.
تبدأ المقابلة مرة جديدة: كم سنة عملت في الدعارة؟ عشر سنوات. كما كان عمرك حين بدأت: 14 سنة.
تحكي عن والد مدمن على الكحول، لم يتعرض لها لا بضرب ولا بغيره، غير أنه لم يسأل عنها يوماً. والفقر كان مدقعاً. فقر كأن ترى ابنة عمها تبتاع بنطلوناً وهي عاجزة عن شراء مثله. فقر ألا تحوز على ثمن علبة السجائر. وفقر ألا تعرف كتابة اسمها. أي طريق تسلك من هي مثلها؟ تسأل. سرقت وسُجنت. بعد السجن، ضمتها امرأة إلى فريقها المؤلف منها ومن ابنتيها. تسمي منطقة شعبية، ثم تعدد أكثر من منطقة. تقول إنها ملآنة ببيوت الدعارة. لأي رجال؟ للمراهقين والعمال السوريين. لكثرة هذه البيوت، هبطت الأسعار، وصار الواحد يفتح بيتاً ببنتين.
المال فجأة صار كثيراً. قفز المدخول من مئتي ألف ليرة شهرياً في متجر إلى نحو مئة دولار يومياً. أما المهنة أمام الأهل فدائماً: في معمل خياطة. لثلاث سنوات ظلت في بيت هذه المرأة إلى أن التقت رجلاً وتزوجته. لم يعرف أنها مومساً، بل أنها استطاعت أن تقنعه بعذريتها. شرب خمراً حتى ثمل ومارسا الجنس في مياه البحر وكانت في دورتها الشهرية. قالت له أنت أخذتني. تزوجا. تنكر عنه أنه كان يعلم بعملها. ما بدي حط على دمتي، حرام. لكن ترددها يشي بأنه كان ساكتاً عما يعرفه. أنجبت منه ولداً. انتقلت إلى بيت دعارة ثان في منطقة مجاورة. كاد أمرها يفضح حين جاء التحري على بيت أهلها ليأخذها منه. رجته ألا يحكي عن التهمة فلم يفعل. سجنت 15 يوماً وخرجت.
ظلت طوال فترة زواجها تعمل. مؤخراً، تطلقت. تقول إنها أقلعت عن هذا العمل. مصاحبة فقط. لن تعود إلى البغاء. أبداً. تكره نفسها لأنها انزلقت إلى مثل هذا الدرك. لن تعود. طبعاً. شو لكن؟.
لا تقول الحقيقة. هي ما زالت في المهنة. لم تقلع عنها قط. لكنه الحذر، دائم. وحده الحذر حقيقة.
دفع عنها وليس لها
كانت تأتي إليه في سيارة تاكسي من تلك التي تُطلب عبر الهاتف. ولا تقبل بأن يدفع الأجرة عنها. إن دفع سيصير كغيره. عراقية. جميلة جداً جداً. يستخدم الموظف العشريني اللفظ بالفصحى. جمالها من ذاك الذي يقهر الرجال. اقترب إليها بصفة معجب وليس زبوناً. أهداها باقة ورد، ولأن أحداً لم يعطها ورداً من قبل أحبته. وحين تقع الواحدة منهن في الحب تعطي ما لا يمكن تخيله من عاطفة.
عاشا كأي رفيقين. يلتقيان أربع مرات في الأسبوع. الجنس كان تفصيلاً. النزهات والأحاديث الكثيرة ما زالت تحتل الجزء الأكبر من ذاكرته. ومنها تعرّف إلى معنى أن تكون فتاة في الثانية والعشرين بائعة هوى. معنى ألا تجرؤ على الخروج من سيارة التاكسي وعبور الشارع إلى رفيقها المنتظر عند الناصية الأخرى، بل تنتظره ليأتي إليها. من غير رجل بقربها، تصاب بالرعب. قوّادها هو من يلتقطها بيدها ليسلمها إلى الزبون، وهو الذي يعيدها. في أيام عطلتها، رفيقها هو أيمن.
حين دعاها أيمن إلى غداء في بيت صديقه، أتت. جلست وإياهما في الصالون يتحدثان إلى أن دخلت والدة الصديق، ربّة المنزل المسنة. فجأة، وقفت الشابة وتلفتت حولها، ثم ركضت خارجة من المنزل. أعدني، قالت له وكررت الكلمة بهستيريا. جلبتني إلى بيت فيه ناس. كانت ترتجف. ولم تهدأ إلا حين صارت خارج المبنى. والدة الصديق، ربة المنزل التقليدية هي من الناس العاديين اليوميين الذين لا مكان لهم في حياتها، ولا تعرف كيف تتصرف في وجودهم. تعرف الدخول إلى فندق أو بيت فيه رجل واحد. تنهي عملها وتغادر. أن تقابل أمّاً، فهذا مخيف.
عاشت مع أيمن سنة من أحلى سني عمره، ثم فجأة قطعت علاقتها به واختفت. على هروب دائم هنّ. وهي أخبرت صديقة لها إنها تركته لأنه كان يغذي فيها حلماً بعالم لن تعرفه. عالم عادي تكون فيه زوجة وأماً من دون ماضيها. كانت أكيدة أنه لن يأخذ قراراً كهذا. لكن علاقتها به لوّنت الأحلام. وصارت بين عالمين، واحد واقعي تعيشه وبات عبئاً بسبب المستحيل، وآخر من خيال. قررت أخيراً البقاء في عالمها، وقطعت علاقتها بحبيبها. بحث عنها لبنان كله غير أنها اختفت. لو أنها بقيت، هل كان مستعداً لإقناعها بالتوقف عن ممارسة البغاء، والارتباط بها؟ لا يدري مع أنه أحبها.
كانت، بعد توطد العلاقة بقليل، أهدته أغلى ما لديها، اسمها الحقيقي. قالت له إنها، ومذ أتت إلى لبنان، لم تبح به لأحد. في مرة اتصلت به ليأتي ويأخذها من عند مصفف الشعر. وقف خارجاً. أرسلت إليه موظفاً ليقول له إن فلانة تنتظره في الداخل. أخبرت الموظف باسمها الحقيقي. تريد أن تعرف ما إذا كان حبيبها يتذكر الإسم. دخل إلى الصالون. وقفت ولملمت أغراضها، وقالت له بفخر أمام السيدات: حاسب حبيبي. كانت تستمتع بشعور المرأة التي لها من يدفع عنها، لا من يدفع لها.
دار الأمل.. البيت الذي يقع على طرف نقيض
في مبنى أرضي لمبنى قديم في سن الفيل، حرش تابت، ينسحب هدوء الشارع على هدوء مقر جمعية دار الأمل. هنا، وفي مكان مخبأ بالأشجار، تجلس في صالة الانتظار نسوة كثيرات. هن ضحايا البغاء كما تسميهن المنسقة العامة للجمعية هدى قرى. لسن بالضرورة كلهن ممن أقلعن عنه. الدار مفتوحة للجميع. هنا تجد النسوة حمامات للإغتسال، وفطوراً وغذاء مجانيين، والأهم، مساعدات اجتماعيات يستمعن إلى مشاكلهن ويقدمن أي مساعدة ممكنة، من تلك النفسية، حيث يحولهن إلى طبيب مختص، حتى الفحوصات الصحية الضرورية، مروراً بالمساعدة القانونية لأمهات أطفال من أب مجهول يحتجن إلى إصدار أوراق ثبوتية لأولادهن، إلى إيجاد عمل لمن هي بحاجة إلى عمل. باختصار، هو البيت الذي يقع على النقيض التام للبيوت التي يأتين منها.
هذه الجمعية تأسست في العام 1969، وكان مقرها في شارع المتنبي في وسط البلد حيث كانت بيوت الدعارة تفتح فيه بترخيص من الدولة وبموجب قانون سنّ في العام 1931. وكان ممنوعاً على الفتيات مغادرة البيوت، وكن يخضعن لفحوصات دورية. وهن من جنسيات غربية فرنسية وكندية وأميركية وغيرها. هذا البغاء المنظم لم يمنع الدعارة السرية في حينها بطبيعة الحال. أغلق المركز أبوابه مع اندلاع الحرب الأهلية ونهاية الشارع مع النهاية المأساوية لقلب المدينة برمته. الجمعية عادت إلى العمل في نهاية الحرب، وبعدما لم تعد الحكومة تعطي تراخيص بيوت البغاء. قرى تقول إن ظاهرة الدعارة اتسعت خلال الحرب، وشهدت نمواً غير مسبوق بعدها، مع تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية معاً.
هو عابر لكل الطوائف والمناطق، تقول. أسبابه عديدة: الفقر أولاً وأخيراً، والتفكك الأسري، والعنف الجسدي، والجهل. في الغالب تأتي الفتيات هاربات من المناطق وأحياناً من سكين جريمة الشرف إلى بيروت. وسرعان ما تنزلق الكثيرات منهن إلى ممارسة الدعارة. ما أن تدخل في هذه الدوامة حتى تسجن في استغلال جديد، من القواد والزبون معاً، وتجرفها أزماتها النفسية إلى إدمان الكحول أو المخدرات.
هن يصلن إلى دار الأمل عبر صديقات يعرفن عن الدار، أو عبر جمعيات متخصصة أو مخفر حبيش. تبدأ المتابعة الفردية مع الواحدة منهن على جميع الأصعدة التي ذكرت سابقاً، لكن الأهم هو شعورهن بأنهن التقين أخيراً أناساً لا يستغلونهن.
المساعدة الاجتماعية نهاد بستاني تبدو كحافظة أسرار العشرات من النساء. تقول: الدعارة نوع خطير من الإدمان. ترفض الواحدة تركها لأنها خائفة من العودة إلى ما قبلها، ثم أنها ترى الجنس تجارة مربحة، غير أنها لا تدري بالعواقب الصحية والنفسية. يخسرن ثقتهن بأنفسهن ويكرهن أجسادهن وحيواتهن. دور المرشدة هنا هو تعريفها على مخاطر عملها، وتعريفها على حقوقها القانونية، وإعادة الاعتبار إلى صورتها كإنسانة، وإلى أن الأمل ما زال قائماً.
الفتيات من جنسيات عربية عديدة، من اللبنانيات والسوريات والمصريات والفلسطينيات ومؤخراً المغربيات والتونسيات اللواتي يعملن في الملاهي الليلية فحسب. هذه الملاهي تدّعي أنها لا تقدم خدمة الدعارة، بل تسمح بتواجد الفتيات فحسب. غير أن العملية تتم مواربة ولا يمكن الخروج مع الفتاة في اليوم التالي إلا بموافقة ذي النفوذ عليها في الملهى في الليلة السابقة.
عالم من دون سقف للجشع، لذا فهو من دون رحمة. والفتاة التي تعيش في نعيم سنوات الشباب ستعرف قسوة حياتها حين يتسلل العمر إلى ملامحها وإلى جسدها. ومع رحلة الهبوط، السريعة في العادة، تكون قد وصلت إلى الحضيض.
دار الأمل يبدو كما يواجه إعصارا دائماً مستمراً، وبإمكانات متطوعين واعتماداً على التبرعات. مع ذلك، فهو وسّع دائرة اهتمامه لتشمل النسوة المعنفات جسدياً، والسجينات والأطفال الذين يتعرضون للإستغلال الجنسي. ومؤخراً، صار يمكن إجراء فحص لمرض الأيدز مجاني وسري عن طريقه.
نحن نتابع كل تفصيل يتعلق بضحايا البغاء، تقول بستاني. نحن نقدم صنارة الصيد ولا نقدم السمكة، تقول قرى، لكننا أحياناً، ولفرط مأساوية الحالات التي لدينا، نضطر إلى إعطاء السمك.
عنوان مقر جميعة دار الأمل: سن الفيل - حرش تابت - بناية غزال. قرب مستشفى الحايك.
هاتف: 01241164
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























