لا تبالغ…
كتبهاجهاد بزي ، في 26 أغسطس 2008 الساعة: 12:51 م
لكنني أقول في نفسي: لن تجيد الكتابة من دون سجائر.
*
حين يريد الواحد أن يبالغ، يصف الموت بالجبان. يريد ان يرثي الرجل المهم فيقول له: تسلل الموت الجبان إليك وأخذك من خلف. هل يقول “أخذك من خلف”؟ لهذا التعبير معنى مغاير. لا. التعبير هو: الموت الجبان الذي لم يجرؤ على مواجهتك (لماذا لا يجرؤ؟) تسلل من وراء ظهرك وسرق روحك وهرب. لننتبه الى ان الموت الذي نصفه بالجبان هنا ليس موتاً عاماً، بل الموت الخاص بالرجل المهم وحده، وهو موت جبان. هو موته إذاً. الواحد حين يبالغ، يذم الرجل في موته، أي يذمه تحديداً في آخر شيء قام به (الإمتناع قسرا عن التنفس إذا شئتم). هكذا، تعلق هذه الذكرى الاخيرة عن الرجل المهم: كان موته جباناً، وقد أتاه من خلف وأخذه خلافاً للطبيعة!.
*
واقول في نفسي: لا باس إذا بالسطور السابقة، غير أنها تجريبية. لن أضعها في الجريدة. سأنشرها في البلوغ. سيقرأها هلال شومان على الأقل. هلال يقرأ كل شيء. لا مبالغة. هلال شومان يقرأ، حرفياً، كل شيء. هلال صديقي اللطيف، انساه الآن واتابع مقالي. المهم: حجزت قارئ كل الاشياء.
*
أظننا نقع في المبالغة، ثم نصير اسرى عباراتنا. تقول الواحدة للواحد: لن استطيع العيش من دونك. يقول لها: وانا ايضاً. لماذا لا يجرب عبارة أخرى مثل: “جربي، قد تفاجئين نفسك”. منال لا تقول لي مثل هذه العبارة. في المرة الاخيرة قالت: نكتب البيت الجديد باسمي، ونكتب السيارة باسمي، ونتنازل (لي) عن الصبي”…
لم اسمع كثيراً بعدها. شعرت انها رتبت حياتها تماماً، وما أن تتخلص من هذه الزائدة الدودية (أنا) حتى تنطلق في حياة جديدة رائعة (رائعة هذه مبالغة كتابية يجيدها الشوفينيون اللبنانيون أكثر من غيرهم. هؤلاء يستخدمون كلمات مثل: لبنان! صباح! فيروز! وديع! جبران خليل جبران! رائع! خلاب! بامتياز!(تستخدم في الاعلام الشوفيني)). تمزح منال. (الآن، وأنا أكتب، يهجم الشعور بالحاجة الى النيكوتين. اشعر بصدري يضيق، تتقطع انفاسي، ويخالجني ما يشبه الحكاك على طول القصبة الهوائية. يتعالى الضيق تدريجاً، ويهبط علي الشعور بلا جدوى الاقلاع عن التدخين. يرتفع أكثر. سيدوم لثوان، ثم يأخذ بالهبوط تدريجاً، إلى الاضمحلال. لقد ذهب، وترك مكانه احساساً عاليا بالارتياح، يشبه تماما الاشباع بالنيكوتين. حسناً. ارتحت. ساتابع.)
غالباً، هذا النص سيكون بلا نهاية.
*
“بلا نهاية”، لا تعني أنه سيستمر إلى اللانهاية (استغفر الله). “بلا نهاية” تعني أنه قد ينقطع الآن هنا.
*
مثل هذه المفاجأة قارئي العزيز (هلال شومان)، قد تقع في أي لحظة، وبما أنني حذرتك، فتابع، على مسؤوليتك. وعلى مسؤوليتك شعور بسيط بالاحباط ستطفئه بشتيمة تافهة.
ما الذي كنت اقوله؟ نعم. أنا أجرب الكتابة من دون سجائر. الكتابة من دون سجائر. وقعها يرن مثل: الايطالية من دون معلم. الايطالية من دون معلم؟ أو الاسبانية من دون معلم. الروسية من دون معلم. هل هذه عناوين الكتب؟ يا له من إيحاء ايروتيكي شديد المباشرة. لم انتبه إليه يوماً. هكذا إذاً. إنها خطة محبوكة لبيع مثل هذه الكتب. إنهم يقولون لك من خلال هذا العنوان الجنسي، أنك إذا تعلمت اللغة الايطالية (او الاسبانية او الروسية..) فإنك حين تسافر إلى بلد اللغة (التي بت تعرفها) ستتعرف، وتضاجع بالطبع، نسوة من البلد.
ما الذي يشد الواحد إلى مثل هذه الكتب، إلا ما تحركه هذه العناوين من اثارة جنسية دفينة في اللاشعور الانساني الفرويدي عند الهو في الانا؟ أوكي. انس هذه العبارة. كانت مزحة سمجة. غير أنني فعلا احاول إيصال فكرة، وجهل لماذا اوصلها. تذكرْ: لستُ ملزما امامك (قارئي وليس أنا الاخرى خاصتي) بشيء. قلت لك، هذا نص تجريبي يرافق اقلاعي عن التدخين. وقد اقطعه في أي لحظة، وسانشره في مكان الكتروني شديد الحرية، البلوغ، ويمكنني، ببساطة، أن أمحوه.
*
عرفت. اذا كانت الكتابة مع سجائر تشبه الشجرة، اي أنك قد تبدأ من أي مكان وزمان وفي الحكاية، أي ورقة او غصن في الشجرة، ثم تعود لتكتب الشجرة كلها، اذا كانت الكتابة مع سجائر كذلك، فإن الكتابة من دونها، تشبه الدوران في متاهة من حلقات تودي الواحدة فيها إلى الاخرى. هكذا، عالقا في حلقات ذهني المتخبطة بحثاً عما تبقى من نيكوتين مفقود في دمي، أجدني أكتب: يمكنني أن اقطع الكتابة متى اريد لأنني أجرب في الكتابة من دون سجائر وأنت قارئي (هلال) لست ملزما بقراءتي. وانا زائدة دودية تنتظر منال التخلص منها في اقرب فرصة وبعملية جراحية سريعة، وانا اكثر حرية لانني أكتب في بلوغ، اشرب الماء واستمع الى لويس آرمسترونغ وأكتب في داوئر عن انني أكتب في دوائر عن انني أكتب في دوائر عن انني…
بدأت التجربة تصير ممتعة. اشك أن أحدا غيرك، عزيزي هلال، ما زال يقرأ.
*
ساعة!
أنا بحاجة ماسة إلى سيجارة من فئة “أوه نيكوتين”. يا الله. لم أتخيل في حياتي أنني سأكتب نكتة بهذه السماجة. أوه نيكوتين؟ معقول يا بزي؟ دخّن. قم ابحث عن علبة التبغ ودخّن. قم ارجوك. أوه نيكوتين؟! أوه نيكوتين!! (عزيزي القارئ ارفع صوتك الداخلي وانت تكرر العبارة كي تسمع صداها كما اسمعه أنا في رأسي.. ولا باس إذا كان لديك طريقة أخرى في قراءتها.. لقد اصبحت ملكك الآن، ولك الحرية بقراءة “أوه نيكوتين” بالطريقة التي تراها مناسبة للإستغراب. ابتع فقط موسيقاك الداخلية.
تعبت. هناك ضجيج حقيقي في راسي. ولله العظيم راسي يضج عند الصدغين. إنه البحث المضني والمؤلم والقاتل عن النيكوتين في الدم. لكنني سألعب مع دمي، سأصنع قهوة. يبدو أن الدم لا يميز كثيرا بين النيكوتين والكافيين. قهوة. دقائق وأعود (أنت عزيزي القارئ لن تجد هنا ما يؤكد لك أنني ذهبت لدقائق. لن تشعر بالفارق الحقيقي لأننني سأتابع حيث توقفت، مع قهوتي التي حتما سأخبرك عنها. ربما تقوم لدقائق وتعود لتتابع هذا النص معي. قم أتصل بي مثلا وقل لي ما رأيك بما قرأت حتى الآن.. يا هلال).
قهوة
هل قد عدت. أعذرني على التأخير. قه قه قه. (هناك طرق اخرى لكتابة الضحكة منها هاهاها. انا احب قه قه قه. مفخمة)
عدت ومعي فنجان القهوة. لكنني تأخرت لأنني كنت ألتهم وجبة خفيفة. لا أخفي أنني جائع طوال الوقت. وجدت في البراد صحنا فيه نحو ملعقتين كبيرتين من مربى المشمش. أضفت الى المربى موزتين، وأخذت من الثلاجة طرة من البوظة باللون الفستقي هي الوحيدة الباقية في علبة البوظة. أظنها بطعم الفستق (نسبة إلى لونها). وضعت العناصر الثلاثة جنبا إلى جنب ثم التهمتها. الآن أستمتع بطعم النيسكافيه غولد من دون حليب ولا سكر. جاد يأتي الى الشرفة ويضع ما يلتقطه بسبابته وابهامه على الطاولة. أنظر فلا أجد شيئاً: من ماما يقول، ويذهب. يعود حاملا “لا شيئ” جديداً ويضعه على الطاولة. “خود بابا.. من ماما”. اظنها ترسل إلي القبل، حبيبتي! سترسله من غرفة الجلوس الي حيث اجلس على الشرفة بمئات القبل المتتالية، ريثما تنتهي الحلقة 147 من “نور”.
الآن سأحكي عن الجوع. الاقلاع عن التدخين يترك نهماً للطعام. أولاً، يختلف طعم الاشياء. تُشحذ حاسة التذوق (اظنها ترتبط بحاسة الشم التي تتحسن بدورها). يصير الواحد قادرا على الوصول الى نكهة الاشياء منفردة أو مجتمعة. يمكنه، اذا اكل البيتزا أن يتذوق عناصرها كلها في لقمة واحدة.. يمكنه أن يميز طعم الخبر، والزبدة، والزيت، والبندورة، والبصل، والبيبروني و..
أظن، مع الوقت، ستتطور حاسة التذوق عندي، وسأتحول إلى نسخة شبيهة ببطل رواية العطر. أصير قاتلاً.
لا بالطبع. لن اصير قاتلاً. هذا مجرد مزاح. هجم الشعور الآن. سيجارة. سيجارة واحدة. عنقي يؤلمني. نفسي ينقطع. آه. أووه. إييه. حسناً أنا أبالغ.
*
ضجرت. سأتوقف عن الكتابة الآن.
التاريخ: الاحد في 24 آب 2008
الساعة: 11:45 بي أم.
الساعة: 11:45 بي أم.
*
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لا تبالغ | السمات:لا تبالغ
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 27th, 2008 at 27 أغسطس 2008 3:06 م
صديقك اللطيف (*) يحييك…
أحلى ما في الموضوع إنو شفتك اليوم ولم تعلن عن شيء بخصوص المكتوب أعلاه. موقف فيه شيء من الإفحام يا رجل!!! يعني 1- 0
(*) اللطيف: يأبى الذكر الشوفيني اللبناني استخدام هذا النعت ليصف به نفسه، لأنه يكسر له الصفة “الزغرتية” -من زغرت أي أبضاي ويفهم في كل شيء. (مثال غنائي عنه: هو في “انشالله ما بو شي”) - الذي يحاول مظهرتها.
قال إنو جيت لقلَك : “تابع التجريب”، بعدين وعيت على حالي إنو صرت شوفيني لبناني يوزع التنظيرات على باقي الخلق!
“يتبع” هي شيء من تأثيرات ” نور”؟
وغير هيك، وعدا انتظار الحلقة التالية من هذه المتوالية الكلامية، إصمد وبلا نيكوتين يا رجل.
بقلَّك شي؟ جرِّب إلعب طاولة (-:
أغسطس 30th, 2008 at 30 أغسطس 2008 4:56 م
على سيرة الفستق …
كنت و صديقة في مقهى شعبي و طلبتْ صحنا من البوظة.
سألها النادل عن النكهات التي تريد فاجابت : كل الفواكه .. من دون شوكولا.
فعاد و سألها : و فستق؟ بدك فستق؟
ردت صديقتي : ايه .. و فستق.. مش غلط .
ثم استدارت نحوي و قالت بصوت خفيض كمن يكلم نفسه ” ما بعرف اذا الفستق يعدّ من الفواكه ..”
****
في محور آخر ..
سين : ما المشترك بين مهنة الصحافة و البوظة؟
جيم: the scoops!
و عيش بلا نيكوتين يا جهاد
أغسطس 31st, 2008 at 31 أغسطس 2008 9:49 ص
عفوا بس.. الشوكولا من الفواكه؟
وتبعا للعادة: وشكرا لمرورك الكريم في مدونتي المتواضعة يا اخت امل!
أغسطس 31st, 2008 at 31 أغسطس 2008 1:05 م
الظاهر إنو هلال مش وحدو صامد!..
:)..
سلام صديقي
سبتمبر 1st, 2008 at 1 سبتمبر 2008 12:07 ص
كلماتك أدخلني في متاهة
سبتمبر 20th, 2008 at 20 سبتمبر 2008 5:50 م
ابتسمت كثيرا وانا اقرأ
وانهيت ادراجك بضحكة
لا ادري ان كان يحق لي التعليق
والقارئ الوحيد هو هلال
لكن بما انّ المقال هنا … من حقي القراءة والتعليق
اعجبت جدا بمقالك ( ليست مجاملة كلاسيكية) واجمل ما فيه انّ القارئ يراك ويشعر وكأنه في جلسة حديث شخصية معك
وليس امام شاشة حاسوب يقرأ لك
اعتقد انك تناولت سيجارة بعد هذا المقال
اردت قول الكثير
لكن تاهت مني الكلمات
اهم ما اردت قوله اني اتمنى لك مزيدا من الابداع والتالق
تحياتي لك ولقارئك ولمنال ولجاد ايضا
سبتمبر 21st, 2008 at 21 سبتمبر 2008 8:17 ص
وين ال “يتبع” ؟
الظاهر رجعلك النيكوتين:)
تحياتي جهاد
سبتمبر 21st, 2008 at 21 سبتمبر 2008 5:13 م
اليتبع مخجل فعلا..
عدنا، والله اعلم، ندخن بشراهة أكبر من السابق. اقول قولي هذا واستغفر الله العظيم..
أكتوبر 3rd, 2008 at 3 أكتوبر 2008 6:23 م
هذا التجريب أحبّ إلى العين مما تنشر في “السفير”.
أكتوبر 5th, 2008 at 5 أكتوبر 2008 3:08 م
يا عين..
أكتوبر 7th, 2008 at 7 أكتوبر 2008 3:50 م
يا أنف اذن حنجرة:(
أكتوبر 13th, 2008 at 13 أكتوبر 2008 9:36 ص
وبقول آخر منسوب الى بلبل أفندي: يا وعدي