بحثاً عن الحرب
كتبهاجهاد بزي ، في 14 أغسطس 2008 الساعة: 12:09 م
السفير في 14 آب 2008
إلى الأيوب
في الثامنة من صباح الرابع عشر من آب عاد الإحساس بالوقت. طوال ثلاثة وثلاثين يوماً، كان الزمن يمر من دون الانتباه إليه. لم أكن أعرف تاريخ اليوم، واسمه. لم أحفظ قط ما هو رقم اليوم في الحرب. كنت الجأ إلى الصحيفة التي تعد تلك الايام في سطرها الأول، لأعلم كم مر علينا.
حين يضيع الاحساس بالوقت، يصير مروره أطول. أصعب. تعذيب إضافي يشبه الحرمان من النوم في السجون. ثلاثة وثلاثون، رقم قليل الآن. حينها، أتى الرابع عشر من آب كأنه وصل أخيراً، بعد دهر. غير أنه بدا، أيضاً، كأنه اليوم اللاحق للثاني عشر من تموز. كأن شهراً لم يمر. كأن يوماً واحداً بدأ صباح الاربعاء في 12 تموز، وانتهى صباح الاحد في 14 آب.
ليوم واحد استمرت حرب تموز، أو لدهر. لم أعد أذكر. بعيدة تلك الحرب. بعيدة جداً. أجدها إن أنا بحثت عنها؟
رائحة
أحاول وأفشل في استرجاع تلك الرائحة. مراراً حدقت في الباب الحديدي المغلق للشاحنة المبردة الواقفة إلى جانب مستشفى صور الحكومي، في مخيم البص. هناك كانت تفوح رائحة الموتى. تخرج من الباب المغلق وتعلق في الهواء الصيفي الرطب. حين يفتح فم هذا الحوت الابيض لأخذ نعش جديد، كانت الرائحة المتجمعة في الداخل تخرج في سحابة بخار بارد تمر على الوجوه القريبة وتتلاشى. كانت الحياة مستمرة حول الشاحنة. دكاكين مفتوحة يجلس اصحابها على كراس بقرب واجهاتها. أطفال يلهون ويروحون ويجيئون ويأكلون البوظة. شبان يتحلقون حول طاولة البلياردو. وناس. فلسطينيون ولاجئون جنوبيون. ورائحة الموت واقفة في الهواء.
الصعود إلى الشاحنة لم يكن مغرياً. لا أحد فيها إلا ذكريات آخرين لا حق لي بالتلصص عليها وقد صارت هكذا، جثثاً مشوهة هامدة في نعوش خشبية متقشفة بأرقام وأسماء. نعوش يضيق بها الصندوق الكبير البارد. بينها فسحة صغيرة كان شبان يعبرونها مسرعين ليضعوا حيثما يجدون مكاناً نعشاً جديداً. في المستشفى اعدت الصناديق بمقاييس مختلفة لتكون جاهزة لموت الناس. بعضها صنعت بعد وصول القتيل، كي تقدر على احتواء اطرافه المرتفعة المتيبسة.
لمرة واحدة صعدت إليها. كان المصورون يحيطون بقتيل يلتقطون صوره بينما يقفل عنصر الدفاع المدني السقف عليه. سدوا علي رؤية الجثة، ولم احاول النظر من فوق رؤوسهم. لم اصمد أكثر من دقيقة إمتنعت خلالها عن التنفس. حين قفزت منها، ملأت صدري بالهواء المثقل بالرائحة. الآن، حين أحاول استرجاع الرائحة أعجز. لكنني أعلم أنني بت أميزها. قبل تلك الحرب لم أكن أعرف رائحة الموت. الآن، وبينما اجرب استرجاعها الرائحة، ارى صور النعوش الخشبية، الكبيرة منها للرجال والصغيرة للأطفال. أرى الباب الابيض مغلقاً. أحدق فيه وأضغط على أسناني، يملؤني حقد لا يحتمل.
عيون
لن أتذكر إسماً، غير أنني لا أنسى العيون. عينا ابن قانا الذي فقد كل عائلته. في المستشفى صباح المجزرة يحكي قليلا وينظر كثيرا في الارض أمامه. قليلا ما تلتقي عيوننا. أخجل من النظر في حزنه، وتتوه عيناه في ما لا يمكن أن أن تراه إلا عينا واحد فقد فجراً زوجته وكل أطفاله. هو نفسه، في الرابع عشر من آب كان في منطقة صور ينتظر الجرافة كي تفتح الطريق كي يعود إلى بيته. يومها لم تهرب نظراته. “صعبة. صعبة”، قال عن أيامه بعد مذبحته. و”مع ذلك، إكتب، فداء للمقاومة”. لا تكذب عيناه. تتحديان وهو يكرر عبارته. لم أحكم عليه سلبا او إيجاباً. والآن لا أحكم عليه سلبا أو إيجاباً. أعلم أننا تناحرنا طويلا حول هذه العبارة المتكررة، وحكمنا على اصحابها من خلالها. لكنني لن أحكم عليها لأنني لا أدعي أنني أفهم أصحابها. أنا اختلف عنهم. لست نقيضهم لكنني أختلف عنهم. أعلم هذا. أعلم أنه لم يعد عاديا مثلي. لقد مر في التجربة التي لا تصدق. أعلم انه علي فقط ان احترم كلامه كما هو، وألا استخدمه ضده. علي حين انظر في عينيه أن اعلم أنني لست قادرا على رؤية العالم بعينيه.
خوف
فقط حين سمعت صوت الصواريخ تهوي، لمستُ الحرب. كان الواحد منها يصفر كأنه يسقط بطريقة لولبية. حين يغيب أزيز طائرة التجسس، هذا الازيز الكئيب الذي يخترق الجلد كأبر صغيرة سريعة متلاحقة، يقوى هدير الطائرة المقاتلة الخفية. يعلو الى الأقصى، ثم يختفي لتبدأ صفرة الصاروخ، خفيفة أيضاً، ترتفع بسرعة. هي بضعة ثوان. مع الصوت الذي يبدو آتيا نحوي أركض. أسمع لهاثي وصوت قلبي الطارق بعنف. أراني ممداً وساقي المقطوعة بعيدة عني. أراني ممزقاً إلى أشلاء. يسود الصمت ويدوي الانفجار. افكر أنني نجوت. اين ترمى هذه الصورايخ؟ ليس بعيدا من هنا. هل قتلت أحداً؟ لا أظنني فكرت بهذا حينها. كنت افكر بي. حقاً تمر حياة الواحد أمام عينيه في لحظات الخوف الشديد الساحق. تمر حياته أمام عينيه، بلا ترف الاسئلة الكبيرة عن النجاح والفشل. تمر حياته الرقيقة. تمر وجوه. رضيعٌ وحبيبة وصديق وأم وأب. تمر الحياة كما هي، الحياة التي أحبها. أظنهم مثلي أولئك الذين قتلوا في الحرب. من واجه منهم لحظاته الاخيرة خاف كثيراً، ومرت عليه وجوه رقيقة ورأى نفسه اشلاء ممزقة. أظنه فكر ايضاً انه أحب الحياة التي بعد لحظة سيخطفها منه قاتله. أظنه تعلّق بها حتى اللحظة الاخيرة، حياته التي أحبها.
بحر
في ذاك اليوم نفسه، سبحت في بحر صور، كانني ارتمي فيه لأغتسل من الخوف الذي اجتاحني واصابني بخجل الذكور من أنفسهم حين يخافون. كان محرجاً هذا الخوف من الموت بعد عدد لا يحصى من اطفال ينتشلون من تحت الركام. لكن، هل هي حربي هذه كي لا آسف إن قُتلت فيها؟ ليست حربي، أنا الذي يكره الحروب؟ غير أنني هنا، وليس أنا من قرر الحرب. اسرائيل هي التي قررت. وحربها كانت ككارثة طبيعية. آلة حربية فالتة من أي رقابة بشرية. تضرب كيفما اتفق. كائن متفوق من كوكب آخر يصل ويبدأ يسحق كل ما يتنفس. ما الفرق حقاً بين الموت باسرائيل أو بزلزال يضرب الآن باقصى درجاته. أظنه واحدا، الموت. حين يصل العنف البشري الى هذا الحد من الهمجية، حين يصير بلا عقل، تماماً كالكوارث الطبيعية، تنقلب معادلة القوي والضعيف. تصير المواجهة اسهل. حين تصير الموجة الآتية بحجم جبل، فأنت الواقف على الشاطئ والعالم بأن الهروب منها مستحيل، لن تعطيها ظهرك، بل ستقف وتنظر إليها. ولنر.
في ليل ذاك اليوم، وأمام بحر صور الذي يضيء ويطفىء اقصى جنوبه، صاروخاً بعد صاروخ، كنت انظر إلى تلك الموجة. غداً، على ما وعدت اسرائيل، تبدأ هجومها البري وصولا إلى الليطاني. سنُهزم ثانية؟ سنهزم دائماً؟ سبعة وستون جديدة لم أعشها. إثنان وثمانون جديدة عشتها؟ سأظل خائفاً من اسرائيل ومن الحرب؟
لا. هذه الحرب حربي وعليّ أن أخوض في وحلها ودمعها ونارها ودمها. عليّ التوحد مع نفسي في موقفي منها. ولأنها مفروضة عليّ فهي حربي. لا معنى لهواجسي الخاصة الصغيرة الآن. إنها الحرب. إنها الموجة العملاقة التي ستبتلعني وتبتلع ناسي وغدي وحياتي. إنها الموجة المجنونة التي لن تحيد عني. مم أخاف إذاً إلا من هروبي منها. مما أخاف إلا من جبني الصاعد إلى عنقي يخنقني. فلتأت إذاً. إقتربي. ولنر.
أمام بحر صور أضغط على اسناني. للمرة الأولى منذ بداية الحرب، أو ربما مذ عرفت باسرائيل، لا أخاف منها.
جندي
باحثاً عن الحرب، أرى عسكرياً بلحية حمراء طويلة ينحني لينظر إلى المقعد الخلفي في السيارة. يمد صوب الطفل الذي كنته كيس حلوى. أتطلع صوب ابي العابس. آخذ الكيس من الرجل ولا اقول شيئاً. تمشي السيارة بنا ويطلب ابي مني ان ارمي الكيس من النافذة فأرميه. مفتوناً “بالمرة الاولى” التي يحتفل بها الاولاد، سجلت في ذاكرتي أن هذه هي المرة الاولى التي أرى فيها إسرائيلياً. كانت بيروت تستعد لحاصر العام 1982، وكنا هاربين منها إلى الجنوب الذي صار محتلاً.
ظل الوجه المبتسم باللحية الحمراء إختزالا لصورة الاسرائيلي الذي فرض على العائلة الهاربة كيس حلوى لم تكن لتجرؤ على رفضه. هل بدا قوياً وعملاقاً في حينه. لا أظن. الآن أشعر أنني إحتفظت بذكرى واحدة عنه ربما لم افهمها يومها: كان وقحاً. كانت ابتسامته وقحة. هذا ما ظل يغيظني في وجهه كلما تذكرته.
ليس في داخلي وجه لإسرائيلي آخر، مع أنني رأيت الكثير منهم بعدها في النزوح الجنوبي. في الخامس عشر من آب رايت الوجه الثاني وحفظته. وجه ذاك النحيل الذي يضع نظارات طبية. كان جالسا أعلى دبابة تجر دبابة أخرى معطوبة في بيت ياحون. على بعد مترين عنه كنت. لاحقته بعيني. انتظرته كي يرفع رأسه وينظر صوبي. كان وجهاً عاديا يمكن مصادفته في أي مكان من دون الالتفات إليه. قررت أن أختبر الوجه وأن أحفظه.
لم يثر في اية مشاعر. لا الحقد ولا الخوف ولا الدونية ولا التفوق. لا شيء. ظللت أنظر بينما الرتل يعبر أمامي بالدبابة المهشمة العاجزة. وظل الجندي ينظر في أي فراغ أمامه. كنت فقط أريد ان تقع العينان على العينين. هذا، ربما، كان كافياً لأن يفهم كل ما أريد قوله. ان أحرجه بنظرة الاستفسار عما يفعله في بلدي؟ أن اسأله عما إذا كان خجِلا بشعبه دولته؟ أن أسأله عن إحساسه بالهزيمة. أن أوصل إليه شعوري بالشفقة على قوة شريرة كريهة مثله. كنت أريد أن أتشفى من كل حكايتي مع اسرائيل بتبادل النظرات معه.
أحسست أنني فعلت حين لم يرفع عينيه لينظر في عينيّ. لم يجرؤ على النظر في عيني، هذا ما افكر فيه حين أتذكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تموز 2006 | السمات:تموز 2006
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 18th, 2008 at 18 أغسطس 2008 11:21 م
رائع
سمر
فبراير 15th, 2009 at 15 فبراير 2009 2:40 م
المهم أنك لم تأخذ كيس الحلوى