جهاد بزي

الأحد,حزيران 15, 2008


السفير في 15 كانون الثاني 2

»الله حي
الله حي
وسع سكه يمر الضي
شيخنا العاشق
جي وراشق
سهمه وماشي حدي بدي«

لنحك حكاية رامز، بائع اليانصيب.
منذ ثلاث سنوات خلت، حمل رامز بيسراه ملقطا حديديا اسود يقبض بفكيه على رزمة اوراق مستطيلة متشابهة. وفي وسط كل ورقة خيط من خروم دقيقة تسمح للورقة بالانشطار الى نصفين، وتجعل من الورقة ورقتين، ومن الحظ حظين.. وقد قيل قديما ان لكل منا حظه في الحياة.. ورامز منذ ثلاث سنوات يجوب شوارع الضاحية الجنوبية ويبيع اليانصيب.
» يا سيد يا بدوي
يا سيدنا الحسين
مدد يا أم هاشم
يا كحل العينين
مولانا الرفاعي
يا طب الأفاعي
يا سيدي ابراهيم يا الدسوقي
إنت فين«

لنحك حكاية رامز، ونقول انها واقعية. وترافقنا، بينما نحكي، »حلقة ذكر« من الطقس الصوفي الجميل يؤديها سيدي الشيخ امام عيسى، مولاي الذي فقد حظه من النظر وعاش ومات ضريرا. ولمن يريد حلقة الذكرفعليه بالشريط الرقم واحد من السلسلة التي في السوق وهي رديئة التسجيل. لماذا ترافقنا الحلقة؟ لأننا ارتأينا ذلك، ولغاية اخرى نسألكم الصبر الى ان نكشفها عليكم.. اليكم حكاية رامز.
»بنادي عليكو
يا أهل الطريقه
وجوايا شوق
للغزل والحقيقه
وبرايا عالم
مشعلل حريقه
فزعني ولسعني
وكوى قلبي كي
الله حي الله حي«

حين يسخر أحد منه، يكتفي رامز بالابتسام. رامز الذي ولد لاب يبيع اليانصيب لم يؤت من العلم الا قليلا. ضئيلا كان ما تعلمه رامز. شيئ ليس ليذكر. ترك مدرسته صغيرا ولم يعد اليها لانه لم يكن ذكيا. والذكاء حظ ينفخ فيه الفقراء كي يلمع ويعوض عن الحظ في ما يخص المال. ولا احد يدري اين كان رامز وهو ينمو والعالم ينمو معه، فلا العالم يعرف عن رامز ولا رامز يعلم عن العالم.
وقد وصل رامز يوما الى الثامنة عشرة من عمره فوجد نفسه قصير القامة بشدة، يحمل وجها ليس بشعا لكنه من دون ملامح، ما خلا عينا يمنى حولاء.
هكذا نعلم ان رامز لم يترك يوما قبلة على شفاه فتاة، ولم تغمض فتاة عينيها على صورته.
وقد كان من دون موهبة، يكاد لا يجيد صوغ عباراته، لخجل فيه، ولبساطة لا تدعى الا هكذا. رامز كان بسيطا. ولم يكن له صديق. وكان الشعور بالتفوق عليه يصيب كل من يلتقيه. وعن غير قصد منه، كان رامز يعطي الاخرين متعة الاحساس بالتفوق، وكان البعض يسخر منه والبعض الاخر يشفق عليه، وكان رامز يضحك في وجه الجميع، لانه لا يعرف ملكة السخرية المضادة يدافع فيها عن ذاته.
هل كان مسالما؟ ربما.. لا نعرف. فهو لا يفقه في الفلسفة. هو يبتسم فحسب، ويمضي في طريقه. ولأنه لا يملك سلاحا فهو لا يحارب. وسيذهب رامز الى العسكرية، ولكم ان تتخيلوا ما سيصيبه في معترك التهكم والذكورية هو الذي لم يسمع بمعترك الحياة. ولكم ان تستنتجوا انه كما دخل العسكرية خرج منها، ولم يتعلم شيئا.
»تاخدنى المعاصي
آدم جدي عاصي
وأنا راضع معاصي
وشبعان ذنوب
ولو قالوا
عشق المحاسن خطيه
ألم الخطايا
وأفوز بالعطية
وأسافر بحملي
سعيد المطيه
عزيز الخطاوي ما يلويني شي«

من اين تؤكل كتفك يا بائع اليانصيب؟ انت اليوم في الخامسة والعشرين. خال من اي ذنب لعجزك عن اقتراف الذنوب. تفيق في السابعة صباحا وتجوب الشوارع حتى الثانية من بعد ظهر يغسلك شتاء ويشويك صيف. تعود الى بيتك لتقلي البطاطا وتتناول طعامك وتغادر الى الشارع. ترجع عند الثامة لتقلي البطاطا وتأكل وتنام. وتضحك بينما تروي حكاية البطاطا. من اين تؤكل كتفك؟ تضخمت عضلات ساقيك وتقوست قدماك وانحنى ظهرك. اغضب ولو لمرة في وجه احدهم. في وجه من يقلدك حين تحكي او يرمي نكاته السمجة في وجهك. في وجه ابيك، في وجه حياتك، في وجهك. قم بفعل قبيح احتجاجا. تمرد. خالف واحدة من الوصايا. كي تعلن انك موجود. لن تفعل. ستبتسم.. وكتفك لن تؤكل.
»يا سيدنا الأمام
يا حسين يا شهيد
وهلبت عالم
ورأيك سديد«

لنحك حكاية رامز بائع اليانصيب. علمتم الان ان لرامز حكاية يتيمة هي ان لا حكاية لديه. قصير القامة فقير بسيط يعيبه وجه من دون ملامح وحول في عينه اليمنى. ليس مثلنا. فللنظر اليه . كم هو اقل منا، بعيد عنا.. انظروا. نكاد لا نميز قصر قامته و بساطته. نكاد لا نميزه عمن يحيط به. اذا ارتفعنا اكثر فسيختفي رامز. يضيع في جموع متشابهة تصغر حتى تصير خيطا من خروم دقيقة. يا بائع اليانصيب، فهمناك فهمناك. انت واحد منا تعي انك لست تشبهنا. انت منا في خيط الخروم الدقيقة. الخيط الذي يجعل من الورقة ورقتين، ومن الحظ حظين.
هذه كانت حكاية رامز، فلنختمها ببعض من الطقس الصوفي الجميل:
»مين القريب ومين البعيد
ومين اللي باقي
ومين اللي زايل
ومين اللي شايل
ومين اللي طايل
ومين إللي يثبت
في وقت الهوايل
ومين فينا ميت
ومين فينا حي
الله حي الله حي«.