السفير في 11 حزيران 2008
تغيّرتُ، مذ علقتُ الصورة على الجدار.
قبل ان اعلقها كنت أحبه، لكن ليس كما الآن. صار الامر مختلفاً.
أحياناً، أغرق في اليأس من كل شيء. وحين انظر في الصورة، أعرف أنه موجود فأطمئن.
خطوة خطوة أحببته. لم أحبه عن عبث، أو لسبب طائفي. ربما كونه من طائفتي، او بالاحرى كوني أنا من طائفته، فهذا شكل سببا لا يتعدى العشرة في المئة في أن أحبه. هذا لم يمنع ان التسعين في المئة الباقية جاءت عن قناعة تامة.
قررت أن أخرج من طائفتي وانظر الى الزعماء بموضوعية. وضعتهم جميعهم، وهو معهم، تحت الإختبار. بلمح البصر، تساقطوا كاوراق الشجر اليابس، وظل هو وحده. أول ما لفتني فيه هو أنه يملك "كاريزما" لا يملكها غيره. "كاريزماتي" بطريقة غير معقولة، وحتى خصمه يعترف له بالموهبة السماوية التي من المستحيل فك أسرارها، لأنها هكذا، تأتي مع الواحد حين يخرج من بطن أمه، وتذهب معه الى القبر.
حين يتحدث، كنت استمع إليه وأحدق في ملامحه. اكتشفت مع الوقت أن سره ليس في شكله، او في طريقته في الكلام. السر، أولا واخيراً، في الروح التي إن نظرت في داخله تراها. روحه ملآنة بالحنان. روحه، وبصدق وليس لانني أحبه، روحه بريئة. كأنه طفل كبير.
وهو يوحي بالثقة. يمكنك أن تأتمنه على كل شيء، وتؤمن انه لن يفرط بالامانة. لماذا؟ لان لا مصلحة له بواحد نكرة مثلي لم يلتق به مرة في حياته. ومع ذلك اؤمن انه يحمل همي ويفكر ليل نهار بمصلحتي ومصلحة الطائفة (عذرا على الكلمة لكن الواقع طائفي). فعلاً، ما مصلحته؟ لأنه يرى من واجبه ان يحمي الطائفة ويصونها من كل شر. وهذا لا ينفي وطنيته ولا تعصبه وحبه الكبير للبنان.
هو، واكثر منهم كلهم، يريد الخير كل الخير لوطنه. لكنهم لا يسمحون له. لو أننا في وطن غير طائفي، لكن هو الزعيم الأوحد لكل اللبنانيين، ولوضع كل اللبنانيين صورته، ليس على جدران بيوتهم فحسب، بل حفروها في قلوبهم. لكن قائلا قال إن لا نبياً في بني قومه. ولبنان، صدقاً، لا يعرف قيمته.
ثم، أنا استمع الى الجميع، واقرا في السياسة واشاهد "كلام الناس" على الال بي سي والبرامج السياسية على قنواتنا وعلى قنواتهم. ولا اقتنع الا بوجهة نظر الذين معي. لماذا؟ لأنني مقتنع بنهجه السياسي ونقطة على السطر.
اما نهج خصومه السياسي فأنا ضده، ونقطة ثانية على السطر.
كنت اشكك احياناً، لكن، بعدما رفعت الصورة، صرت كلما سمعت شيئاً نظرت اليها فزال شكي. هو وحده على حق. قلبي يقول لي هذا، وكذلك عقلي. هذا الرجل لا يخطئ.
احياناً، وحين اكون يائساً، انظر الى صورته. اشعر انه ينظر الي وان وجهه سينطق. تصعد الدموع الى عيني واضبطتها. أتخيلني جالساً معه، نتحدث كصديقين. أخبره نكتة ما ويغرق في الضحك رافعاً كفه ليضربها بكفي. واعرف أن هذا ليس صعباً، لأنه متواضع. من المستحيل أن يكون مغروراً. مستحيل. لا احد يفهمه كما انا افهمه. لا احد.
وأحياناً أنظر الى صورته واخاف عليه، فاحلم ان صدفة ما تجعلني موجودا في المكان والزمان المناسبين لإنقاذه من القتل المحتم في اللحظة الأخيرة. واحمله بين ذراعي وتلتقي عيناه بعيني ويبتسم لي.. وبعدها اصير من أقرب الناس اليه، فحيث يكون أكون، ولا يثق الا بي.
لن أكذب. اعترف أن في هذا الحلم بعضاً من الطموح الشخصي. فحين اكون بقربه ساصير مهماً، ولن اشغل بالي بتأمين معيشتي، لأنه سيؤمن لي كل حياتي. لكنني ايضاً ساحقق حلم حياتي بان اصير ظلا له. يبقى فقط خطر الموت، وكلنا سنموت، وانا، ناظرا الى وجهه في الصورة، وخائفا عليه من الموت، أقول إن لا معنى لوجودي من دونه، لأنه هو كرامتي وشرفي وقوتي وخيمتي.
ماطلت قبل ان اقرر رفع الصورة على الجدار. فضلت الاقتناع به مئة في المئة قبل ان أشتري الاطار واضع الصورة فيه. غير انني لم ارفع صورته الا بعدما حفرتها حفرا في قلبي.
وأنا أحبه مليون في المئة، ونقطة على السطر.
ملاحظة لا مفر منها: من، لا سمح الله، فاته الإنتباه الى أن أل "انا" في السطور اعلاه، ليست أنا الكاتب الخاصة، بل أنا رمزية عامة وعابرة للطوائف والاشخاص، وجب عليه إعادة القراءة متخلياً عن افكار مسبقة، ومستخدماً مخيلة خصبة بما يكفي للنظر إلى صورة محتملة على جداره او محفورة في قلبه.
كتبها جهاد بزي في 03:55 مساءً ::
تعليقان
في20,حزيران,2008 - 06:46 مساءً, مجهول كتبها ...
"هذا الرجل لا يخطئ"!!! مهما يكن واي كائن كان هذا الرجل، هو حتما يخطئ، حتى الآلهة يخطئون... ثم هذه العادة في رفع الصور وتبجيل أصحابها، مشاهد لا نراها سوى في الدول المتخلفة، هل رأيت في الدول المتحضرة عائلة ترفع صورة لساركوزي أو بوش أو أو أو أو في منازلها؟ لا أظن، هو هذا اليتم الذي يعاني منه الوطن ويجعل ابناءه خرافا تبحث عن أب بديل ولو بصورة شيطان أو حتى شياطين بما أن الواقع طائفي..
في22,حزيران,2008 - 09:24 صباحاً, مجهول كتبها ...
برافو.. وصلت الرسالة
الاسم: جهاد بزي
