السفير في 16 ايار 2008
في هذه النقطة، تلتقي، على الارض، كل ازمات لبنان. عند جسر فؤاد شهاب، حيث يرتفع ساتران ترابيان عاليان، نرى برج المر والاشرفية، خصمي الحرب السابقة، ونرى الاعتصام والسرايا، خصمي الجولة الحالية. هنا خطوط التماس القديمة والخندق الغميق وسوليدير، وتظاهرتا 8 آذار و14 آذار، وضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هنا كل الاشياء.
تجتمع أزمات لبنان فوق الجسر. وعناصر حزب الله وحركة أمل غير مسلحين إلا باجهزة لاسلكية وابتسامات عريضة في اغلب الاحيان، يوجهون الناس يميناً، بعيدا عن الجسر، صوب شارع فرعي في الخندق الغميق يخرجون عبره من عنق الزجاجة ذاهبين الى شرق بيروت او ضاحيتها أو حتى شمال لبنان. والازدحام لا ينقطع. وفي السيارات الملونة، التي بعضها فخم بما لا يقاس، وبعضها الآخر عادي، وبعضها الثالث متهالك، أناس بنظرات مختلفة. واحد ينظر بطرف عينه، حاقداً، وآخر يلوح للشبان بسعادة، وثالث ضجر. والامرأة التي لا تجد لتعبر عن موقفها السياسي المعارض لما تراه، الا الغضب الشديد وتكرار السؤال عن كيفية وصولها الى بيتها، ستجد خلفها من يصرخ بها مطلقا بوق سيارته: يلا! خليها تمشي كونداليزا رايس وحين تكمل طريقها، يمر خلفها رافعا شارة النصر.
واللبنانيون غالباً مفاجئون. في الازدحام، تسأل السيدة الشقراء في المرسيدس الفارهة عما اذا كان هذا التراب موجوداً أمس. ويسأل آخر اين يصير اذا التف يمينا، ويرفع ثالث صوت الموسيقى عالياً، ويرقص رابع مراهق خلف مقوده، وتكاد السيارة ترقص معه، ويعزف الخامس بوق الجنرال، ويسأل السادس، حين تباشر الجرافات العمل عما اذا كانوا يغلقون الطريق ام يفتحونها.
تمضي ساعات الانتظار طويلة. الاولاد عند التلة القريبة ضجروا من اللعب في كرة القدم، فجلسوا يعرضون بطولات خيالية عن انتصارهم في المعارك. وعلى الرصيف لناحية وسط البلد، حيث الاعتصام، يجلس مجموعة من عناصر المعارضة، وعلى الجسر تنتظر جرافتان جلبهما حزب الله لحظة الصفر للإنطلاق في فتح الطريق، وينتظر عمال سوكلين أيضاً، وينتظر المصورون الصحافيون، وواحد منهم اخترع لنفسه مجلة شهرية مختصة بشؤون المغتربين، ليخفي أنه يصور لصحيفة زميلة موالية.
في الاماكن الاخرى الوضع على حاله. بشارة الخوري، مارالياس، كورنيش المزرعة، وطريقا المطار القديمة والجديدة، كذلك الطيونة، حيث ربما الكمية الاكبر من التراب بعد طريقي المطار. قبل السادسة والنصف، لن تضرب جرافة ولو ضربة يتيمة.
قبل ذلك، كان شارع الحمراء، الذي لم ينزل على بلاطه البركاني تراب، ازال الدرك عنه عند الثانية عصرا السلك الشائك الطويل المرتفع الذي امتد من كلية الحقوق سابقا ووصولا الى القاعة الزجاجية. الشريط وضع في حماه ايام الجولة الحربية وزارات السياحة والداخلية والإعلام. شارع الحمراء أمس كان عاد الى مجراه، مع تغيير: اختفت الاعلام المعتمدة حديثا من تيار المستقبل، الزرقاء مع الشمس في طرفها، وحل على بعض الاعمدة اعلام لقوى معارضة.
استعادت بيروت يومياتها، وبقيت، حتى المساء، السواتر الترابية. الشعور بالراحة المطلقة ينسحب على كل عناصر حركة امل وحزب الله فوق جسر فؤاد شهاب. والشاب الملتحي يقول إن التحرك ادى غرضه، أي الغاء قراري الحكومة. وأكثر قليلاً؟ نسأله، فيضحك. لن يجرؤوا بعد اليوم على فعل شيء من دون موافقتنا. يقصد قوى 14 آذار. نتركه لرأيه. فليس بعيداً عنه، يقول الرجل الذي يجهل كيف سيمر من مفترق الخندق الغميق الى برج حمود: ما كان لازم تصير. بس يا عمي اذا ما كبرت ما بتصغر. 3 سنين وهني متل الديوك على بعضهم. اهجموا على بعضكم وخلصونا. وشكله هيك صار. بس ما بتخلص. مين بعد يشيلها من النفوس؟ صعبة. هيدا يللي مات خيو.. وهيدا يللي.. صعبة. ما بتنشال.
واقعٌ هذا الرجل العادي في تناقضات افكاره. لبناني أرمني يتفرج بحياد مبهم الى ثلاث سنوات من صراع الديكة كما أسماه. يريد الوصول الى برج حمود. يبدو هذا، الآن، كل همه.
كان يفترض أن يعلن رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم البيان، ويفك الاعتصام، عند الثالثة. غير أن التأخير راح يقفز من وقت الى آخر. وحولت الثلاث ساعات ونصف الساعة الفاصلة بين الزمن المفترض لإزالة الستار، وبين تحرك الجرافات عند السادسة والنصف، حولت هذه الساعات الطويلة تحرك الجرافتين إلى ما يشبه اللحظة التاريخية، بعد انباء ظلت تتضارب عن المصاعب التي تواجه اللجنة العربية قبل التوصل الى اتفاق. هكذا، حين تحدث الشيخ حمد ، تحرك شبان امل وحزب الله فوق الجسر لكنهم ظلوا ينتظرون الامر الذي أتى أخيرا بوصول الحاجين المسؤولين (واحد من امل والثاني من الحزب) مع بعضهما البعض لإصدار الامر بتحرك الجرافات.
عند السادسة والنصف تماما بتوقيت بيروت، إنتهى مفعول الامر بقطع طرقاتها، وبدأت العملية الصعبة فعلا لإزالة السواتر الترابية،لأن الركام عال. وكان على الجرافات بداية إزاحة حواجز الباطون المصنوعة أصلا لسوليدير وكتب عليها بيروت. وبعدها، بدأت ازاحة التراب وما فيه من صخورعملاقة. مع الجرافتين ركض عمال شركة سوكلين يكنسون الارض خلف الجرافات، ووصلت الشاحنة ذات الفراشي على جوانبها لتقلع سخام الاطارات المحترقة طوال الايام السابقة، وبعدها فتحت خراطيم الدفاع المدني مياهها، فسالت المياه على الجسر سوداء قاتمة. وازداد ازدحام السيارات المارة، تتفرج.
عند السابعة إلا ربعاً، اي بعد ربع ساعة على انهاء العصيان وصل الجيش اللبناني وانتشر على جانبي الجسر. وصول جنود الجيش كان معناه تسلما وتسليما رمزيين أنهيا جولة الحرب القصيرة لكن الهائلة الكثافة التي مر بها لبنان خلال الايام الماضية. السماء في هذه الايام ليست وردية بالطبع، غير ان طائرة للميدل ايست مرت في السماء، اعلنت أن البلد أنهى في ساعة واحدة كل مظاهر الازمة الكبرى، فيما يتردد الدعاء الرقيق من السيدة المتفائلة بأن الله يديم الوفق.
الليل الذي نزل على بيروت امس، هو غير الصباح الذي طلع عليها في التاسع من أيار. فجأة صارت شرايين المدينة ورشة تنظيف، حيثما كانت السواتر مرتفعة. فتحت المدينة اخيراً رئتيها لمسائها الربيعي ونامت. لا ندري أي أحلام رأت.
كتبها جهاد بزي في 10:01 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: جهاد بزي
