جهاد بزي

الجمعة,أيار 16, 2008


السفير في 13 ايار...
يمكنك أن تذهب حيث شئت، يقول ضابط الجيش اللبناني في عيتات.
هو يطمئن سائليه المطمئنين، اصلا، الى حد ما. فالوصول الى هذه النقطة من الجبل كان اسهل من المتوقع. ما ان تخرج من الاوتوستراد الرئيسي عند الجمهور صوب بسوس، حتى تخلو الطريق الا من جمال ربيعي خلاب. بديهي أن هذه المنطقة، بعكس الاوتوستراد، مشلولة تماماً. المحال كلها مغلقة. ولا ناس على شرفة فيلا أو بيت، وليس من يمشي على طريق. لا يشبه هذا يوم احد، لأنه في اي يوم عطلة مفترض، سيطل الناس على طقس كهذا. هم الناس فرضوا على انفسهم حظر التجول، بعد حرب اول من امس.
مدخل بسوس يحرسه الجنرال ميشال عون، في صورة مرفوعة له منذ وقت بعيد. القرية مغلقة. عند محطة وقود يجلس رجلان ستينيان وعامل. هل وقعت مشاكل هنا؟ الحمد لله. ما صار علينا شي. الم تسمعوا اصوات الحرب المندلعة في المنطقة؟ سمعنا كتير. بس هون ما كان في شي. هل نزحت عائلات من هنا؟ لا.  
خبر لطيف ما زال قائماً لدى مسيحيي لبنان المحيدين عن الحرب في الجبل أيضاً. وبعد بسوس، تأتي القماطية ذات الغالبية الشيعية اضافة الى المسيحيين. لا تواجد للجيش اللبناني فيها، وفيها يظهر السيد حسن نصر الله للمرة الاولى منذ مسافة بعيدة، في صورة كبيرة ليست حديثة بالطبع.
 في صالون حلاقة صغير يجلس شابان. يجب أن يبدأ الكلام، بعد جولات الحرب، بالتهنئة على السلامة. بعدها يكون السؤال التالي: كيف مر عليكم نهار أمس؟ يقول واحد منهما إنه كان صعبا. كيف؟ اصوات قصف ورصاص. لكن ليس في القرية. بقيت القماطية خارج المعارك، والخوف كان من القنص من اعلى، من تلة تلات تمانات المواجهة. ليس ما يدعم هذا القول. القماطية حزب الله حاميها، يقول صاحب متجر يخوفه شابان عابثان من ان المعارك ستتجدد عند الرابعة عصراً، فيقرر ان ينزل الى بيروت لمزيد من التموين لدكانه.
في الخارج يمشي مسن متكئا على عكاز. لديه حتما ما يقوله، من دون ان يُسأل: الله يخلصنا. الكل خسرانين. الله يخلصنا. شبعنا. يشير الى ساقه. اصيبت في العام 1986 في بيروت وما زال يعاني منها. يتابع مشيه.
امام محطة وقود يقف ثلاثة رجال. يتداولون في اشاعة مفادها أن المير طلال ارسلان سيسحب يده من الوساطة عند الرابعة عصرا لأن الاشتراكيين لا يريدون تسليم عاليه. بينما هؤلاء يتخوفون من الاشاعة، ويحذرون من الطريق، فالجبل يقبع في مكان آخر، حيث الامر انتهى هنا، وانتشر الجيش، ولم يعد هناك من مشاكل.
أحدهم يشرح عن العلاقة بين القماطية وعاليه، كمثل. يظلون عندنا ونظل عندهم. وكل شيء كان يجري على ما يرام. الجديد عند هذه القرى المتجاورة بعد الحرب، غير مفهوم بالنسبة الى الرجل.
من القماطية الى عيتات، حيث المسافة الطويلة ليس فيها اي تواجد لجيش او لغيره. هنا يقول الضابط عبارته الواردة في البداية، انه يمكن الذهاب الى حيث نشاء، ثم يضيف عبارة أخرى، لا نفهم ما اذا كان جديا فيها، او انها مجرد سخرية سوداء: خلص. ما بقى فيه أحزاب!.
اهلا بكم في عيتات الصامدة، يقول ديب الغوش، صاحب الدكان المفتوح، ويصير من الصعب مقاطعته عن الكلام: عيتات الصامدة. تعرضت للقصف من كل الجهات. شبابها تسلحوا، جفت وبارودة ونزلوا يحموا حدودها. بس عزّت علينا المقاتل البطل يللي قاتل اسرائيل يجي يقاتل عنا. عزت علينا نقوص عليه. اهلنا الابطال يللي حرروا الجنوب ما كان بدنا ياهون يجوا يقاتلونا هون. وما رح سميهون اغراب لأن كلنا لبنانيين. وانا زعلان. ويللي قتل من حزب الله بالجبل شهيدنا.
يشرح الرجل المنفعل، مشددا على حرف القاف، عن العلاقة بين بيصور وعاليه وكيفون والقماطية وعيتات، ويتابع: ان شاء الكبار يعقلوا شوي، ثم يضحك لجملته التالية: الهيئة نحن اعقل منهم. يقاطعه أخيراً شاب جاء لتوه بخبر سعيد: افرجوا عن المخطوفين الاربعة في عاليه. يحمد الغوش ربه.
ومن عيتات الى عين عنوب، تُتابع رحلة خالية من الخطر. في عين عنوب، وامام مركز للحزب الاشتراكي، ترتفع صورة النائب وليد جنبلاط، وترتاح مجموعة من الشبان على كراس تحت شجر صنوبر. تطل بيروت احياناً، بالطبقة الصفراء الباهتة التي تلوث سماءها دائماً.  هنا الهواء نظيف، وان كان الجو العام مسموماً. غير انها آمنة وسالكة طرقات الجبل وصولا الى الشويفات، حيث الاكفهرار ثقيل. فوج المجوقل استقر في مركز للحزب الاشتراكي، في بلدة تنتشر فيها حيث ذهبت صور المراهقين القتيلين من الحزب اللبناني الديموقراطي. يقول رجل إن المعارك كانت قاسية. المراهق بقربه يقول راح منا 17 ومنهم اكثر من تلاتين. من نحن ومن هم؟ نحن، اي الاشتراكيون وعناصر الحزب اللبناني الديموقراطي، وهم حزب الله. عناصر الحزبين، الجنبلاطي  والارسلاني قاتلا جنبا الى جنب، بحسب الشاب. ما تنسى، نحن ابناء ضيعة واحدة. السؤال عن هوية هذين السياسية تلقى امتناعا عن الاجابة، كما السؤال عن اسميهما.
الطريق الساحلية للشويفات، اخيراً. يعود الازدحام، وبضعة امتار تكشف عن بيت جرت فيه معارك قاسية. شبان حزب الله يرتدون الاسود امام المركز الساقط في يوم امس للحزب الاشتراكي. بساعة يقول عنصر حزب الله انهينا المنطقة. تمر دورية من سيارات دفع رباعية عديدة للحزب الارسلاني، ويرفع واحد من نافذة شارة النصر ويحيي شبان حزب الله فيردون التحية باحسن. يتفرج الناس على اسفل جدار كاراج ملاصق للبيت المحترق. يتفرجون على  آثار رصاص فوق بقعة دم كبيرة، تمشي من الجدار نزولا وتكمل عريضة على الاسفلت. لا جثة هنا، فقد سحبت في وقت سابق. بقي على الارض جزء كبير من دماغ بشري. يلتقط المصورون  الصور لجزء الدماغ، ويغطيه الذباب الأخضر. الذباب الذي يظهر فجأة ويكثر بالمئات، حين يزاول اللبنانيون عادة نشاط قتل بعضهم بعضاً.