جهاد بزي

الجمعة,أيار 16, 2008


كُتب الجمعة في 9 أيار، اثر جولة في بير وت، وقد دخلها عناصر حزب الله وحركة امل والحزب القومي السوري الاجتماعي، مسلحين، وسيطروا على شوارعها...
شارع الحمرا. بعد ساعتين طويلتين من أزيز الرصاص ودوي انفجار قذائف الأر بي جي، وعند العاشرة صباحا تقريباً، كان جنود حزب الله ينتشرون على رصيفي شارع الحمرا الرئيسي، بلباسهم العسكري المرقط الموحد، بكامل عتادهم العسكري وباسلحة حديثة ومتنوعة من بنادق قناصة وقاذفات آر بي جي ورشاشات وغيرها. قوة من العشرات تحاكي في شكلها، وفي احتراف عناصرها في الانتشار والتغطية وحراسة المفارق وغيرها، تحاكي جيشا نظامياً مثل الذي نراه في الافلام. حزب الله دخل شارع الحمرا الخالي مغلق المحال والمقاهي عن بكرة ابيه، بعدما نظف الجيوب القليلة التي قاومته على ما يبدو، واسقط في صفوف الخصوم قتلى على ما قال بعضهم وجرحى واسر معتقلين، وصار في اقرب نقطة ممكنة الى قصر قريطم. شارع واحد يفصل بينه وبين القصر.
حزب الله في شارع الحمرا. بعض شبانه غير مسرور تماماً للنتيجة، فقد كانوا يتوقعون معركة ولو صغيرة، لكن المنطقة الساقطة عسكريا اصلا وقعت في ايديهم من دون جهد يذكر، وربما يكون على حق القائل بإن المهمة الاصلية نفذها عشر عناصر فقط.
التصوير ممنوع، وكل الشبان مسلحون. عناصر الحزب السوري القومي الاجتماعي يقفون بالقرب من مراهقين ممدين ارضاً. يتهمونهما بانهما من تيار المستقبل. يؤمران بالوقوف ويتلقى كل واحد منهما صفعة قاسية ثم يؤخذان في سيارة.
جنود حزب الله لا يناقشون إلا حملة الكاميرات. غير انهم حين يوقفون شابا مارا، يحمل كاميرا ويسألونه عن وجهته السياسية يقول لهم: انا اردني ومع 14 آذار. يضحكون. هو ضائع تماما ولا يعرف بماذا يجيب عن الاسئلة لأنه لا يعرف اصلا من القوة التي تحقق معه الآن. ويبدو مصرا حين يسأل ثانية فيقول انه مع 14 آذار. يتركونه يتابع طريقه، بعد مصادرة كاميراته واخذ رقمه هاتفه الخلوي ليقولوا له اين سيتركون له الكاميرا.
بعد وقت قصير يستنفر الحاج المسؤول جنوده وقد بدت من بعيد قوة كبيرة للجيش اللبناني. وبالطبع، يمنع المسؤول اطلاق النار. بعد حوار قصير بين الضابط مسؤول القوة من المغاوير والحاج، تمر القوة يسارا صوب الشارع الموازي الفاصل بين الرئيسي وقريطم. القصر يحميه الجيش ويطوقه حزب الله.
قضي الامر. بيروت الغربية تحت سلطة حزب الله. اما النقاط التي لا يدخلها، قريطم وكليمنصو، وطريق الجديدة وحتى السراي، فلأنه لا يريد أن يدخلها. بعد المعارك الطويلة اول من امس وصباح الانتشار السريع يوم امس، صارت بيروت من دون تيار مستقبل. هجوم اول من امس الصاعق لم يتح للقوى القليلة غير المجهزة مجالا لإلتقاط نفس ولو وحيد. وصباح امس كان المشهد جلياً: هذه قوة محترفة من الصعب، ان لم يكن من المستحيل مقاومتها.
قضي الأمر. ولم يبق إلا الانتشار الكثيف جدا للمسلحين في كل الزاويا.
والفارق بين جنود حزب الله وعناصر حركة امل واضحة في العتاد العسكري وفي اللباس وفي طريقة العمل. عناصر حركة امل في عين المريسة يقيمون حاجزا بالقرب من الجامع ينظرون في قلب السيارات المارّة من دون السؤال عن اوراق ثبوتية. يتحدثون الى الاعلام بسهولة مطلقة، ودائما يقبلون ان يتصورا شرط الا تظهر الوجوه حينا، ومع ظهور الوجوه في أحيان اخرى. وشبان الحركة يقفون بالقرب من منطقتهم في الطريق الصاعدة نحو الحمرا مسترخين، ومتهكمين على المستقبل وتياره.
قوة حزب الله لا ترتاح. تنساب في نزلة جل البحر من دون ان تترك مجالا لصدفة حيث القناص راكع على الارض يرصد مبنى وآخر يرصد مبنى آخر. وحين تصل الى الكورنيش تنقسم الى قوتين واحدة ترتاح بالقرب من رفاقها في المعارضة والاخرى تمشط الكورنيش برمته في خيط من الجنود الذين نراهم في كليبات المقاومة، على المنارة هذه المرة.
الاغلاق ما زال شبه شامل. للكورنيش ثلاثة رواد، اما الرصيف المقابل فلصبايا محجبات مع حقائبهن الكبيرة. سعوديات طالبات في الجامعة الاميركية يغادرن لبنان ولا يعرفن كيف حتى اللحظة، وتجيب واحدة منها انها ستعود بالطبع، حين يهدأ الوضع. والحافلة التي حملتهن مشت خلف سيارة مواكبة للجيش اللبناني وغادرت شمالاً.
وشمالاً من عين المريسة، تقع حديقة الرئيس رفيق الحريري والشعلة والمكاتب التي تديرها تحتها. حرس الحديقة غائب. يقول عنصر حزب الله إنهم سمحوا لهم بالمغادرة صباحا من دون ضربة كف. وهم موجودون باعدادهم الكبيرة هنا لحماية الحديقة والشعلة. المكاتب مفتوحة ويستخدمها الشبان لحاجياتهم التي على رأسها الصلاة. تصويرهم ممنوع، لكنهم يلتقطون بعضهم لبعض صورا على درج الحديقة. خلفهم المسلة وتمثال الرئيس الشهيد.
بعد فوضى يوم اول من امس العارمة، التقط حزب الله زمام الأمور. نظم صفوف عناصره المنتشرين في كل مكان واستخدم سيارات دفع رباعية الصقت اوراق تخفي ارقام لوحاتها في تنقلاتهم ووزع على هؤلاء الشبان الطعام. آلته تحتاج الى وقت قصير لتحكم سيطرتها على مدينة بحجم بيروت. غير ان اطلاق النار في الهواء لا يتوقف، مع المئات من حملة السلاح في شوارع وازقة بيروت. واطلاق النار في الهواء كان أحدى متع النهار الذي لا حرب فيه بعد المعارك المنتهية  في كركول الدروز، حيث السيارات محطمة الزجاج بالعشرات اضافة الى واجهات محال محطمة ومتجر غذائي اصيب بقذيفة آر بي جي وعمل على تنظيف محله من المواد التي صارت خسائر كما وضع باب حديد جرار للمحل. وبينما قلت اعداد الدراجات النارية، تجولت سيارات دفع رباعي في دوريات مسلحة ايضاً تحت شرفات معظمها فارغ، في الزيدانية وعائشة بكار ومار الياس وتلة الخياط والبطركية وراس النبع وغيرها. وبالطبع، من النادر أن تخلو زاوية من مجموعة مسلحة تابعة لأحد الفريقين.
بعض المتاجر الغذائية والمطاعم والافران في المناطق التي باتت تحت سيطرة المعارضة حديثا عادت الى  فتح ابوابها، اما المناطق المحسوبة على المعارضة اصلا، والبعيدة عن خطوط تماس اول من امس، فمفتوحة بمجملها، وان لم تكن الحركة لم تعد الى عاديتها. ومع استقرار الوضع لحزب الله عند الظهر، بدات الحركة في المدينة تزداد والسيارات تكثر في الشوارع التي غاب عنها الجيش ما خلا محيط كليمنصو والسراي وقريطم وطريق الجديدة.
شعور بالانتصار عارم، يترجم في اقل درجاته باطلاق النار في الهواء بمناسبة وغيرها، ويترجم ايضا في السخرية من قوى 14 آذار وزعمائها، وبالثقة الكاملة بأن امر هؤلاء إنتهى، وانه يجب المتابعة الى جزر 14 آذار المتبقية واهمها السرايا الحكومية، وباستكمال العمل على صعيد البلد برمته.
حزب الله احكم سيطرته على غرب المدينة في ساعات. الى اللحظة، ما زالت هذه السيطرة خبرا يكاد لا يصدق. والمدينة ما زالت تحت سيطرة المسلحين. من جهة اخرى، فإن مدنيي المدينة ما زالوا خجولين في خروجهم اليها. هم في الشوارع لدواعي الضرورة وللوقت الاقصر. يوم المدينة الجديد، التاسع من ايار، اختلافه لا يصدق. لم يعوا بعد ما الذي حدث. وهذا همٌ سيتراجع حتماً امام السؤال عن الايام المقبلة. بيروت التي افاقت في كل يوم من الايام الثلاثة الماضية على مشهد جديد، تبدو كمن تترقب اليوم المشهد الرابع المكتوب لها، والتي لا تستطيع شيئاً حياله.


في18,حزيران,2008  -  02:15 مساءً, ديالا كتبها ...

طبعا ينكّتون بعدما عاثوا خراباً وشقاقاً، فالبلد، في عقيدتهم المهدوية، ليست بلدهم، بل ساحة يعملون عليها كل ما من شأنه أن يسترضي المرشد الأعلى، ويستعجل ظهور المهدي!