الى هامش حرب بيروت
كتبهاجهاد بزي ، في 9 أيار 2008 الساعة: 02:42 ص
حبيبتي..
انت في قبرص. جاد في بيت جده. انا الآن في الجريدة. الخامسة صباحاً. هذا اطول يوم امضيه في السفير. كنت سانام، لكنني قررت أن أنزل الى المطبعة. عالم مدهش. هذه المرة الاولى التي ارى فيها مانشيت السفير مكتوبة بالقلم على الورق، ثم اراها تخرج من هذه الالة الخلابة في جريدة فوق صورة مسلح. اخذت عددا سحب لتوه من بين صف الاعداد المرصوفة فوق بعضها البعض تمشي على الخط. اعذري لغتي هذا الصباح. لن تكون كما تحبينها ربما. انا اكتب من دون ان افكر. يا الله يا منال كم لدي ما اقوله، ولا استطيع ان اقول شيئاً.
سأجرب. ساخبرك قليلاً. لأبدأ. صباح الخير يا منال. جاد بخير. جاد بقلبي. بيروت على عادتها، مجنونة. انت وبيروت، صعبتان، ولا اعرف العيش من دونكما. وانت لست هنا. وبيروت ليست هنا. اظنني في اكثر كآبتي إذ اظنها جميلة في حربها. اظنه سهري الطويل والنبيذ الذي شربته، يأخذانني الى حنين غريب. كأنه حلم كنت انتظره، يتحقق. كانها بيروت في تلك الحرب العتيقة، وصحافيو “السفير” عالقون فيها، ينامون على مقاعدهم. كأنني احقق حلماً. كنت احسدهم حين اتخيلهم في الجريدة يصلون الليل بالصباح. الان انا في “السفير” وفي الحرب الاهلية، والفجر يبدا بعد قليل، وازيز الرصاص باق. ومع ذلك فانا هادئ. اليس غريبا كلامي؟ هذا ما اشعر به. لعلي أواجه ما حدث. لعلي امد ذراعي امامي ادافع عني، انا جاد وانا منال وانا كل ناسي.. لعلي خائف، ومع ذلكلن ادعهم يهزموني.
انا خائف. هذا ما اشعر به واكتبه كلما وقعت حرب صغيرة او كبيرةز انا خائف انا خائف انا خائف. هكذا صرخ الاطفال في رواية لغونتر غراس. انا خائف. يا له من صدق شفاف كماء. يا لها من جرأة لا يستطيعها لا قائد ولا مسلح يختبئ في جدار، ولا متباه غبي. انا خائف. يا لها من حرية يا منال.
في اليومين الماضيين كثر حبه لي، قلبك. يطلب من جده ان يتصل بي، ويروح يحكي ويضحك، ويحبطني انني ما زلت جاهلا بلغته. لكنني افرح. يخبرني اشياء سعيدة، تتقطع كلماته بضحكات وصرخات سعيدة. اخباره حلوة جادي. اخباره حلوة وكثيرة. “وينك يا بابا” قال لي او انني قررت ان اسمعها. هذا كان يوم الاربعاء. عدت الى البيت عند العاشرة ليلا. اخذت السيارة وذهبت اليه. الطريق كانت صعبة، لكن ليس خطرة. لعب بي قليلا ثم رماني جانباً. وحمله جده ماشيا صوب الجنود الذين ما ان رأوه حتى ركض اثنان منهم صوبه. صديقان جديدان. لا يمر يوم من دون اصدقاء جدد. غادرت. اليوم صباحاً ذهبت اليه. عند العاشرة كان الكسول نائما، يضع كفا فوق كف، تحت خده. تفرجت على قرف الشوارع وعدت اليه. كان استيقظ. صوره صديقي فصار يضحك. تركته الى تفاهة الفرجة على اللبنانيين يتناتشون. شعرت بصالة المغادرة كنفس عميق بعد طول اختناق. وددت لو انه الان، على عادته، يرفض ان امسك يده، ويركض امامي، واتبعه الى الدركي الذي سيصير صديقه قبل ان يسمح لنا بالمرور الى طائرة تحملنا بعيدا عن هذا البلد.
امضيت نهارا من دون خطر. اظنه يحميني. ليلاً، حين علمت ان صوت الرصاص يسمع في بيت جده، سخن قلبي. منال. امتلأت غضبا وعجزا. امتلأت بحقدي على لبنان. ما سبب وجودي حين اعجز عن حمايته؟ غير انه صغيري الابدي، على كتفه سأتكئ كل عمري. اعلم هذا. يطمئنني حين اكون خائفاً. هو لم يخف. جلس يلعب في مغطسه الابيض في ممر البيت، وازيز الرصاص يرتفع. صغيري لا يخاف. حدثني على الهاتف. خبأني، ضحكة اثر ضحكة في قلبه، فازال عني رعبي. ارتحت. في الاتصال الذي بعده، سأله جده: تريد ان تحكي مع بابا؟ سمعت “لأ” بعيدة حازمة. عرفت انني لن اغير رأيه الان. فقد ضجر مني ومن خوفي ومن اتصالي كل خمس دقائق.
منال..
امضيت سفرك تبكين. اعتذر كثيراً، احبك اكثر. احبك نهراً تعرفينه.. لا يصل.
صباح الخير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جولة الحرب الاهلية | السمات:جولة الحرب الاهلية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مايو 9th, 2008 at 9 مايو 2008 3:41 م
بكرا رح شوفكم. وبعده بشوي رح نضب غراضنا ونفل عن بلد ثقيل بيقطع النفس