أراه

كتبها جهاد بزي ، في 13 أيار 2009 الساعة: 13:57 م

 

 السفير في 13 أيار 2009

 

لن تسعني الكرسي الخشبية المستطيلة. أجلس على الأرض في الممر بين طبقتين. أنظر في دفتره. بالكاد كتب إسمه في أعلى الصفحة. يداه باردتان. يحلم بأنه الآن في البيت. لم يكتب كلمة مما تقوله المعلمة. ليس ذنبه. كان شارد الذهن حين أخبرتهم عن الاملاء. لا يريد أن يبدو الخوف عليه. يدعي أنه يكتب، غير أنه يمرر راس القلم الرصاص لصق الورقة، ولا يدعه يلمسها. لا يكتب إلا حين تطلب المعلمة جمع الدفاتر. تنهار يده. ترسم خطاً متعرجاً يذهب نزولاً. تحزنه وحدته. وتحزنني. يريد الآن أن يغمض عينيه ويفتحهما فيكون في البيت. لو أضع يدي فوق يده، وأكتب له ما تمليه المعلمة.

***

متردد. في سريره حلم باللحظة التي يهديها فيها القصة المصورة. الآن أجلس على الحافة الحجرية في الملعب. أراقبه من بعيد.  أراه يتخلى عن تردده  وبارتباك يمشي صوبها. يناديها باسمها ويضع القصة في يديها، ثم  لا يحكي. يكتفي بالابتسام ويلتف مسرعاً صوب رفيقه الذي ينتظره. يضع كل منهما ساعده خلف عنق الآخر. ويدوران في ملعب المدرسة الواسع الكبير. يتخيلان قصصاً تحدث لهما. حولهما ضجة لا تعنيهما. يظلان يدوران في الملعب حتى يرن الجرس فيركضان ليأخذا مكانيهما في الصف الذي بعد قليل يمشي كخيط النمل إلى الغرفة، ينتظره فيها أمل التفاتة من الطبقة الاولى تلحقها ابتسامة.

ابقى على الحافة الحجرية، منتظراً تلك الالتفاتة.

***

وجهه شديد الحمرة. منذ ساعات وهو في موقف البناية الخالي. يدور بدراجته الحمراء. منذ ساعات. لم يأكل ولم يشرب. لا يصدق أنه تعلم قيادتها بدولابيها الاساسيين، بعدما نزع والده الدولابين الصغيرين الخلفيين. يمر بي مرة بعد مرة. لا يراني، أود لو يصطدم بي. لكنه لا يفعل. بات راكب دراجة ماهراً.

 أعود حين يرجع إلى البيت بعد هروب من جولة حرب.  يقف على الركام وامام قدميه  الدراجة الحمراء التي لاكتها القنبلة. والده يربت على رأسه.

***

في صباح اليوم التالي أرى والده يربت على رأسه كي يوقظه من النوم. أرى عينيه وهو ينظر في الدراجة البرتقالية بدولابين. أرى والده. هو أيضاً ينظر في عينيه.

***

لا يدرون أنه لن يفهم مزاحاً كهذا. كُسرت الابرة في يد أخيه الصغير وضاع جزء منها. قالوا له إن هذا الجزء قد يكون نفذ من الجرح ومشى في دمه، وربما يصل إلى قلبه ليلاً. أمضى نهاره يبحث على الارض عن الجزء المفقود من الابرة. والآن ينام قرب أخيه. ولا ينام.  يرفع رأسه ويطل على وجه اخيه كل دقيقة. وكلما أتته فكرة أن الابرة ستصل إلى  القلب، يذهب في بكاء مكبوت.

 

***

ممدد على الكنبة. يصل والده. يجده مخبئاً خده بكفه فيسأله عما به. يقول إنه تخانق مع ولد. ينتبه أبوه إلى الخدوش التي تركتها اظافر الولد في وجه ابنه. يصرخ فيه حانقاً. لكن ابنه يخبره أن الولد يتنمر عليه دائماً. وكان مضطراً إلى التقاتل معه. وللخدوش سببها. فقد تفوق على الولد في الخناقة وثبته أرضاً. لذا لجأ هذا إلى الخربشة الجبانة. لا يكذب. فالولد لن يتوقف عن إزعاجه فحسب، بل، ومن ذاك النهار فصاعداً، سيتجنب مواجهته، وكلما إلتقاه صدفة، سيتحايل للهروب من طريقه.

***

يهرول قافزاً من الباص. يصعد الدرج ركضاً. ي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

14 آذار والرقص على قشر الموز

كتبها جهاد بزي ، في 7 أيار 2009 الساعة: 15:46 م

السفير في 6 ايار 2009

 

 

إذا كان غداً هو الذكرى الأولى على السابع المشؤوم من أيّار، فاليوم هو الذكرى الأولى على السادس العجيب منه. وهو يوم لتأمل قوى 14 آذار. في فجره ارتكبت هذه القوى، ممثلة بالحكومة، حماقتها الكبرى، حين أصدرت قراريها المثيرين للضحك، وذهبت إلى النوم، حالمة بما لا يدري به أحد غيرها.
حماقة كبرى، وإن كانت لا تبرر خطيئة حزب الله الكبرى في المقابل، لأن لا شيء يسمح بتلك الاستباحة التي وقعت.
غير أنها حماقة، لأن ما بين الطرفين، في حينها، لم يكن مباراة فكرية صامتة في الشطرنج. كانا عدوين، بمعنى للكلمة لن تكتمل حرفيته إلا في السابع من أيار وما بعده، حين سقطت «14 آذار» في الذهول. أصابها الحزن العميق مما قد يفعله شريكها في الوطن، هذا الذي تبادلت معه طوال ثلاث سنوات حروب إقصاء وإلغاء وتخوين وشتائم واتهام بالتبعية والعمالة. وخاضت معه مناوشات دموية متنقلة. وأغلقت في وجهه الثلث المعطل وأغلق في وجهها، ووجه أصحاب الرزق معها، وسط البلد. وفتح الطرفان كل الجبهة واستخدما كل الأسلحة، ثم جاء السادس والسابع..
حزنت 14 آذار وخرجت بعبرة واحدة من اليومين المشؤومين: حزب الله يستخدم سلاحه في الداخل. ثم ماذا؟ في يد من وضعت هذه الحقيقة وبماذا استفادت سياسياً؟ لا شيء. الحقيقة كانت تلك المطالعة التاريخية للحكومة والتي لا يمكن أن يتذكر الواحد منها إلا أنها تراجعت عن القرارين.
لاحقاً في الدوحة، وقّعت 14 آذار وثيقة استسلام شبه كامل لعدو بالكاد كانت تعترف بوجوده. وبعدها، لم يعد لديها إلا التيار الوطني الحر لتعنّفه مع كل طلّة لواحد من سياسييها وإعلامييها، وتتوقع له يوماً انتهاءه وشعبيته معاً. هذا التوقع صار حالة مرضية أصيبت بها قوى 14 آذار، مذ تذاكت وأرغمت العماد ميشال عون على الخروج من صفوفها، لتصدم لاحقاً بحلفه مع حزب الله!
في تلك السهرة الطويلة، ألم يسأل أحد الموجودين، ولو نفسه، عن خطة التحرك في حال قرر حزب الله خوض معركة حسم عسكرية، كانت قوى 14 تبشر بتفاصيلها التكتيكية مرة بعد مرة؟ وما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ثلاثيات جهاد البزاوي. (1)

كتبها جهاد بزي ، في 22 نيسان 2009 الساعة: 12:29 م

 

 

ثلاثية أعان الله..

 

أعان الله الفتى الذي  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ضعي رأسك على كتفي

كتبها جهاد بزي ، في 25 آذار 2009 الساعة: 13:55 م

 السفير في 25 آذار 2009

لن تحكي. عيناك تقولان إنك لن تقولي ما بك. اهربي بهما. كأنني لن أعرف. قليلاً وتأتين. تضعين رأسك على كتفي وتغمضين عينيك. أمسّد على شعرك، وأعلم لمَ أنت حزينة.
ضعي رأسك على كتفي. لتوّك أتيت إلى العالم. جائعة وبردانة وخائفة. ارتاحي الآن. هذا لون بشرتك. هاتان عيناك، وهذا أنفك، وهذا فمك المدوّر. هذه أصابعك تضعينها على خدّي. صغيرة ترتجف. هذا شعرك. قصير ومبتل. سيصير طويلاً وسنعتني به معاً. تمشطين شعري وأمشط شعرك. غداً تكبرين وتكونين أحلى فتاة في الكون. نامي الآن. لتوّك أتيت.
لو تقولين ما بك. مثل النار أنت. تغلين. اسمها صيبة العين، أبعدها الله عنك. تراني أهملتك؟ لا تبكي. غداً تتعلمين الكلام فلا تعودين بحاجة إلى البكاء. لكنك قد تبكين أحياناً. ستبكين. وستضحكين أيضاً. لأنك لا تعرفين ما بك، فأنت خائفة. هذه سخونة بسيطة. انظري. ها أنا أضع شفتي على جبينك. آخذ منه الحرارة الزائدة. صباحاً يضيء وجهك. نامي. سأغني لك.
جرحت ساقك؟ حبيبتي. هو جرح بسيط. تعالي. نغسله ونضع عليه دواء. قلت لك أن تنتبهي. لا تركضي كثيراً. لا نريد آثاراً على الساقين الجميلتين. غداً كم ستكونين حلوة. أنت يا قمري.
ما بها هذه التنورة؟ صرت تفهمين في الألوان الآن؟ لا. سترتدين ما أقرره أنا. صدقيني ستفعلين. إلا أناقتك يا صغيرتي العنيدة. إلا أناقتك. وحين تكبرين البسي ما شئت.
شيلي يدك عن فمك. ستنبت محلها أسنان بيضاء جميلة مصفوفة كاللؤلؤ. ضحكتك هذه لا تخبأ.
ما اسمها؟ ولماذا سكتِ لها؟ أهكذا علمتكِ؟ ما الذي فيها أصلاً وليس فيك؟ لا تسكتي لأحد. لا تسمحي لأحد بأن يسخر منك. أنت أغلى وأحلى منهن جميعاً. هي غيرتها التي تتكلم. غداً، حين ستعودين من المدرسة، ستخبرينني أنك واجهت هذه الفتاة وأوقفتها عند حدها. لمن ترسمين كل هذه القلوب بالمناسبة؟
هذا كابوس. في المرة الثانية، حين ترين نفسك تصرخين وصوتك لا يخرج منك، فكري أنك نائمة ترين كابوساً، وقولي إنك تريدين أن تستيقظي، فتقومين منه.
تعالي. حطّي رأسك على كتفي. اليوم صرت صبية. لا تخافي حبيبتي. صرت صبية.
يا ابنتي يا حبيبتي يا بلهاء. لست بشعة. قمر أنت. ليس من امرأة بشعة. كلنا جميلات. وأنت أصلا حلوة جداً. من زرع في رأسك الصغير مثل هذه الأفكار؟ هات لي ألبوم الصور. كنت أحلى طفلة في العالم، وأنت أحلى صبية الآن. وكلنا نحبك. لا تقولي لي إنني لا أفهمك. أفهمك. وحياة عينيك أفهمك. لا تدرين كم أفهمك. يكفي أن أشمّ رائحتك حتى أعرف مالك.
عبد الحليم؟! ما بك؟ صار الابتسام ممنوعا في هذه الأيام؟ ما عدت تخبرينني كما في السابق. ماذا قلت اسمه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دجاج

كتبها جهاد بزي ، في 11 آذار 2009 الساعة: 13:20 م

السفير في 11 آذار

إلى المنبر يصعد في جو عابق بالتاريخ. يرى بحراً من البياض البرّاق أمامه. يسمع ما يشبه الضجيج ولا يميز الأصوات. ينظر في رايات تلّوح في الهواء. تسري رعشة العظمة في جسده. من أسفل ساقيه يصعد الارتعاش إلى ريشاته، فتنتفش واحدة بعد أخرى. وينفتح ذيله كمروحة صينية. ينتفخ صدره، ويتضاعف حجم عنقه فيرفعه فخوراً ما استطاع إلى أعلى. تلمع عيناه ويعلو عرفه. ينحني قليلا إلى الأمام، ويملأ رئتيه بالهواء. يرفع جناحه  ويصرخ: يااا جماهير الدجاج تحية.

تنفجر الجماهير. يصمت ويتلفت. هذه لحظة إنتظار ضرورية، فالجماهير سترد التحية، والمناقير المتطلعة إليه ستهتف الآن بجنون: الديك.. الديك.. الديك..

وستهتف: "بالريش بالبيض نفيدك يا زعيم".

 وسيطول انتظاره دقيقة طويلة، فيرفع جناحه  ويلوح به نزولاً بينما ترتسم ابتسامة شكر  على منقاره، طالبا من الجماهير البيضاء أن تهدأ، ويفرح  لرؤية ريشات كثيرة تسبح في الهواء بعدما  أفلتت من أجساد منفعلة لدجاجات وديوك مراهقة، تسري في عروقها حماسة الشباب فتقفز وتقفز.

وكأي ديك عظيم، سيظل صبوراً إلى أن يُخجَل تواضعه، فيضطر إلى بدء الخطاب.

يبدأ بمقدمة هادئة يجول فيها على التاريخ وعلى القيم والمبادئ، ثم، وحين يقترب الكلام من بيت القصيد، ترتفع نبرته، ويتحول خطابه صياحاً: هذا الوطن لكل دجاجه، لا فرق بين دجاجة منا ودجاجة منهم. ولكن يجب على ديكهم وجماهيره الاعتراف بأن هذا الوطن من حقكم كما هو من حقهم، ومن حق الجميع أن يعبر عن رأيه. جميعنا نتفنا الريش في سبيل الوطن. بيضات لا تعد ولا تحصى كسرت وشربت الارض الطيبة سائلها الغالي، فأزهرت  حلوى وحرية وكرامة. جميعنا ضحى من أجل الوطن، فلا تزايد دجاجة منا على دجاجة ولا ديك على ديك. هو وطن الجميع، لكن السؤال: في أي وطن نريد أن نعيش؟ تلك هي المسألة، وهي للأسف مسألة حياة أو موت.

هم يقدمون مصالح البط حتى على مصالح دجاجهم. وما أدراكم ما البط. هم ينقادون إلى تنفيذ غايات البط من دون أن يعيروا أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إحك للبحريين يا بحر

كتبها جهاد بزي ، في 23 شباط 2009 الساعة: 13:04 م

السفير في 23 شباط 2009
مدخلان للسيارات، متلاصقان. الأول أرضه إسفلت، بعارضة حديدية متحركة ضخمة تفتحه أو تغلقه، ويقف عنده حراس أمن مهذبون. والثاني أرضه ترابية حمراء، مفتوح للجميع. الأول ينزل منه رواد الموفنبيك إلى المنتجع الداخل بكل فخامته في البحر. أما الثاني، فستنزل منه هذه النصوص الثلاثة إلى سفح الروشة، حيث «المُغر» ومينا الدالية والبحر والبحريون والرزقة التي على الله.

 

إحك للبحريين يا بحر
يضع رسام سوري مجهول تماماً اللمسات الأخيرة على لوحة زيتية انطلق قبل نصف ساعة فقط برسمها فوق الجدار. في اللوحة نهر بضفتين مشجرتين، وفي الخلفية جبال مكللة بالثلوج. تبدي ابتسامة الريس أبو عثمان كنيعو رضىً عن العمل الفني الذي كلفه أربعين ألف ليرة. لكن، «ولو»، اللوحة ينقصها مركب على الأقل. فهي موضوعة على جدار المبنى الأزرق الذي ينتصب أمام اللسان البحري الصغير المليء بمراكب البحريين ويسمى ميناء الدالية، متيمناً بدالية عنب لا أحد يعرف متى كانت هنا، ومتى اختفت وما بقي منها إلا اسمها.
«مركب واحد يا ريس»، يخاطب أبو عثمان الرسام وترنّ ضحكته في الغرفة الواسعة. غير أن الفنان يرفض بدماثة عالية، لأنه يرى أن عمله الفني اكتمل، ولن يضيف عليه. طيب. ما رأي العم أحمد الحاكوكي؟ «حلوة، حلوة كتير»، يجيب العجوز الذي يقترب من تسعينه، ويعيش هنا في الغرفة، بعدما كبر وحيداً وانقطعت به كل السبل. يكاد يكون مضرب مثل لأسوأ حال قد يصل إليها البحري، صياد السمك. والغرفة هي كل الطابق الثاني من المبنى الخاص بتعاونية صيادي راس بيروت. ينام فيها شيخ البحر هذا، ويستخدمها رفاقه للقاءاتهم وراحتهم وكي يشووا السمك ويتقاسموه مع الشيخ.
على شرفة الغرفة يجلس الريس «ابو عثمان»، أمين سر التعاونية. أمامه ليل ومينا صغير، على صفحة ضفتيه تتهادى بضعة مراكب. نهاراً كانت شمس شباط ساطعة، والبحر «غليني»، لا موج يعكر صفاء الصيادين الذين سرحوا من أجل رزقهم. لكن الأيام غير الأيام يا ريّس. «وما فيه سمكة بالمي». حين يقول البحري مثل هذه العبارة، فلا يعنيها بحرفيتها، «السمكة» تعني كمّ السمك الموجود في الماء، والبحر في شحٍ خلال فصل الشتاء. وهو في شح عتيق أصلاً. مع ذلك، فإن أبو عثمان، ابن السادسة والستين، بوجهه الوسيم الملآن بالعافية، يضحك كثيراً، وهو يروي بلهجة بيروتية صرفة حكاية هذا الأزرق نهاراً، الكحليُّ الغامق المائل إلى السواد ليلاً. هذا البحر الذي إن أنصت الواحد، لعرف أنه يحكي، وما عليه إلا أن يدمن رفقته، حتى يتعلم لغته.
***
محمد (ابو عثمان) هو ابن الريس عثمان كنيعو، واحد من صيادي بيروت العتاق. وأبناء راس بيروت، على ما يقول تاريخ المدينة، امتهنوا في قديم القرن الفائت الزراعة وصيد السمك. ولداً، كان محمد يجول بالسياح في «كروة» على متن الفلوكة الخشبية التي يزيد ثقلها عشر مرات حين تنزل في البحر ويشرب الخشب من مياهه. يجول بهم على صخرة الروشة، وشقيقتها الصغيرة. يدخلهم في مغارة الصخرة العملاقة ويخرجهم إلى الشاطئ المقابل لها. يمر بهم على «المُغر» (المغارات). أشهرها مغارة «الفقاقم» (الفقم). قبل أكثر من خمسين سنة، الفقمة كانت على شاطئنا وقد رآها الريس بعينيه حين كان ولداً. أبوه حكى له أنه طارد الفقمة الأم وفي فمها سمكة تزن رطلين، ودخل المغارة خلفها وأخذ السمكة من فمها، وصارت تصرخ حزينة.
مولوداً في البحر، عاش أبو عثمان فيه. في «أول طلعته»، أي قبل خمس وأربعين سنة، أتى إلى ميناء الدالية، وكان من أوائل الصيادين. لم يكن المينا كما هو الآن، بمبنى صغير، وبضع غرف على طرفيه. لم يكن شاطئه مصبوباً بالاسمنت وله حافة تمنع الموج عن فسحته الأمامية. لا. كان شاطئاً صغيراً من بحص. والغرفتان إلى يمين المبنى بنتهما وزارة النقل أمام مغارة حفرها صياد اسمه حمزة في الصخر وكان ينام فيها. مع الوقت، صار أبو عثمان ريّس المينا، أي كبير هذا النسيج الاجتماعي الذي يصنع في ما بينه تراتبية شبه أبوية، وتحكمه العلاقة الأبوية نفسها، احترام الصغير للكبير، بعكس المثل الشائع عن السمك، للمفارقة.
على أن الثورة الفلسطينية وضعت يدها على المينا في أواخر السبعينيات. وهي التي ساهمت في صب مقدمته بالخرسانة، وبنت الطابق الأرضي من المبنى. ومع خروجها من لبنان، بالبحر، عاد المينا إلى الريّس البيروتي.
في التسعينيات تكفلت وزارة النقل بناء طابقين آخرين. وعلى أيام الرئيس رفيق الحريري، وبعد «طلعة» كبيرة للبحر حطمت المراكب الراسية، وضعت مكعبات حجرية كبيرة إلى أول لسان المينا كي تكسر الموج إذا هاج البحر. لكنها ليست كافية، والسنسول الذي من المفترض أن يقوم يوماً، فيحمي المينا، وترسو مراكب جديدة إليه، ما زال حلماً.
بالأطنان كان السمك في بحر بيروت.. بالأطنان. ذلك كان قبل الحرب. في مرة رأى ابو عثمان رفّ سمك بوري آخره في السبورتينغ وأوّله في مسبح الجامعة الاميركية، بعرض عشرين متراً، وأفواه السمك ترقص على وجه الماء. كانوا يتصيدون «الأجاج في النهار.. في النهار! تخيل!» هذا يعني أن هذه السمكة لم تعد تطلع إلا ليلاً. «كنا نشيل المواسطة بالرفش». أينه الآن هذا السمك؟ الناس صارت وحوشاً يا ريّس. يحكي أبو عثمان عن معضلة البحر التاريخية. في أرشيف الصحف عن صيد السمك، يحمل عنوانا واحدا هو نفسه من السبعينيات إلى الثمانينيات إلى التسعينيات إلى الآن: الثروة السمكية مهددة بالانقراض. السبب الأول كان الديناميت، وقد منع بعد عودة الدولة. السبب الثاني مستمر: الجاروفة، لعنة البحر الدائمة. شباك كبيرة تُمد بالعرض على الشواطئ الرملية. تكون مثقلة بالرصاص ليبقي أسفلها على القعر، وحين تسحب يمشي الرصاص على الرمل، حيث يضع السمك بيضه. يُسحق البيض في رحم البحر. والجاروفة، بالعيون الضيقة، خمسة ميليمترات، تكاد تكون ناموسية تجر كل حي يعلق في شباكها إلى الموت، مهما كان صغيراً. الضحية الثانية إذاً، بعد البيض، يكون السمك الصغير الذي يشال يومياً بعشرات الكيلوغرامات، منه اللقز الرملي، والحبة بحجم عقدة الأصبع، يوارى في رمل الشاطئ لأنه لا يباع أصلاً. غير أن الحصيلة تكون متنوعة، فيها حبات القريدس والسلطان ابراهيم وقد صارا نادرين، والفريدي والمواس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مخيم البارد: هنا يعيش المتروكون في غبار ماضيهم وحاضرهم وغدهم

كتبها جهاد بزي ، في 28 كانون الثاني 2009 الساعة: 11:58 ص

السفير في 27 كانون الثاني 2009
قال رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة السبت الفائت: »كما نود أن نذكّر أن إخوتنا الفلسطينيين اللاجئين هم ضيوف في لبنان، وسنعمل بكل ما أوتينا من قوة لكي يعودوا إلى أرضهم ومنازلهم، وبانتظار ذلك يجب أن نحسن وفادتهم وضيافتهم ونتفهم ظروفهم ومشكلاتهم الإنسانية«.
***
تضرب الشابة المحجبة على الدف، والأطفال يركضون حول الكراسي المرصوفة في دائرة. »ستوب«، تصرخ وتوقف الضرب. يرمي كل واحد منهم بجسده الصغير المكسو بمريول وردي على الكرسي الأقرب. من يفقد مقعده، يخرج من اللعبة. يحل محله واحد آخر، تستمر اللعبة إلى ان يمر الدور على جميعهم، وأكبرهم في الثالثة. تنتشر ضحكاتهم في الفضاء الصغير للفسحة ذات الأمتار الخمسة المربعة، يقاسم الأطفال في جزء كبير منها مولد كهرباء. اليوم مشمس، ولهؤلاء حقهم في اللعب تحت الضوء. تزهو الألوان في فسحة جمعية النجدة الاجتماعية. إن وقف الواحد على الشرفة فوق الفسحة، لمس باليد غبطتهم وألوانهم. وإن رفع عينيه فوق الجدار الذي يفصلهم عن الخارج، رأى مخيم نهر البارد الذي سمي بعد الحرب هنا بالمخيم القديم. خراب على خراب. خلفه البحر.
***
تنبش الشوكة الحديدية العملاقة في الأرض العالية. تشيل الركام وترميه في الشاحنة. المخيم القديم يجرف ببطء يوحي بأن حجر الأساس الذي وُعد الناس بأنه سيوضع مع بداية العام ،٢٠٠٩ لن يجد له مكاناً في قريب عاجل، إلا إذا وضع كنصب تذكاري.
عند الشريط الشائك الذي يفصل »القديم« عن »الجديد«، ترتفع واجهة عالية من بقايا الأبنية المهشمة. الصورة التي تحيل إلى أي حرب عنيفة مرت ببلد آمن. لم يعد لأهل المخيم ما يفعلونه في القديم. دخل الناس في أيام سابقة إلى بيوتهم على دفعات لتفقدها وخرجوا بلا شيء يذكر منها. الآن ينتظرون تحقيق الوعود، ويتنشق العائدون منهم غباراً كثيفاً لستين عاماً من الحياة التي بدأت بكيلومتر مربع واحد فوق »تلة الكستينا« نصبت عليها الخيام في العام ،١٩٤٩ على أمل العودة القريبة حينها. ولما لم يعودوا عاشوا وبنوا وأنجبوا. وكلما زلزلت الأرض زلزالها تحت لبنان ومخيماته، كان مخيم نهر البارد ينجو، لأنه بعيد عن نقاط الصراع، ولأن أهله حافظوا على ما يشبه الريف الفلسطيني. العائلات وأواصر القربى المحمولة من القرى المحتلة حافظت على حالها، وكلمة الرجال الكبار أمضى من كلمة مسؤولي المنظمات. والمخيم انخرط في نشاط تجاري يحكى عنه هنا الآن كعز غابر، وهو كذلك. كان يمكن للعروس اللبنانية، قبل الفلسطينية، الآتية من المحيط الجار، أن تتسوق جهازها كاملاً من »البابوج إلى الطربوش« من المخيم وتفرش بيتها كله، فإن احتاجت إلى قشة تجدها هنا، وبأسعار لا تنافس. لم يبق إلا الغبار الآتي من المخيم القديم، يختلط بغبار الطرق التي صارت كلها ترابية منبوشة في الجزء الجديد حيث ترتفع ورش ترميم البيوت على حساب أصحابها تدعمهم منظمات أوروبية ببعض تكاليفها. هؤلاء يستطيعون الترميم، أولاً لأنهم خارج المنطقة المحظورة منذ أكثر من سنة وسبعة أشهر، وثانياً لأن إمكاناتهم المادية تسمح. غير أنهم أقلية. سكان القديم هم الأكثرية التي تشتتت بمعنى حرفي محبط للكلمة. يعيشون في »كراجات« مستأجرة من »الأونروا« في مخيم البداوي أو في البارد الجديد نفسه، أو في أبنية، أو في المجمعات الثلاثة المسماة »براكسات« وعنها حديث يطول.
***
في محل صغير، يجلس رجلان تحت لافتة لمنظمة التحرير الفلسطينية. تأتي النسوة فرادى يحملن بطاقات صفراء عليها أرقام تؤرخ الأيام. يأخذن بيضاً وعلب جبن مبستر. هكذا يفعل الأولاد أيضاً. كل يومين تأخذ العائلات مثل هذه الحصص الغذائية التي تكبر أو تصغر بحسب عدد أفراد الأسرة.
في مكان آخر، ينزل رجل أكياس الخبز العربي التي تقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة. بيض وجبن من مكان، وخبز من مكان آخر بعيد.
لهذه الحاجيات قيمتها هنا. في التردي الثقيل لحال الفلسطينيين بعد الحرب، لكل شيء قيمته وإن كانت أقل بكثير مما يفترض، من المئتين وخمسين ليرة ثمن فنجان القهوة في مقهى مصنوع من دعامات الخشب والقصب، إلى الألف ليرة لأغلى سندويش في مطعم مجاور. لمثل هذه الأرقام قيمتها في مجتمع متروك تماماً لقدره، ولمؤسسة الأونروا التي من الواضح أنها عاجزة عن التصدي لهذه الكارثة الاجتماعية الهائلة، ولجمعيات ومؤسسات فلسطينية بقدرات محدودة.
حياة تهشمت تماماً، وتردى حال الجميع. رب البيت، عموده، يحمل الهموم مضاعفة. حيث يوزع الخبز، يجلس بضعة رجال يحتسون الشاي. أحدهم لبناني يعيش في المخيم منذ عقود. كان يملك محل حدادة سيارات، يدرّ عليه في الشهر خمسمئة دولار. هذا المبلغ كان كافياً ليعيل عائلة من ستة أولاد وأطفال كلهم في المدارس. اليوم؟ يفرد راحتي يديه: لدي ترخيص للدخول إلى »القديم«. ألمّ حديداً.
يقصد البقايا الصالحة للبيع من أحشاء البيوت. يعمل بأجرة يومية بعشرين ألف ليرة في النهار بضعة أيام في الأسبوع. إضافة إلى الأفواه الستة التي عليه إطعامها، يدفع خمسة وسبعين ألفاً في الشهر بدل نقل الأولاد إلى مدارسهم، وخمسين ألفاً لمدرّسة فلسطينية تعطيهم دروساً خصوصية.
»المصلحة« راحت بالطبع ولم يعوض أحد عليه. هو غير قادر على إعادة فتح محله، وإن فتحه، فلن يجد الزبائن. لا يرى أقاربه نتيجة التراخيص المفروضة التي تقنن إلى الأدنى عدد الداخلين إلى المخيم من غير أهله، فكيف سيصل زبائنه اللبنانيون إليه؟
جاره الفلسطيني أبو رامي فتح دكان سمانة صغيراً، وهو واحد من الدكاكين المنتشرة بالعشرات أقنعةً غير فعالة لإخفاء البطالة المستشرية. »الحمد لله«، يقول. »كان لدي محل لبيع الأحذية مساحته عشرة أمتار. الحمد لله، كان مليئاً بالبضاعة ولم يبق منه شيء. كان المصنع الذي يجلب البضاعة من بيروت يخصص يوماً لتوزيعها على الجوار كله، ويوماً آخر لي. لم يعوض علي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إلى ام جبر وشاح التي في غزة

كتبها جهاد بزي ، في 31 كانون الأول 2008 الساعة: 11:30 ص

السفير في 31 كانون الاول 2008

السيدة الكريمة أم جبر وشاح، تحية طيبة وبعد،
عسى تصلك رسالتي هذه فتجدك والأهل والأحباب على أتم الصحة والعافية، ولا تكون ثقلاً على ثقل، في أيامكم الصعبة هذه في غزة التي في فلسطين.
سيدتي،
لا أدري لماذا أكتب إليك، أو ما أشاء قوله. غير أنني قلتُ أكتب، علنّي أنا أيضاً أرتاح إذ أعبّر عما يجول في خاطري، وهذا يا سيدتي الكريمة، جلّ ما نفعله جميعاً، كل على طريقته، حين الادّعاء الصادق حيناً والكاذب أحياناً بالوقوف إلى جانبكم ومؤازرتكم. بالشد على أيديكم. بالقلب يا سيدتي، وهذا أضعف الإيمان، على ما قال الرسول العربي، وقد كفى الله المؤمنين القتال.
لن أضيف جديداً ولا قديماً. لن أشتم الحكام العرب، ولن أطلب الموت لأميركا وإسرائيل، ولن أبكي دمنا المراق هنا وهناك ثم هنا ثم هناك. ولن أغضب الآن على الانقسام الفلسطيني إذ خرج منذ زمن عن طوره. واسمحي لي، فلن أردد هتافاً ولا أندب عجزاً ولا أحرق علماً. ليس هذا سبب الرسالة، على ما أظن، ولا غايتها.
الغاية أبسط من ذلك، ربما. أسأل خاطرك وأطمئن إلى صحتك وأيامك في هذا الجنون المستعر.
وللعمر حق يا أم جبر. في زيارتك الأخيرة إلى أولادك اللبنانيين، كانت يدك ترجف. وكنت أرتاح إذ أنظر إلى ابتسامتك تبرق بالفرح، وأتوجس إذ أنظر إلى اليد التي جالت لسنين على السجون، تمسّد على الحديد الذي خلفه وجوه الأولاد المعتقلين من كل بلاد العرب. تجعل الحديد أكثر ليناً على ساعاتهم الطويلة.
يدك في بيروت كانت ترجف. تراها ترجف هناك، والليل والنهار يتناوبان جهنماً؟ تراك تعبت؟ أثقل عليك قلبك يا أمي؟ حقه. رأيتِ كثيراً. رأيت إبراهيم الذي على كتفك يذوي كالورد ويغيب بعدما لم يحتمل تلك الرحلة الأولى. ورأيت الرضيع الذي ولد بعد موت أخيه فيسمى على اسمه يذوي هو الآخر كالورد ويغيب. رأيتِ كثيراً يا أمي. رأيت البلاد تؤخذ ورأيت العيال يسرقون من شبابهم إلى موتهم ومعتقلاتهم. رأيت الآتي من خلف البحار يقلب الأرض والبيت والعمر ويجثو على الصدر ثقيلاً كجبل. رأيت الابن يكبر ويُحكم بالمؤبد ورأيتك تزغردين وتلوحين بالشال الأبيض فوق مطرقة قاضيهم وفوق قوس ظلمه، وتعودين إلى البيت أم العريس. وحين تخلين إلى نفسك تبكين، ويظل الباب موارباً لأربعين ليل وأربعين نهار، علّ جبراً يطل، علّه كابوس ينتهي.
لكن لا. لن يرى واحدهم منك دمعة. ولن يرتقي اليأس إلى أدنى خيط في الثوب الأسود والأحمر. وأمّ الأسير تعلم أن الأم دنيا، وأن قلبها دنيا تتسع لنبيه وأحمد وأنور وسمير وغيرهم عشرات. تتسع لتحدٍ هي فيه أمٌ لأسير، تنظر في عيني أم لج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لماذا يا عمر؟

كتبها جهاد بزي ، في 30 تشرين الثاني 2008 الساعة: 19:24 م

المقصود هنا هو عمر حرقوص، صديقي الذي اعتدي  شبان من الحزب السوري القومي الاجتماعي عليه بالضرب الشديد الخميس في 27 تشرين الثاني في شارع الحمرا.. في وضح النهار. وكان وحده…

المقال نشر في السفير  السبت بتاريخ 29 تشرين الثاني

لم أسحبك من بين أيديهم ولم أنقذك كما ظننتَ وقلتَ. لم تكن تعرف ما الذي يجري من حولك. أنقذك وصول زميلي المصور. حين رأوا آلة التصوير في يده اندفعوا صوبه ليمنعوه حتى من البقاء للحظة أخرى. أنا كنت أركض بقربه، ولأنني لا أحمل كاميرا استطعت النفاد إليك.
لو أنني كنت أقف معك حين بدأوا بضربك، لو لم اصل متأخرا دقيقتين فقط، لحطموا أنفي أنا ايضاً، ولكنّا كلانا نعكز على جهينة حتى وصلنا الى الطوارئ.
في مشينا نحن الثلاثة الى المستشفى، وفي وجعك وصراخك، لم تنتبه إلى أنني أنا أيضاً دفعتك وشتمتك وصرخت فيك. ما لك أنت لتغطي موضوعاً كهذا؟ يعرفونك، ويكرهونك، والصحافة ليست حصانتك، بل تهمتك التي لأجلها سُتضرب. ما الذي جاء بك الى هنا يا عمر؟
كنت غاضباً منك! استنكرت ان يغطي صحافي خبر خصم سياسي له، وقبلت تحطيم الأنف الفضولي كقدر لا يمكن الفرار منه. كأنك حددت تماماً مكان الصاعقة المقبلة فذهبت لتقف فيه. كأنك أنت المسبب وهم ردة الفعل. اجتاحني غضبي منك. خنقني وجهك الضائع الملامح تحت التورم، وتوجست من صراخك بالألم في عنقك ورأسك.
الآن، في هدوئي، أظن أن لصراخي فيك سبباً آخر. خنقني أنك، مثلي، بل ربما مثلنا جميعاً، لست مؤهلاً للضرب. خنقني أنك مثلي فرد وضعيف، ولن يمكنك أن تحمي نفسك من غليان الدماء في اوردة الرجال حين ينكبون على واحد أعزل، فلا يعرفون أن اشد المشاهد إثارة للغثيان في الغابة هو حين تعزل مجموعة من الضباع فريسة وتظل تنتشها في كل أنحاء جسدها حتى تقتل. هل رأيت يوماً مشهد الضباع هذا يا عمر؟ الخيط رفيع يا رفيقي. ويمكن للهاتف الخلوي أن يحطم جمجمة أيضاً. والحياة أرّق وأحلى من

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أم جبر وشاح تزور أبناءها اللبنانيين.. تعانقهم وتتفقد ملامحهم

كتبها جهاد بزي ، في 26 تشرين الأول 2008 الساعة: 11:17 ص

السفير في 24 تشرين الاول 2008

لها. للسيدة التي حملت سلة فيها شاي وتبغ وقهوة وحب نادر، تمشي بها من سجن إلى سجن، تسأل عن أحوال أبنائها، اللبنانيين، السوريين، السودانيين… لها. لأم جبر وشاح الآتية من غزة ليل أول من أمس بعد الرحلة الشاقة على المعبر العربي العربي في رفح، ومن مصر الى الاردن إلى سوريا إلى لبنان.  للسيدة بالمنديل الابيض والعباءة الفلسطينية، والوجه المضيء إن بالضحك أو بالبكاء. لليد الغالية الكريمة تسبق أي يد إلى المصافحة، لقلب الأم. لها حلم يتحقق. أن ترى أبناءها اللبنانيين، سمير وبلال وكايد وأحمد وعلي ونبيه وأنور، لأنه “يا عالِمْ، أضل طيب، وأعاود تاني مرة أو لا”. ولها أن يطيل الله بعمرها، إبنة الثمانين عاماً، والدة أسرى لا يعدون، كانوا دائماً يحلّون أمام ابنها جبر الاسير، لأنهم من “الدرويات”، من العرب الذين قاتلوا واسروا من اجل فلسطين. لها. هذا الحب الذي سبحت فيه عيون ابنائها، يتلهفون لعناقها، لتقبيل يدها، لتقبيل جبينها، سيدة الارض الجميلة هذه.

وصلت في ليل أول من أمس. صباح امس جلست في بهو فندق الماريوت، جبر بجانبها وبضعة وسائل أعلام مرئية ومكتوبة. ابنها واحد من رواد الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية. غير أنه يقف إلى  ظل أمه. وهي، حيث تجلس، يصير مكانها صدر الدار الفلسطيني الرحب. في الثمانين، وبذاكرة مصرّة، إن غاب عنها اسم أسير، تظل تسترجع اسماء وأحداثاً، إلى أن تجد اسم من تريد. في الثمانين، وتترك في غزة أبو جبر “بعافية” قليلاً، ويروح تعب الطريق، ولا تشغل بالها بارهاق الانتظار الطويل المتوقع عند معبر رفح حين العودة القريبة. المهم ان تحقق الغاية من المشوار.

يأتي أنور ياسين. تقوم وتحضنه. ما شاء الله ما شاء الله. دقوا على الخشب. تحضنه طويلا، ويجلس إلى قربها. الله يرضى عليكم يا يما تجمعولي الشباب نتفة خليني اشوفهوم. مين عارف.. يقاطعها أنور بالله يطول عمرك.. ورح يجوا لعندك كلهم.

تحكي لمراسلة قناة العالم حتى يقول لها بسام القنطار: ام جبر إجا سمير. تقوم بتثاقل ويدخل سمير القنطار فاتحاً ذراعيه.. “يا مرحبا يا مرحبا”. تحضنه، كما احتضنت وكما ستحتضن كل أم ولدها المحرر. وتدفن وجهها في صدره وتبكي. كانت أمه بالتبني الفلسطيني. كانت تزور جبر حين سمعت الاسير الذي بقربه يحاول اقناع زائرته التي يناديها يا خالة بأن تنقطع بعدما صار المشوار صعباً عليها. تدخلت تريده أن يبقي على زيارة خالته. قال لها إنها ليست خالته وإنه لبناني. “يمّا” نادته، “ج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي