السفير في 6 آب 2009
أمرُّ باسمك لا جيش يحاصرني
ولا بلاد كأني آخر الحرس
أمرُّ باسمك لا جيش يحاصرني
أو شاعر يتمشى في هواجسه
محمود درويش
جموّل صبيّة رقصت وزغردت على هضاب جبل عامل ومشت لساعات في ليل وديانه، قبل أن يقتلها أكثر من سبب.
لهذه الصبية أبناء كثر، بعضهم استشهد، وبعضهم أسر، وأكثرهم ما زال بيننا. إلى الكثر المجهولين من ابناء جموّل، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، هذه التحية التي لا مناسبة لها.
هل غفا نبيه؟
هو ورفاقه الثلاثة محشورون في "تتخيتة" (عليّة) بيت مهجور في دير سريان الجنوبية المحتلة. مرهقون بعد مسير طويل حمل فيه نبيه قاذفة ال "آر بي جي" وبندقيته "كلاشينكوف"، وجعبتيهما، وغالون المياه.
في التتخيتة كوّة تطل على الطريق ينتظر فيها الشبان الاربعة مرور دورية اسرائيلية في اليوم التالي، حيث يفترض أن تنفجر فيها عبوة مزروعة، ثم يشتبك الشبان الاربعة مع الدورية، فيقتلون من يقتلون، ويأسرون من يأسرون. المجموعة الثانية متوارية بين اشجار بعيدة عن المكان، تتالف من ثلاثة عناصر مجهزين بصواريخ "ستيلا". هؤلاء يرصدون المروحية التي لا شك ستحلق بعد نحو عشرين دقيقة من انفجار العبوة فوق المكان. المجموعة الثالثة، من عنصرين، تقبع بعيداً، مهمتها الاسناد. هذه عملية مركبة ونوعية على أبواب الذكرى السادسة لإنطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، "جمول". نحن في التاسع من ايلول العام 1988.
هل غفا نبيه؟ هو جالس في التتخيتة على كنبة، تحت مكيف يبث هواء شديد البرودة على جسده النحيل شبه العاري. في رأسه كيس اسود. لقد جُلب قبل ساعة الى الكنبة تحت المكيف، بعدما وُضع تحت دوش مياه ساخنة جداً، ثم باردة مثلجة، ثم ساخنة حارقة، ثم باردة. لقد ارتخت اعصابه كلها. الآن يرتجف تحت المكيف، يسمع أصواتاً كثيرة. باب يُفتح ويُغلق. صراخ أشخاص يتعذبون. صوته هو يصرخ بعدما يتلقى فجأة لكمات متتالية على رأسه الذي تحت الكيس. يسأله صوت صار يعرفه: من قائدك؟ "جورج حاوي"، يقول نبيه. كذّاب، يقول الصوت. كم شخصا كنتم في العملية؟
أي عملية؟ يفكر نبيه. هو ما زال محشوراً على ارض باردة لتتخيتة بيت مهجور بالكاد تتسع له مع كايد وأحمد وعلي، ينتظرون الصباح كي تمر الدورية و…
أين يغفو هذا الفتى الأسمر إبن السادسة عشرة؟
***
لا. لن يذهب نبيه إلى عيثرون يا ام نبيل، يا والدة الصبي الذي كبر قبل أوانه، يا ارملة الشيوعي الذي أخذه السرطان منك ومن نبيل وزويا ونبيه ومحمد، ليلة رأس سنة 1980. لا. أنظري إليه. يجلس بالقرب ممن هم اكبر منه، يحرس معهم "القصر"، مركز الحزب الشيوعي في طريق الجديدة. أنظري إليه، يضع الكلاشينكوف الروسي في حضنه، منتظراً رنا كي تمر فتراه مع بندقية. يرسم لرنا قلباً بسهم. يضع حرف اسمه وعلامة سؤال. فوق العلامة تترك حرف اسمها. يحبها ويكتب لها قصائد. لذا سماه أحد المجهولين في الغرفة "السرّية" من بيتكِ نيرودا. عملتِ جاهدة على ابقاء الغرفة من بيتك بعيدة عن عيون اولادك. البيت الذي اسكنك فيه الحزب والتي تستخدم جموّل إحدى غرفه مكانا سريا لمقاوميها. لن يخبرك نبيه أنه مرة فتح باب الغرفة التي كانت تشغل باله ورآهم، اربعة منهكين أحدهم تنزف ساقه دماً. واشار المصاب إلى نبيه ان إقتربْ فاقترب. طلب منه ألا يخبر أحداً عما رآه في الغرفة وسأله ماذا يريد. فاشار نبيه إلى السلاح وقال: علمني.
كم كان عمره حينها؟ 12 سنة؟ مر سنتان على الاجتياح. ومن يومها وهو يتعرف على المجهولين المتتالين تستضيفهم غرفة البيت الذي سيدته أم كريمة.
ها قد مر عامان أيضاً. لقد صار في الرابعة عشرة. يعرف أغاني مارسيل خليفة، وناشط في اتحاد الشباب الديموقراطي، ولن يخبرك أنه أجرى دورة عسكرية ليوم واحد. لن يترك الحزب والرفاق ولن يترك رنا ويذهب إلى عيثرون البعيدة المحتلة. هو باق هنا. ولدٌ بين مقاتلين يمرون على الغرفة ويتعرف عليهم ويختفون. وولدٌ بين شبان يحرسون مركز الحزب. واحد منهم يقول له إن رنا برجوازية، ولن تحبه، ولن تتزوجه، فيحزن. هو يحبها، ويحب رائحة البارود ويحب رائحة شحم السلاح.
اسمعي: أرى في عينيك ربيع عيثرون. المس في يديك تراب عيثرون.
هذه قصيدة كتبها لرنا وعيثرون والشهيدة لولا عبود معاً. نُشرت في جريدة "النداء" ووقعها باسم نيرودا عيثرون. وقرأها الرفيق زاهي أسمر في الباص حين كانوا في رحلة. كان نبيه ولدا، يجلس نافخاً صدره ويطوي ذراعه ويريحها فوق النافذة.
حياته كلها مرتبطة بالحزب الشيوعي الآن. لا ترسليه بعيداً.
***
ترك نبيه قبلة على خد رنا. سيذهب إلى عيثرون. لقد أخبر رفيقاً عن نية أمه بابعاده. لاحقاً، يعلن الرفيق للولد أنه من "جمول"، ويطلب منه أن يذهب بصفته مقاوماً سرياً إلى القرية لينقل معلومات عن العملاء وبيوتهم وتحركاتهم وينتظر أي أوامر تطلبها منه "جمول". صار الفتى رجلاً في هذه اللحظة، او هكذا ظن. وامه ستفرح لأنه وافق بان ينتقل إلى بيت عمه في عيثرون، حيث يبتعد عن السلاح، ويتعلم. لكنه تعلم على يد الرفيق كيفية تركيب عبوة. وتعلم كيف يكتب التقارير. قال لرنا إنه مغادر، وزعلت كثيراً فاجابها بانفعال: انا لازم اطلع على الضيعة، من دون أن يضيف، ثم ترك المقاوم تلك القبلة يتيمة على خد حبيبته. للصبي قضية كبرى الآن.
رجع إلى قريته، وصار يعمل وحيداً. تصادق مع كثيرين في مدرسة عيثرون الرسمية، منهم أبناء عملاء، وتردد على الفتيات، ليبدو مراهقاً متفلتاً. لم يحك كلمة واحدة يمكن أن تدل على انتمائه، لم يردد أغنية. لم يستذكر سطرا من قصيدة لمحمود درويش. السرية التامة. فقط "صوت الشعب"، يستمع إليها ليلا وأهل بيت عمه نيام.
ثلاثة أشهر، ونزل إلى بيروت جالباً "الأغراض" معه. تقارير كتبها خارج بيت عمه وكان يدفنهما ملفوفة بالنايلون في جل قريب. جمع معلومات ورسم خريطة القرية وكل ما يراه من تحركات إسرائيلية ولحدية، وحدد مواقع بعض بيوت العملاء. كان يعمل.
رأى الفتى خلال إقامته أن المراقبة ليست كافية. اشترى ورق الكاربون، وصار يكتب على أوراق: أن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تحذركم من التعامل مع العدو الصهيوني. الموت للعملاء والمجد للشهداء. جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. رمى الأوراق على ارض القرية لدب الرعب في صفوف العملاء. وفي المدرسة، رسم على ألواح الصفوف مناجل ومطارق. لاحقا سيعرف أنه أخطأ. شغل بال مجموعات شيوعية سرية في القرية حين شاعت أخبار المناجل والمطارق والبيانات.
من بيروت، عاد إلى القرية يحمل مهمة حقيقية هذه المرة: تأتي فتاة وتسأله: إنت شاطر بالرياضيات؟ يجيب: إيه شاطر بالرياضيات. تعطيه مسدساً ليغتال به عميلاً لحديا معروفاً. انتظر الفتاة وسؤالها ثلاثة أشهر، ولم تأت.
رجع إلى بيروت في عطلة ربيع العام 1987. عمه الذي سمع ان العيون تتفتح على الصبي رافقه إلى المعبر ليلاً، وحين عبر نبيه البوابة ارتاح العم. لم يُرسل ثانية إلى عيثرون.
***
في العام 1987 ذهب نبيه إلى صيدا حاملاً "ظرفاً" يعرّف عن حامله، على جاري عادة "جمّول" في العمل. استقبله وجه يعرفه جيداً. هو واحد ممن كانوا في غرفة بيتهم. صار الآن دور نبيه في الانتظار. ثلاثة ايام بقي في غرفة قبل ان تاتي سيارة تقله إلى قرية جون حيث نزل في بيت سرّي. ظل الى ما بعد منتصف الليل، وقد التحق به ثلاثة شبان يعرف واحد منهم هو محمد رمضان، رفيقه في المدرسة، الذي سيؤسر في عملية لاحقة. نقل الشبان كمية من مادة "تي أن تي" إلى قرية أنان المحتلة في منطقة جزين. مشى نبيه في الوديان حاملا سلاحه وجعبته. نفذت المجموعة مهمتها. ومجموعة اخرى فجرت العبوة بدورية اسرائيلية.
بعد هذه العملية، إنتسب نبيه عواضة إلى الحزب الشيوعي اللبناني. مسؤوله التنظيمي في الحزب لم يكن يعرف أن نبيه في المقاومة. ونبيه لم يكن يعرف أن رفيقه في منظمة بيروت أنور ياسين هو أيضاً مقاوم. والعكس صحيح. حين كان نبيه عواضة في عملية، كان أنور ياسين ينتظره في المركز في بيروت كي يأتي ويحل محله في الدوام في المركز.
تأخر نبيه، ولما وصل، كان أنور غاضباً. لوح بذارعه في وجه نبيه متبرما من تأخره. وحث انور ياسين الخطى إلى المهمة التي سيؤسر خلالها على امتداد 17 سنة.
***
في العامين 1987 و1988 طلع نيرودا في ثماني مهمات، في كل من وادي الحجير وبرعشيت وفرون وفي منطقة كفررمان حيث اشتبك مع دورية اسرائيلية بعد انفجار عبوة فيها. يجهل ما إذا كان قد أصاب إسرائيليا في تلك المهمة،
لكنه خاض المعمودية. غمره فرح عارم. للمرة الاولى أحس بأنه يعوّض عن عملية "إنت شاطر بالرياضيات" التي لم ينفذها.
خالد، للمناسبة، هو اسم نبيه في جمول، وفي بيروت، اسمه نيرودا عيثرون. له صديق اسمه ألكسي، يحكي له عن معنى المقاومة. يقول له إن معارك الداخل كريهة ول
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ