أقترب، بسرعة، مني.
اقترب.
اقترب.
اقترب.
| ► | أيار 2012 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

أقترب، بسرعة، مني.
اقترب.
اقترب.
اقترب.
السفير في 23 حزيران 2010
رسالة جديدة (أو مكررة لا فرق) إلى صديقي باتريك عازار
هذا موتٌ مختلف.
النعش المسجى في مكتبة، نصفه الأعلى مفتوح على مسنٍ أناقته تامة، يحضن يسراه بيمينه، موحياً بعجزه بعد الآن عن الكتابة. غير أنه، في الوقت نفسه، يضع فوق عينيه المغمضتين نظاراته الطبية.
هل يسخر خوسيه ساراماغو؟ يسخر من الموت حتى بعد مماته؟ سؤال يحيل إلى سؤال: أي ميت هذا الذي يحتاج إلى نظارات؟ ماذا سيفعل بها؟ لعله أراد أن يرى الموت لمرة، واضحاً. لعله، هو الملحد، قرر في اللحظة الأخيرة أن يجازف بأخذ نظاراته معه، ليرى الجنة أو جهنم أو العدم، لا فرق، باحثاً عن فكرة ما، بسيطة، لم تخطر على بال أحد من قبل، فيكتب رواية جديدة.
الكاتب في نعشه ليس مبتسماً، إلا إذا أردناه كذلك. إلا إذا أردنا أن نقرأ حواره الأخير مع الموت، بطريقته، متواصلاً، من دون سطر جديد لكل طرف، من دون مزدوجين، من دون قال وقلت. حوار كذاك الذي خاضه دون خوسيه في «كل الأسماء»، مع السقف، انقطع باستسلام الأخير أمام أسئلة خوسيه الكثيرة، واعترافه بأنه مجرد سقف.
أي حوار أجراه ساراماغو مع الموت، قبل الممات وبعده؟ لربما كان: ها أنت انتصرتَ يا موتي العزيز. نعم، انتصرتُ عليك يا خوسيه، لماذا إذاً ما زلت ترتدي نظاراتك؟ فلن تحتاج إليها حيث تذهب. بلى، سأفعل. سأكتبُ عن العدم. وهل ستحتاجُ إلى نظارات كي تكتب العدم يا عزيزي العجوز الميت؟ ربما أحتاجها. ما أدراك أنت أيها الموت؟ أنت لم تكن يوماً نهاية. أنت مجرد طريقة للعبور، ميزتك الوحيدة ألا طريقة أخرى غيرك. حسناً، سأتفقُ معكَ بأنني مجرد طريقة، لكنني أريد أن أعرف: كيف ستكتب رواية عن العدم؟ لا تخف يا عزيزي اللطيف، لن أعدم إيجاد فكرة، وحينها سأشرع بالكتابة، كعادتي. لا تنس، أيها الحرفيّ العتيق، انني أنا حرفيّ أيضاً. خذني أنت إلى العدم، وما عليك، سآتيك برواية عنه.
لا. ساراماغو لن يخوض هذا الحوار مع موته. كل واحد فينا كان وسيكون له حوار أخير، فريد وحميم يذهب إلى ذاك الدرك من القلب، حيث تستحيل مشاركته مع آخر غير الموت. أما هو، الموت، فلا كاتم للأسرار غيره.
خوسيه ساراماغو واحدٌ ممن لا يموتون، إذا ربطنا بقاءه، مجازاً، بما كَتب. لكنه مات. ولم يبقِ منه لهذا الكوكب الوحيد الكئيب إلا رماده وما كتب. غير أن مفارقة خوسيه الأخيرة، الأشد سخرية، أن رماده ما نُثر عبثاً، وكتاباته ما كانت لإثبات ألا سبب لوجودنا غير العبث.
المُلحد قرر أن لوجودنا، كما لانتفائنا، م
لقد مات الكاتب إذاً..
حيث ولد الآن، يتلفت مراقباً. سيكتب عما يرى، لا فرق ما إذا كان في الجنة أو في جهنم، او حيث أظنه مكانه المفضل بعد الموت: العدم الرائع
السفير في 23 شباط 2010
في الطائرة قليلٌ منا. قليل ضئيل يتكوّم في آخر القلب، يدفع النبض إليه. قليل خائف من تلك المواجهة الآتية، لا محالة. هي لحظة نمضي عمرنا هاربين منها. لحظة المواجهة الأولى والأخيرة. لحظة خسارتنا المحتومة… حصاد آخر القلب بمنجل لا يخطئ ولا يسهو ولا ينسى موعداً ولا يتوه عن مكان.
لحظة اللحظة. نظل نبعدها ونبتعد عنها، وتظل تلاحقنا. أليس قليلاً من وجهنا ذاك الذي اتسعت عيناه وخُطف لونهما، وهو يسمع هدير سقوطه من السماء إلى البحر؟ أليس عجزه عجزنا؟ هل هم مجهولون تماماً، هؤلاء الذين على مقاعد الطائرة؟ هل هم مجهولون تماماً، هؤلاء الذين في قعر البحر؟ هل هم كذلك، أم أن بعضهم كامن فينا؟ ألهذا خفنا؟
على موعد دائم نحن مع ما لا نعرفه… موعد مجهول في وقته ومكانه وطرقه. عبث انتظاره وعبث التفكير فيه. عبث الهروب منه وعبث استعجاله. هو موعد مع العبث. من ذا الذي يواعد عبثاً؟
على هذا نمضي، على التجاهل. نقول في قلوبنا إن الشريان يضيق في صدرٍ آخر، وإن نقطة الدم تجمد في دماغ آخر، وإن السيــارة لا تنقــلب بنا، وإن الحرب لا تأخذنا نحن، وإن النمل الخبيث لا يتراكض إلا في لحم غيرنا، وإن الأرض لا تميد تحت أرجلنا، وإن الجدران لا تسقط على رؤوسنا وإن الانفجارات تبعثر أجساداً غير أجسادنا. دليلنا إلى ما نقول هو الذي حـدث لغيرنا ولم يحدث لنا. هكذا نطمئن قلوبنا. بالكذب عليها. بتهدئتها، بإبعادها عن انتظارها المؤرق.
لكنها، قلوبنا، لا تكفّ عن خوفها. لا سبيل لها إلا تلك التخـيلات الكئيبة والتماهي بها. آخر مـا رأته العـيون. الاسـم الأخير والوجــع الأخـير والوجه الأخير والفــكرة الأخـيرة والصـرخة الأخيرة والتمتــمة الأخـيرة والصورة
السفير في 6 كانون الثاني 2010
لم تنشر في مكان آخر
السفير في 30-10-2009
في غرفة الاغتسال المكشوفة، يقف الرجل الطاعن في السن تحت خيط نحيل من المياه الحلوة النازلة من «الدوش». بجهد بالغ يتحرك تحت الخيط. يزيل عنه مياه البحر الميت.
مسن أوروبي أبيض بكّر في الخروج من البحر حيث يطفو في بقعة صغيرة منه عشرات الأوروبيين، معظمهم من المسنين. جلبته إلى هنا، في الغالب، «معجزات» البحر العلاجية التي تؤمنها مياهه ووحوله الحبلى بالمعادن والأملاح المفيدة. الآخرون ما زالوا عائمين على بحر الملح، في النقطة التي تنزل عن سطح البحار والمحيطات العادية 417 متراً. أي أنهم في أدنى مكان على سطح الكوكب.
لا سباحة حقيقية هنا. ففي البحر الذي أفقه ضفة أخرى تعلوها جبال فلسطين المحتلة، يظل الواحد عائماً، ليس لأن المياه الكثيفة ستمنعه من الغطس فيها فحسب، بل لأن هذه المياه، إذا ما دخلت العينين أو الأنف أو الفم بكميات لا تذكر، فستكون حارقة كالنار.
هكذا، يتمدد الناس على ظهورهم أو يجلسون على أرض البحر لتغمرهم المياه حتى أعناقهم، منتظرين هذه المياه لتؤدي دورها العلاجي. غير ذلك، لا شيء. هذا بحر لا شباك تُرمى في مياهه، لأن الأسماك لا تعيش فيه. ميّت كما اسمه. والبحر بلا سمكه وصياديه، بحر كئيب. وكما لا سمك، فلا أعشاب في البحر أيضاً. مع ذلك، فقد استخرج الصديق اللبناني من الوحول ما قرر مازحاً أنه نبتة، وكان فخوراً وهو يخبر المدرب الإعلامي الانكليزي عنها. ضحك هذا قائلا: انظر. لم يكن في هذا البحر غير هذه النبتة، وقد قتلتها للتو.
نحن هنا في ورشة تدريب إعلامية، بدعوة من مؤسسة الصوت الحر الهولندية، ومركز حماية وحرية الصحافيين الأردني. مجموعة من الزملاء اللبنانيين والأردنيين نزلنا في واحد من أربعة منتجعات متلاصقة، يبدو أن عالم البحر الميت يبدأ وينتهي عندها، وتسمى منطقة الفنادق، المنفتحة على ازدهار لاحق.
بعيداً عن البحر، تقع القرى الأردنية المتفرقة التي تعتاش من سهول مترامية تنتج ما يسميه الأردنيون السلة الزراعية.
البحر أرض بكر حطت عليه السياحة بعد توقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. مشهد جباله الجرداء شرقاً وغرباً ما زال يحيل إلى التاريخ العريق لهذه البلاد التي وطئتها أقدام أنبياء الأديان السماوية
السفير في 28-10-2009
السفير في 21-10-2009
السفير في 23 أيلول 2009









