Yahoo!

ليس عبثاً يا خوسيه ساراماغو

كتبها جهاد بزي ، في 23 حزيران 2010 الساعة: 12:07 م

السفير في 23 حزيران 2010

 

رسالة جديدة (أو مكررة لا فرق) إلى صديقي باتريك عازار

هذا موتٌ مختلف.
النعش المسجى في مكتبة، نصفه الأعلى مفتوح على مسنٍ أناقته تامة، يحضن يسراه بيمينه، موحياً بعجزه بعد الآن عن الكتابة. غير أنه، في الوقت نفسه، يضع فوق عينيه المغمضتين نظاراته الطبية.
هل يسخر خوسيه ساراماغو؟ يسخر من الموت حتى بعد مماته؟ سؤال يحيل إلى سؤال: أي ميت هذا الذي يحتاج إلى نظارات؟ ماذا سيفعل بها؟ لعله أراد أن يرى الموت لمرة، واضحاً. لعله، هو الملحد، قرر في اللحظة الأخيرة أن يجازف بأخذ نظاراته معه، ليرى الجنة أو جهنم أو العدم، لا فرق، باحثاً عن فكرة ما، بسيطة، لم تخطر على بال أحد من قبل، فيكتب رواية جديدة.
الكاتب في نعشه ليس مبتسماً، إلا إذا أردناه كذلك. إلا إذا أردنا أن نقرأ حواره الأخير مع الموت، بطريقته، متواصلاً، من دون سطر جديد لكل طرف، من دون مزدوجين، من دون قال وقلت. حوار كذاك الذي خاضه دون خوسيه في «كل الأسماء»، مع السقف، انقطع باستسلام الأخير أمام أسئلة خوسيه الكثيرة، واعترافه بأنه مجرد سقف.
أي حوار أجراه ساراماغو مع الموت، قبل الممات وبعده؟ لربما كان: ها أنت انتصرتَ يا موتي العزيز. نعم، انتصرتُ عليك يا خوسيه، لماذا إذاً ما زلت ترتدي نظاراتك؟ فلن تحتاج إليها حيث تذهب. بلى، سأفعل. سأكتبُ عن العدم. وهل ستحتاجُ إلى نظارات كي تكتب العدم يا عزيزي العجوز الميت؟ ربما أحتاجها. ما أدراك أنت أيها الموت؟ أنت لم تكن يوماً نهاية. أنت مجرد طريقة للعبور، ميزتك الوحيدة ألا طريقة أخرى غيرك. حسناً، سأتفقُ معكَ بأنني مجرد طريقة، لكنني أريد أن أعرف: كيف ستكتب رواية عن العدم؟ لا تخف يا عزيزي اللطيف، لن أعدم إيجاد فكرة، وحينها سأشرع بالكتابة، كعادتي. لا تنس، أيها الحرفيّ العتيق، انني أنا حرفيّ أيضاً. خذني أنت إلى العدم، وما عليك، سآتيك برواية عنه.
لا. ساراماغو لن يخوض هذا الحوار مع موته. كل واحد فينا كان وسيكون له حوار أخير، فريد وحميم يذهب إلى ذاك الدرك من القلب، حيث تستحيل مشاركته مع آخر غير الموت. أما هو، الموت، فلا كاتم للأسرار غيره.
خوسيه ساراماغو واحدٌ ممن لا يموتون، إذا ربطنا بقاءه، مجازاً، بما كَتب. لكنه مات. ولم يبقِ منه لهذا الكوكب الوحيد الكئيب إلا رماده وما كتب. غير أن مفارقة خوسيه الأخيرة، الأشد سخرية، أن رماده ما نُثر عبثاً، وكتاباته ما كانت لإثبات ألا سبب لوجودنا غير العبث.
المُلحد قرر أن لوجودنا، كما لانتفائنا، م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خوسيه ساراماغو حيث هو الآن

كتبها جهاد بزي ، في 18 حزيران 2010 الساعة: 21:49 م

لقد مات الكاتب إذاً..

حيث ولد الآن، يتلفت مراقباً. سيكتب عما يرى، لا فرق ما إذا كان في الجنة أو في جهنم، او حيث أظنه مكانه المفضل بعد الموت: العدم الرائع

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إلى السماء

كتبها جهاد بزي ، في 4 آذار 2010 الساعة: 22:36 م

السفير في 23 شباط 2010

 

 

 

في الطائرة قليلٌ منا. قليل ضئيل يتكوّم في آخر القلب، يدفع النبض إليه. قليل خائف من تلك المواجهة الآتية، لا محالة. هي لحظة نمضي عمرنا هاربين منها. لحظة المواجهة الأولى والأخيرة. لحظة خسارتنا المحتومة… حصاد آخر القلب بمنجل لا يخطئ ولا يسهو ولا ينسى موعداً ولا يتوه عن مكان.
لحظة اللحظة. نظل نبعدها ونبتعد عنها، وتظل تلاحقنا. أليس قليلاً من وجهنا ذاك الذي اتسعت عيناه وخُطف لونهما، وهو يسمع هدير سقوطه من السماء إلى البحر؟ أليس عجزه عجزنا؟ هل هم مجهولون تماماً، هؤلاء الذين على مقاعد الطائرة؟ هل هم مجهولون تماماً، هؤلاء الذين في قعر البحر؟ هل هم كذلك، أم أن بعضهم كامن فينا؟ ألهذا خفنا؟
على موعد دائم نحن مع ما لا نعرفه… موعد مجهول في وقته ومكانه وطرقه. عبث انتظاره وعبث التفكير فيه. عبث الهروب منه وعبث استعجاله. هو موعد مع العبث. من ذا الذي يواعد عبثاً؟
على هذا نمضي، على التجاهل. نقول في قلوبنا إن الشريان يضيق في صدرٍ آخر، وإن نقطة الدم تجمد في دماغ آخر، وإن السيــارة لا تنقــلب بنا، وإن الحرب لا تأخذنا نحن، وإن النمل الخبيث لا يتراكض إلا في لحم غيرنا، وإن الأرض لا تميد تحت أرجلنا، وإن الجدران لا تسقط على رؤوسنا وإن الانفجارات تبعثر أجساداً غير أجسادنا. دليلنا إلى ما نقول هو الذي حـدث لغيرنا ولم يحدث لنا. هكذا نطمئن قلوبنا. بالكذب عليها. بتهدئتها، بإبعادها عن انتظارها المؤرق.
لكنها، قلوبنا، لا تكفّ عن خوفها. لا سبيل لها إلا تلك التخـيلات الكئيبة والتماهي بها. آخر مـا رأته العـيون. الاسـم الأخير والوجــع الأخـير والوجه الأخير والفــكرة الأخـيرة والصـرخة الأخيرة والتمتــمة الأخـيرة والصورة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عين زرقاء

كتبها جهاد بزي ، في 7 كانون الثاني 2010 الساعة: 15:34 م

السفير في 6 كانون الثاني 2010

 

إلى ب. ع. كتتمة ما لحوار غريب ممتع

 
 
في الخامسة من فجر السنة الجديدة، في ازدحام السير في شارع بلس، أعرف مرّة من جديد أن هذه المدينة لي وحدي، وأن لا أحد يراها كما أراها أنا.
هكذا، حين تذهب فيروز بي إلى مكان صوتها، أعرف أنها لم تغنِّ لأحد سواي، ولا يكون هذا خيالاً. هكذا، حين أعيد قراءة رواياتي المفضلة. هكذا، حين أستمع إلى محمود درويش يغني قصائده، ترافقه آلات عود حزينة ملآنة بالأمل. هكذا، حين يكون البحر عيناً زرقاء على عنق بيروت، أنظر في العين، وأحسد نفسي على مدينتي.
لكن بيروت ليست مدينة غابرييل غارسيا ماركيز المعزولة لمئة عام. هناك حيث تحمل الفراشات الفتيات إلى سماء موتهنّ، وعلى صفحاتها يعيش الناس في لوحات زيتية متتالية تفوح منها روائح الموائد والحب المجنون بالشذا الآسر ذاته للدم والطين والخيانة. بيروت ليست شاعراً فلسطينياً لاجئاً يتأنى في تحريك قهوته العربية على النار بالقرب من صوت قذيفة أخرى تنفجر. واقعية بيروت ليست سحرية. وبيروت ليست فيروز.
المدينة التي بلا شجر، المدينة التي لا رائحة لها، لماذا أحبها؟ سأمضي عمري فيها ولا أجد لسؤالي جواباً. السجن اليومي الساحق بضوضائه. سماتها الأزلية، عنفها وخوفها وريبتها وتوجسها. غضبها المكبوت والمنفجر في سنواتها الأخيرة.
خطوط تماسها القديمة الباقية من دون انتباهنا، والجديدة التي اعتدناها. مواكب كبارها السوداء الشابحة، تزعق كغربان تهوي إلى احتضارها. ابتذال إعلاناتها ولافتاتها السياسية ودبق أصوات المغنين تندلق من نوافذ سياراتها. غبارها الذي لا شفاء منه. رعب «مثقفيها» في شارع الحمرا من تبادل تحية عابرة، ورعب شرفاتها من انتحار خادماتها، ورعب العمر حول عيون مسنّيها، سائقي سيارات أجرتها.
المدينة التفاحة السياسية الفاسدة، بقدرها الكئيب الذي لا يخبر أحداً من بسطائها متى ينتهي الصراع ويبدأ التوافق، ولا متى ينتهي التوافق ويعود الصراع. مدينة التظاهرات الغابرة، قاتلة المراهقين لا فرق بين دراجة نارية أو خلاف على أحقية في خلافة قبل ألف وخمسمئة سنة. مدينة نجماتها نسوة يقرأن الغيب ولم تتوقع واحدة منهن مسبقاً أن عمليات التجميل التي قررت إجراءها ستشوّه وجهها. مدينة دجالين يجنون الملايين من بيع أعشاب خرافية تشفي كل الأمرا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الآن تذكرت…

كتبها جهاد بزي ، في 9 كانون الأول 2009 الساعة: 11:39 ص

لم تنشر في مكان آخر

الآن تذكرت.
كنت أمشي في شارع مريض، حين سقطت السماء علي من فوق، وسحقتني.
صرت أقرب إلى الوحل. صرت اقرب إلى أحد اشكال الوحل الجميلة. كنت اهذي. اصرخ مقلدا كأسا من الويسكي المعتقة في الاقبية. وكنت ابكي. وكنت احاول أن أجعل من نفسي عصفورا من غير جناحين، لا يجيد أي نوع من الطيران. كنت أهذي. كنت افكر أنني أهذي لكنني لم اكن افعل إلا المطلوب مني بدقة وامانة عاليتين. كثر اخافوني في طفولتي. أذكرهم وإن كنت لن أذكرهم هنا. كثر أخافوني واظنني ما زلت خائفا. ما زلت خائفا بالرغم من اقترابي من الاربعين. كثر أخافوني لكنني الآن لن اقرر التوقف عن الخوف. لن اعالج نفسي بالكتابة او بغيرها من الىمال الزائفة. يبدو ان الاشياء هكذا تمضي. على مثل هذا الملل تمضي. الحياة بعد الاربعين، في الغالب، هي نفسها قبل الاربعين. لكن عيك أن تتخلص من تبعات أوجاعها. أن تتخلص من تبعات أوجاعها. تسمعني؟ أظنك لا تفعل. ها أنت تنتقل كما في كل مرة من الانا إلى الانت. كما في كل مرة. الم اقل لك إنك واحد من هؤلاء الذين لا يدرون في أي كوكب جلسوا ولا في أي عالم فكروا بالجلوس.
قرر، الآن. قرر لمرة اخيرة، أنك وصلت إلى آخر السطر، إلى كعب الفنجان. لديك ملل وجودي أضجرتني لكثرة ما حكيت عنه. إكتف إذا. تحدث عن أمر آخر. كيف تتوقف الآن عن الضجر. كيف تتوقف. لقد بلغت من الضجر ذروة. بلغت من الضجر ذروة. فهل تحقق صمتك؟ هل تحقق وحلك الابدي ورمادك المريض. ما أنت؟ لكنني لست بحاجة على لغة. لست بحاجة إلى لغة بينما انا افكر بما أنا افكر فيه. افكر بما أنا افكر فيه. هل تعرف بأن لا أحد ينتبه إلى وجود الآخرين في حياته؟ هل تعرف؟ الى اين تذهب من هنا؟ إلى اللامكان. جميلة هذه اللامكان. مخضرمة في العتق والكليشيه. أنظر يا ولدي. لقد ادى الامر إلى إحباطك. أعترف أنه ادى إلى احباطك. كيف تتخلص

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

على شاطئ بحر لا شباك ترمى في مياهه

كتبها جهاد بزي ، في 31 تشرين الأول 2009 الساعة: 17:55 م

السفير في 30-10-2009

في غرفة الاغتسال المكشوفة، يقف الرجل الطاعن في السن تحت خيط نحيل من المياه الحلوة النازلة من «الدوش». بجهد بالغ يتحرك تحت الخيط. يزيل عنه مياه البحر الميت.
مسن أوروبي أبيض بكّر في الخروج من البحر حيث يطفو في بقعة صغيرة منه عشرات الأوروبيين، معظمهم من المسنين. جلبته إلى هنا، في الغالب، «معجزات» البحر العلاجية التي تؤمنها مياهه ووحوله الحبلى بالمعادن والأملاح المفيدة. الآخرون ما زالوا عائمين على بحر الملح، في النقطة التي تنزل عن سطح البحار والمحيطات العادية 417 متراً. أي أنهم في أدنى مكان على سطح الكوكب.
لا سباحة حقيقية هنا. ففي البحر الذي أفقه ضفة أخرى تعلوها جبال فلسطين المحتلة، يظل الواحد عائماً، ليس لأن المياه الكثيفة ستمنعه من الغطس فيها فحسب، بل لأن هذه المياه، إذا ما دخلت العينين أو الأنف أو الفم بكميات لا تذكر، فستكون حارقة كالنار.
هكذا، يتمدد الناس على ظهورهم أو يجلسون على أرض البحر لتغمرهم المياه حتى أعناقهم، منتظرين هذه المياه لتؤدي دورها العلاجي. غير ذلك، لا شيء. هذا بحر لا شباك تُرمى في مياهه، لأن الأسماك لا تعيش فيه. ميّت كما اسمه. والبحر بلا سمكه وصياديه، بحر كئيب. وكما لا سمك، فلا أعشاب في البحر أيضاً. مع ذلك، فقد استخرج الصديق اللبناني من الوحول ما قرر مازحاً أنه نبتة، وكان فخوراً وهو يخبر المدرب الإعلامي الانكليزي عنها. ضحك هذا قائلا: انظر. لم يكن في هذا البحر غير هذه النبتة، وقد قتلتها للتو.
نحن هنا في ورشة تدريب إعلامية، بدعوة من مؤسسة الصوت الحر الهولندية، ومركز حماية وحرية الصحافيين الأردني. مجموعة من الزملاء اللبنانيين والأردنيين نزلنا في واحد من أربعة منتجعات متلاصقة، يبدو أن عالم البحر الميت يبدأ وينتهي عندها، وتسمى منطقة الفنادق، المنفتحة على ازدهار لاحق.
بعيداً عن البحر، تقع القرى الأردنية المتفرقة التي تعتاش من سهول مترامية تنتج ما يسميه الأردنيون السلة الزراعية.
البحر أرض بكر حطت عليه السياحة بعد توقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. مشهد جباله الجرداء شرقاً وغرباً ما زال يحيل إلى التاريخ العريق لهذه البلاد التي وطئتها أقدام أنبياء الأديان السماوية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في مطار بيروت:إنتَ موني؟ إنتَ موني؟

كتبها جهاد بزي ، في 31 تشرين الأول 2009 الساعة: 17:46 م

السفير في 28-10-2009

 

يمشي عنصر الأمن العام مستعجلاً في الممر الذي تشكله عوائق حديدية تفصل بين الواصلين ومستقبليهم. يخرج من الممر متابعاً إلى يمين صالة الوصول في مطار بيروت الدولي. يقبض بيده على مجموعة من جوازات السفر الخضراء.
على بعد أمتار منه، تمشي أكثر من عشرين امرأة. يلفتن النظر، لأسباب عدة. هنّ من العرق الأسود. معظمهن يغطي رأسه. أغطية الرأس تختلف من امرأة إلى أخرى. البعض يضع حجاباً أسود فوق ثوب أسود. البعض الآخر يضع حجاباً خمرياً طويلاً يصل طرفاه إلى البطن، يخبئ الشعر ويظهر الأذنين. البعض الثالث، الأكثر عدداً، يرتدي أثواباً آسيوية التقليدية. فضفاضة أنيقة، شالاتها مطرزة مبهرة. هذه الشالات ليست حجابات. تكشف عن مقدمة الرأس وتغطي زنوداً سمراء عارية. لون واحد من الرأس إلى أخمص القدمين، يختلف من شابة إلى أخرى. أصفر أو برتقالي، أزرق أو زهري. مزيّنات بالذهب. وكثيرات منهن تلمع ورود ذهبية صغيرة عند أطراف أنوفهن.
بينهن، تمشي واحدة بثوب أسود وحجاب كامل مطرز برسومات زهور. على النقاب الذي لا يكشف إلا عينيها، هناك زهرة مشابهة.
مسيرة بطيئة من الألوان فوق البلاط الرمادي الكئيب لصالة الانتظار. هن آخر الخارجات إلى صالة الوصول. يمشين خلف رجل الأمن العام من دون هدى. صامتات يتلفتن في أول ما يرونه من البلد الجديد. قاعة هائلة الاتساع والنظافة. يحملن حقائبهن الصغيرة بمعظمها. فيها أغراض قليلة لغربة آتية. مرهقات بعد ساعات السفر الطويل من بنغلادش إلى لبنان، مروراً بالخليج. لا يشبه بعضهن بعضا. لكن الملامح التي تطبع الوجوه واحدة، ملامح الحذر.
يلحقن عنصر الأمن العام إلى حيث لا يعلمن في الغالب. سيعرفن لدى وصولهن إلى آخر الصالة، حيث الغرفة بالواجهة الزجاجية، يجلس فيها عنصران من الأمن. بالقرب منها باب حديدي، يدلفن منه إلى ممر يؤدي إلى مكان آخر خفي عن العيون. في الداخل الخفي، محطة انتظارات العمال الأجانب الآتين إلى لبنان. بينما يدخلن إليه، يستمر عاملان في دفع مجموعة من العربات صوبهن، حتى تصطدم العربة الأولى من هذا القطار بإحداهن، وهي شابة جميلة، تجفل ملتفتة صوب الرجلين الضاحكين، يلهوان بالغريبات. يسقط شالها عن رأسها، فتعيده، وتتابع. كأن شيئاً لم يكن.
يدخلن في الممر ويختفين. يبقى الباب مفتوحاً. أما قطار العربات، فيدخل من ممر آخر قريب من الباب الحديدي.
في الفسحة أمام الغرفة والباب، يقف لبنانيون وفليبينيتان تنتظران إجراء معاملات مغادرتهما.
لغرفة الأمن العام نافذتان. النافذة الأولى لإنجاز أوراق المسافرين من العمال الاجانب، والنافذة الثانية للواصلين من هؤلاء العمال، ينجز تأشيرات الدخول التي تقدّم بها أرباب وربات البيوت اللبنانية. هنا يقف اللبنانيون حاملين تأشيرات دخول الخادمات، وخمسين ألف ليرة. يتعاملون مع جالس إلى مكتبه لا يرفع رأسه عن الأوراق بين يديه. مهذبون. أسئلتهم مقتضبة وخجولة. يقدمون التأشيرات والمال للموظف الصامت تقريباً، فيقوم ويبحث بين الجوازات المصطفة مفتوحة على طاولة صغيرة خلفه. يسحب منها الجواز الذي يلائم الورقة في يده. يضع فيه التأشيرة والمبلغ المالي ويركنه في مكان آخر. ينجز العنصر المعاملات في مجموعات. حين ينهون أوراقهم، ينسحبون إلى الفسحة أمام المكتب والباب الحديدي. كأي منتظر، يعلوهم ذاك الضجر العميق، تكسره الأحاديث الجانبية. على اللبنانيين أن ينتظروا، وعلى العاملات الانتظار. هو ليس انتظاراً. هو ترّقب يمر خلاله الوقت بطيئاً على الذي يفكر في شكل الخادمة الآتية، لأن ليس لديه أدنى فكرة عن امرأة آتية من بنغلادش إلا صورتها الشمسية، وبعض أحكام مسبقة عن شعوب تلك الناحية من العالم.
بين أي شخصين مفترضين، يبدأ الحديث هنا بسؤال يتخطى سبب الوجود في المكان. السؤال الأول بين امرأة لبنانية محجبة وأخرى ليست محجبة: «من وين جايبة؟». «من بنغلادش»، تجيب المحجبة. ترد الأولى: «وأنا كمان. بس خوفوني إنهن وسخين». تنفعل المحجبة: «جارتنا جابتها، متل التلج». تتابعان حديث تجارب الأخريات مع المستخدمات، بينما رجال ونساء آخرون يصلون إلى المكان. تمر بهما سيدة بدينة مرحة، تسير أمام الفليبينية الموظفة لديها التي تدفع عربة عليها حقائبها. تقول لواحدة من السيدتين، بمرح، ومن دون مقدمات: «بكرا بتصير تقلّك اسكتي».
الشابة الفليبينية ستقف مع الاثنتين المنتظرتين وينفتح حديث نجهله بلغة البلاد التي سيرجعن إليها بعد ساعات. إلى جانب الفليبينيات ستقف السيدة البدينة المرحة، تحكي مع قريبة لها ريثما يأتي وقت إنهاء معاملات مغادرة مستخدمتها.
الكلام خافت، والمكان هادئ. تقطع الهدوء لبنانية بحذاء ذي كعب عال وخطوات غاضبة، تصل إلى نافذة المغادرين وتعلم أن الوقت لم يحن بعد لإجراء معاملتها. ترجع. تشير إلى امرأة بنغالية بحجاب وعباءة سوداوين: «روحي وقفي هونيك»، مشيرة إلى جدار بعيد. تمشي تلك. تتابع اللبنانية الغاضبة: «وإنتو روحوا وقفوا حدها.. أحسن ما اقبرها هون بالمطار». فتمشي أم اللبنانية وابنتها التي لم تتخط العاشرة من عمرها. تنتبه هذه المرأة النزقة إلى أنها بصوتها المرتفع الآمر يسارا ويميناً، صنعت مشهداً التفت إليه الناس، فتتابع كأنها تتحدث إلى الام والبنت مع أنهما صارتا بعيدتين: «بدها تهرب؟ أنا بفرجيها». تريد للموجودين أن يسمعوا على ما يبدو. يمكن هؤلاء أن يصدقوا أو لا. في الأصل لا دخل لهم.
تختفي النزقة، وتقف المسنة والطفلة عند جانبي الخادمة بالثياب السوداء، كأنهما تحرسانها. تميل الخادمة على السيدة، تمسّد على كتفيها، تراضيها، فتشيل السيدة الرزينة قطعة شوكولا من حقيبة يدها وتنزع عنها الورقة وتعطيها لها.
تطل مجموعة من النسوة من الباب الحديدي. يشير أحد العناصر إلى غرف الخلاء. يمشين بعضهن خلف بعض. طويلات، قصيرات، نحيلات وممتلئات، بأعمار مختلفة، وبأزياء معظمها محتشم، بعضها يبدو أغلى ثمناً من بعضها الآخر. هن، في هذا الاختلاف، يشبهن تماماً اللبنانيات المنتظرات، يتشابهن في العرق واللهجة، ويختلفن في ما تبقى.
عند نافذة الأمن العام، يسأل أحدهم: «هون الإستلام؟» يجيبه الموجودن بنعم، من دون السؤال عن استلام ماذا؟ هم يعلمون أنه آت «لاستلام» خادمته الجديدة. لو أنه آتٍ إلى المطار للمرة الأولى، لاستقبال قريب له، واستخدم هذا التعبير للاستدلال إلى مكان استقبال العائدين «العاديين»، فإن أحداً لن يعرف قصده.
تعود النسوة البنغلادشيات إلى غرفة الانتظار. بعد دخولهن بقليل، يظهر عنصر الأمن العام نفسه، مكرراً مشهد جوازات السفر في يده. خلفه تمشي، هذه المرة، عشرون شابة أثيوبية. تفلت واحدة منهن، وتقبل رجلاً لبنانياً أشيب الشعر وت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بينهم.. يلوح بالعلم الاحمر

كتبها جهاد بزي ، في 31 تشرين الأول 2009 الساعة: 17:38 م

السفير في 21-10-2009

 

أرفع الهاتف وأصوّره. عيناه تلمعان. يلوّح بالـعلم بجدية لن يفهمها إلا من كان في الثالثة من العمر. يرتدي قميـصاً قطنيا أبيض عليه صورة تشي غيفارا. وفوقها، قميـص أحمر مفكوك الأزرار.
أصوره كي أسجّل في هاتفي المرة الأولى التي يلوح فيها بعلم في بيروت. أصوّره بجدية لا يفهمها إلا من كان أباً مثلي. طلب مني أن أؤمّن له علماً، ويجب عليّ التنفيذ من دون نقاش. سألت شابة جالسة إلى الرصيف أن تعيره علمها، وتجاوبت بفرح. وها هو يحمل علم «الحزب الشيوعي الأحمر»، وأفكر: هل هذا ما أريده له حين يكبر؟ أن يكون شيوعياً؟
اللبنانيون يأخذون أطفالهم إلى كل لقاءاتهم السياسية. يحملونهم إلى تجمعات مليونية، ويتلقطون بهم كي لا يضيعوا في بحر من البشر، على ما يحلو لهم أن يصفوا مشهدهم. يفرضون الشمس والمطر والازدحام الخانق المرهق على أطفال لا سبب آنياً لوجودهم إلا تحضيرهم للانتماء الذي ولد معهم، ومن المفترض أنهم سيعتنقونه بعد قليل من سنوات عمرهم.. وإلى الأبد.
بماذا أختلف عن اللبنانيين إذ أصر على إرساء تقليد خاص بأن نشارك، أنا وهو، في كل سنة، في التجمع أمام صيــدلية بسترس، في ذكرى انطلاق «جموّل»؟ أي رسالة أحاول تمريرها إلى ذهنه الطفل؟
لا أعرف. لا أريده شيوعياً لأنني لست شيوعياً أصلاً. غير أنني أخاف عليه من الاقتراب من الآخرين، كل الآخرين. لا أتخيله ملوّحاً بعلم حزب يشي بطائفة. لا أتخيله ضارباً الهواء بقبضته يعلن فداءه رجلاً بالدم. هو أغلى عندي، بما لا يقاس، من هؤلاء الرجال مجتمعين، أحياء وأمواتاً. لا أتخيله مستقوياً بكثرة، ولا حاقداً على آخر لأنه من غير لونه، ولا قارئاً في كتاب واحد، ولا مصغياً إلا لصوت واحد. أخاف عليه من الذوبان في الجموع.
هنا، وإن مشى وحده، فلن يضيع. هنا، لن يرتفع هتاف با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شاهدان

كتبها جهاد بزي ، في 28 أيلول 2009 الساعة: 12:58 م

السفير في 23 أيلول 2009

 

تصطف العصافير على واحد من الأسلاك الأربعة المتوازية بين عمودي الكهرباء. لا مفرّ من التشبيه: كأنّها نوتات موسيقية. نوتات بأجنحة ورؤوس تستقبل السماء. أزرق الفجر في السهل لا تداني رقته زرقة. شجرة الحور لا تزقزق. من عادتها أن تكون عرساً للعصافير. تطير إليها وتغيب فيها فتزقزق الشجرة. هي الآن صامتة. الصوت يأتي من بعيد. صوت جماعي يؤذن لصباح العيد. تُفتح البوابة الحديد للبيت ويطلان. وجهها الأبيض يضيء في استدارة الحجاب، وهو يبتسم، حليق الذقن، يرتدي بزّة رسمية. ليسا مستعجلين. يذهب ليحضّر سيارته لمشوار الصباح، وتتمشى في حديقتها الصغيرة. تنظر إلى عريشة العنب، والتينة وشجرتي المشمش والخرما. هذه لم تنضج حباتها بعد. ما زالت خضراء. إلى شتلات الورد. تختار أكثرها انتعاشاً وحمرة. تشمّها وتقطف منها. تمددها على ذراعها. أفضل الوردات.
الأذان يلحق بالسيارة تشق السهل، وعلى طرفيها سلسلتا الجبال. ستمطر. غرب السماء ينبئ بالمطر بعد وقت. الأذان. من دونه لا يمر على الواحد عيد. من دونه لا يمر إلى القلب فرح بالعيد. يطفو فوق السهل الناعس تدور المرشّات تغسل مزروعاته.
يصدح الأذان أقوى ولا يزعج. يركن السيارة إلى الرصيف الملاصق للجامع. يفتح لها الباب بعناية رفيق الأربعين سنة. يعبران الطريق ويتركها ليمشي إلى الدكان. عند باب المقبرة تشتري أوراق الريحان. كيفما التفتت ألقت تحية العيد. بضع خطوات في الداخل وتقف. تتلو ما يتلوه زوّار الراحلين إذ يدخلون عليهم، وتخطو على الدرب التي وإن أغمضت عينيها، تصل إلى حيث تريد.
يكون لحقها، حاملاً كيساً فيه حلوى. الناس بين الشجر الطويل كالنحل حول ورود نثروها على الأضرحة. أولاد العرب يمدّون أكي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حكاية “نيرودا عيثرون” كما رواها المواطن نبيه عواضة

كتبها جهاد بزي ، في 9 أغسطس 2009 الساعة: 21:25 م

السفير في 6 آب 2009

أمرُّ باسمك لا جيش يحاصرني
ولا بلاد كأني آخر الحرس
أمرُّ باسمك لا جيش يحاصرني
أو شاعر يتمشى في هواجسه
محمود درويش
 
جموّل صبيّة رقصت وزغردت على هضاب جبل عامل ومشت لساعات في ليل وديانه، قبل أن يقتلها أكثر من سبب.
لهذه الصبية أبناء كثر، بعضهم استشهد، وبعضهم أسر، وأكثرهم ما زال بيننا. إلى الكثر المجهولين من ابناء جموّل، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، هذه التحية التي لا مناسبة لها.
 
هل غفا نبيه؟
هو ورفاقه الثلاثة محشورون في "تتخيتة" (عليّة) بيت مهجور في دير سريان الجنوبية المحتلة. مرهقون بعد مسير طويل حمل فيه نبيه قاذفة ال "آر بي جي" وبندقيته "كلاشينكوف"، وجعبتيهما، وغالون المياه.
 في التتخيتة كوّة تطل على الطريق ينتظر فيها الشبان الاربعة مرور دورية اسرائيلية في اليوم التالي، حيث يفترض أن تنفجر فيها عبوة مزروعة، ثم يشتبك الشبان الاربعة مع الدورية، فيقتلون من يقتلون، ويأسرون من يأسرون. المجموعة الثانية متوارية بين اشجار بعيدة عن المكان، تتالف من ثلاثة عناصر مجهزين بصواريخ "ستيلا". هؤلاء يرصدون المروحية التي لا شك ستحلق بعد نحو عشرين دقيقة من انفجار العبوة فوق المكان. المجموعة الثالثة، من عنصرين، تقبع بعيداً، مهمتها الاسناد. هذه عملية مركبة ونوعية على أبواب الذكرى السادسة لإنطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، "جمول". نحن في التاسع من ايلول العام 1988.
هل غفا نبيه؟ هو جالس في التتخيتة على كنبة، تحت مكيف يبث هواء شديد البرودة على جسده النحيل شبه العاري. في رأسه كيس اسود. لقد جُلب قبل ساعة الى الكنبة تحت المكيف، بعدما وُضع تحت دوش مياه ساخنة جداً، ثم باردة مثلجة، ثم ساخنة حارقة، ثم باردة. لقد ارتخت اعصابه كلها. الآن يرتجف تحت المكيف، يسمع أصواتاً كثيرة. باب يُفتح ويُغلق. صراخ أشخاص يتعذبون. صوته هو يصرخ بعدما يتلقى فجأة لكمات متتالية على رأسه الذي تحت الكيس. يسأله صوت صار يعرفه: من قائدك؟ "جورج حاوي"، يقول نبيه. كذّاب، يقول الصوت. كم شخصا كنتم في العملية؟
أي عملية؟ يفكر نبيه. هو ما زال محشوراً على ارض باردة لتتخيتة بيت مهجور بالكاد تتسع له مع كايد وأحمد وعلي، ينتظرون الصباح كي تمر الدورية و…
أين يغفو هذا الفتى الأسمر إبن السادسة عشرة؟
 
***
لا. لن يذهب نبيه إلى عيثرون يا ام نبيل، يا والدة الصبي الذي كبر قبل أوانه، يا ارملة الشيوعي الذي أخذه السرطان منك ومن نبيل وزويا ونبيه ومحمد،  ليلة رأس سنة 1980. لا. أنظري إليه. يجلس بالقرب ممن هم اكبر منه، يحرس معهم "القصر"، مركز الحزب الشيوعي في طريق الجديدة. أنظري إليه، يضع الكلاشينكوف الروسي في حضنه، منتظراً رنا كي تمر فتراه مع بندقية. يرسم لرنا قلباً بسهم. يضع حرف اسمه وعلامة سؤال. فوق العلامة تترك حرف اسمها. يحبها ويكتب لها قصائد. لذا سماه أحد المجهولين في الغرفة "السرّية" من بيتكِ نيرودا. عملتِ جاهدة على ابقاء الغرفة من بيتك بعيدة عن عيون اولادك. البيت الذي اسكنك فيه الحزب والتي تستخدم  جموّل إحدى غرفه مكانا سريا لمقاوميها. لن يخبرك نبيه أنه مرة فتح باب الغرفة التي كانت تشغل باله ورآهم، اربعة منهكين أحدهم تنزف ساقه دماً. واشار المصاب إلى نبيه ان إقتربْ فاقترب. طلب منه ألا يخبر أحداً عما رآه في الغرفة وسأله ماذا يريد. فاشار نبيه إلى السلاح وقال: علمني.
كم كان عمره حينها؟ 12 سنة؟ مر سنتان على الاجتياح. ومن يومها وهو يتعرف على المجهولين المتتالين تستضيفهم غرفة البيت الذي سيدته أم كريمة.
ها قد مر عامان أيضاً. لقد صار في الرابعة عشرة. يعرف أغاني مارسيل خليفة، وناشط في اتحاد الشباب الديموقراطي، ولن يخبرك أنه أجرى دورة عسكرية ليوم واحد. لن يترك الحزب والرفاق  ولن يترك رنا ويذهب إلى عيثرون البعيدة المحتلة. هو باق هنا. ولدٌ بين مقاتلين يمرون على الغرفة ويتعرف عليهم ويختفون. وولدٌ بين شبان يحرسون مركز الحزب. واحد منهم يقول له إن رنا برجوازية، ولن تحبه، ولن تتزوجه، فيحزن. هو يحبها، ويحب رائحة البارود ويحب رائحة شحم السلاح.
اسمعي: أرى في عينيك ربيع عيثرون. المس في يديك تراب عيثرون.
هذه قصيدة كتبها لرنا وعيثرون والشهيدة لولا عبود معاً. نُشرت في جريدة "النداء" ووقعها باسم نيرودا عيثرون. وقرأها الرفيق زاهي أسمر في الباص حين كانوا في رحلة. كان نبيه ولدا، يجلس نافخاً صدره ويطوي ذراعه ويريحها فوق النافذة.
 حياته كلها مرتبطة بالحزب الشيوعي الآن.  لا ترسليه بعيداً.
 
***
 ترك نبيه قبلة على خد رنا.  سيذهب إلى عيثرون. لقد أخبر رفيقاً عن نية أمه بابعاده. لاحقاً، يعلن الرفيق للولد أنه من "جمول"، ويطلب منه أن يذهب بصفته مقاوماً سرياً إلى القرية لينقل معلومات عن العملاء وبيوتهم وتحركاتهم وينتظر أي أوامر تطلبها منه "جمول". صار الفتى رجلاً في هذه اللحظة، او هكذا ظن. وامه ستفرح لأنه وافق بان ينتقل إلى بيت عمه في عيثرون، حيث يبتعد عن السلاح، ويتعلم. لكنه تعلم على يد الرفيق كيفية تركيب عبوة. وتعلم كيف يكتب التقارير. قال لرنا إنه مغادر، وزعلت كثيراً فاجابها بانفعال: انا لازم اطلع على الضيعة، من دون أن يضيف، ثم ترك المقاوم تلك القبلة يتيمة على خد حبيبته. للصبي قضية كبرى الآن.
رجع إلى قريته، وصار يعمل وحيداً. تصادق مع كثيرين في مدرسة عيثرون الرسمية، منهم أبناء عملاء، وتردد على الفتيات، ليبدو مراهقاً متفلتاً. لم يحك كلمة واحدة يمكن أن تدل على انتمائه، لم يردد أغنية. لم يستذكر سطرا من قصيدة لمحمود درويش. السرية التامة. فقط "صوت الشعب"، يستمع إليها ليلا وأهل بيت عمه نيام.
ثلاثة أشهر، ونزل إلى بيروت جالباً "الأغراض" معه. تقارير كتبها خارج بيت عمه وكان يدفنهما ملفوفة بالنايلون في جل قريب. جمع معلومات ورسم خريطة القرية وكل ما يراه من تحركات إسرائيلية ولحدية، وحدد مواقع بعض بيوت العملاء. كان يعمل.
رأى الفتى خلال إقامته أن المراقبة ليست كافية. اشترى ورق الكاربون، وصار يكتب على أوراق: أن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تحذركم من التعامل مع العدو الصهيوني. الموت للعملاء والمجد للشهداء. جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. رمى الأوراق على ارض القرية لدب الرعب في صفوف العملاء. وفي المدرسة، رسم على ألواح الصفوف مناجل ومطارق. لاحقا سيعرف أنه أخطأ. شغل بال مجموعات شيوعية سرية في القرية حين شاعت أخبار المناجل والمطارق والبيانات.
من بيروت، عاد إلى القرية يحمل مهمة حقيقية هذه المرة: تأتي فتاة وتسأله: إنت شاطر بالرياضيات؟ يجيب: إيه شاطر بالرياضيات. تعطيه مسدساً ليغتال به عميلاً لحديا معروفاً. انتظر الفتاة وسؤالها ثلاثة أشهر، ولم تأت.
رجع إلى بيروت في عطلة ربيع العام 1987. عمه الذي سمع ان العيون تتفتح على الصبي رافقه إلى المعبر ليلاً، وحين عبر نبيه البوابة ارتاح العم. لم يُرسل ثانية إلى عيثرون.
 
***
 
 في العام 1987 ذهب نبيه إلى صيدا حاملاً "ظرفاً" يعرّف عن حامله، على جاري عادة "جمّول" في العمل. استقبله وجه يعرفه جيداً. هو واحد ممن كانوا في غرفة بيتهم. صار الآن دور نبيه في الانتظار. ثلاثة ايام بقي في غرفة قبل ان تاتي سيارة تقله إلى قرية جون حيث نزل في بيت سرّي. ظل الى ما بعد منتصف الليل، وقد التحق به ثلاثة شبان يعرف واحد منهم هو محمد رمضان، رفيقه في المدرسة، الذي سيؤسر في عملية لاحقة. نقل الشبان كمية من مادة "تي أن تي" إلى قرية أنان المحتلة في منطقة جزين. مشى نبيه في الوديان حاملا سلاحه وجعبته. نفذت المجموعة مهمتها. ومجموعة اخرى فجرت العبوة بدورية اسرائيلية.
بعد هذه العملية، إنتسب نبيه عواضة إلى الحزب الشيوعي اللبناني. مسؤوله التنظيمي في الحزب لم يكن يعرف أن نبيه في المقاومة. ونبيه لم يكن يعرف أن رفيقه في منظمة بيروت أنور ياسين هو أيضاً مقاوم. والعكس صحيح. حين كان نبيه عواضة في عملية، كان أنور ياسين ينتظره في المركز في بيروت كي يأتي ويحل محله في الدوام في المركز.
 تأخر نبيه، ولما وصل، كان أنور غاضباً. لوح بذارعه في وجه نبيه متبرما من تأخره. وحث انور ياسين الخطى إلى المهمة التي سيؤسر خلالها على امتداد 17 سنة.  
 
***
في العامين 1987 و1988 طلع نيرودا في ثماني مهمات، في كل من وادي الحجير وبرعشيت وفرون وفي منطقة كفررمان حيث اشتبك مع دورية اسرائيلية بعد انفجار عبوة فيها. يجهل ما إذا كان قد أصاب إسرائيليا في تلك المهمة،
لكنه خاض المعمودية. غمره فرح عارم. للمرة الاولى أحس بأنه يعوّض عن عملية "إنت شاطر بالرياضيات" التي لم ينفذها.
خالد، للمناسبة، هو اسم نبيه في جمول، وفي بيروت، اسمه نيرودا عيثرون. له صديق اسمه ألكسي، يحكي له عن معنى المقاومة. يقول له إن معارك الداخل كريهة ول

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي